تزخر اللغة العربية بظواهر نحوية تميزها عن غيرها من اللغات، ومن بين هذه الظواهر اللافتة ما يُعرف من منهج النحو بباب الأسماء الخمسة. هذه الأسماء ليست مجرد كلمات عادية تخضع لقواعد الرفع بالضمة والنصب بالفتحة والجر بالكسرة، بل هي مجموعة نخبوية من الأسماء لها "شخصية إعرابية" مستقلة، حيث تعرب بالحروف بدلاً من الحركات.
![]() |
| الأسماء الخمسة في اللغة العربية - قواعدها الفريدة وإعرابها بالحروف |
إن هذه الأسماء الخمسة هي: (أب - أخ - حم - فو - ذو). ونشير إلى معلومة دقيقة، وهي أن البعض جعلها ستة أسماء بإضافة كلمة (هَنُ) ومعناها ما يستقبح ذكره من الرجل والمرأة، ولكن نستبعدها لكونها لم تشتهر في الاستعمال القرآني، ولأن استعمالها بالإعراب بالحروف قليل أو كما وصفه لم يأتِ بها، لذا استقر الأمر على تسميتها بالأسماء الخمسة.
في هذا المقال الشامل، سنغوص في عمق هذا الباب النحوي، لنستكشف العلامات الإعرابية الخاصة بهذه الأسماء، والشروط الدقيقة التي يجب توافرها لكي تُعرب هذا الإعراب، وصولاً إلى تطبيقات عملية من آيات الذكر الحكيم توضح حالات الرفع والنصب والجر.
العلامات الإعرابية: الانتقال من الحركات إلى الحروف
القاعدة الذهبية التي يرسخها في أذهان الطلاب هي أن الأسماء الخمسة تخرج عن الأصل في الإعراب. فبينما تُعرب معظم الأسماء بالحركات الظاهرة، نجد أن الأسماء الخمسة تعتمد على "الحروف" لبيان موقعها في الجملة.
إن هذه الأسماء:
- تُرفع بالواو: فتكون الواو علامة للرفع نائبة عن الضمة.
- تُنصب بالألف: فتكون الألف علامة للنصب نائبة عن الفتحة.
- تُجر بالياء: فتكون الياء علامة للجر نائبة عن الكسرة.
ولكن، هل كلما رأينا كلمة "أب" أو "أخ" نعربها بالحروف؟ الإجابة القاطعة هي "لا". فقد وضع النحاة سياجاً من الشروط الصارمة التي يجب أن تتوفر في هذه الأسماء لتستحق هذا الإعراب المميز، وإذا اختل شرط واحد منها، عادت إلى أصلها وأعربت بالحركات.
الشروط الأربعة لإعراب الأسماء الخمسة
الشروط الواجب توافرها في الأسماء الخمسة لتُعرب بالواو والألف والياء، وهي أربعة شروط رئيسية تتعلق بالإفراد، والإضافة، وبنية الكلمة.
الشرط الأول: الإفراد (أن تأتي مفردة)
لكي يُعرب الاسم إعراب الأسماء الخمسة، يجب أن يدل على واحد (مفرد). فإذا تحول الاسم إلى صيغة المثنى أو الجمع، فإنه يخرج فوراً عن هذه القاعدة.
وقد أوضح هذا الشرط بمثالين قرآنين يوضحان ما يحدث عند فقدان شرط الإفراد:
- في حالة التثنية: قوله تعالى: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: 80]. هنا كلمة "أبواه" جاءت مثنى، ولذلك لم تُرفع بالواو، بل أُعربت إعراب المثنى (مرفوع بالألف) لأنها اسم "كان".
- في حالة الجمع: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. كلمة "إخوة" جاءت جمع تكسير، لذلك أُعربت بالحركات الأصلية (خبر مرفوع بالضمة الظاهرة). وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم﴾ [النساء: 22]، حيث جاءت "آباؤكم" جمعاً فرفعت بالضمة.
إذن، القاعدة واضحة: لكي نقول "مرفوع بالواو" يجب أن يكون الاسم مفرداً مثل "أبوك" أو "أخوك".
الشرط الثاني: الإضافة لغير ياء المتكلم
الشرط الثاني هو أن يكون الاسم "مضافاً"، أي يأتي بعده مضاف إليه، سواء كان اسماً ظاهراً أو ضميراً. ولكن الكتاب وضع استثناءً هاماً جداً: "ألا تكون مضافة لياء المتكلم".
- الإضافة الصحيحة: مثل (أبوك، أخوه، ذو مال). هنا أضيفت الأسماء إلى الكاف، أو الهاء، أو اسم ظاهر، فتُعرب بالحروف.
- الإضافة الممنوعة (ياء المتكلم): إذا أضيف الاسم إلى ياء المتكلم مثل (أبي، أخي)، فإنه يخرج عن إعراب الأسماء الخمسة. وفي هذه الحالة، يُعرب بحركات مقدرة على ما قبل الياء منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.
وقد استشهد الكتاب بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: 23]. كلمة "أخي" هنا خبر "إن" مرفوع، ولكن علامة رفعه الضمة المقدرة، وليست الواو، لأنه أضيف إلى ياء المتكلم.
الشرط الثالث: خلو "فو" من الميم
يختص هذا الشرط بكلمة (فو) التي تعني الفم. يشترط أن تحذف منها حرف "الميم" لكي تُعرب إعراب الأسماء الخمسة. فنقول: (هذا فوك، ورأيت فاك).
أما إذا بقيت الميم وقلنا "فم"، فإنها تُعرب بالحركات الظاهرة الأصلية (الضمة، الفتحة، الكسرة).
الشرط الرابع: أن تكون "ذو" بمعنى صاحب
يختص هذا الشرط بكلمة (ذو). حيث يجب أن تأتي بمعنى "صاحب" وتضاف إلى اسم جنس ظاهر. ومثال ذلك من الكتاب: "والله ذو الفضل العظيم"، أي "صاحب الفضل".
التطبيق العملي: الأسماء الخمسة في حالة الرفع
بعد استعراض الشروط، ينتقل بنا المطاف إلى التطبيق العملي من خلال الآيات القرآنية، ونبدأ بحالة الرفع حيث تكون العلامة هي "الواو".
من الشواهد البارزة قوله تعالى: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: 23]. عند إعراب كلمة "أبونا"، نجدها وقعت في بداية الجملة الاسمية، فهي "مبتدأ". ولأنها استوفت الشروط (مفردة، ومضافة لغير ياء المتكلم "نا")، فقد رُفعت بالواو.
وشاهد آخر في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: 124]. كلمة "أخوهم" هنا فاعل للفعل "قال"، وجاءت مرفوعة بالواو لأنها من الأسماء الخمسة، والضمير "هم" مضاف إليه.
وكذلك في وصف الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 21]، حيث وقعت "ذو" خبراً مرفوعاً بالواو، وهي مضافة إلى اسم ظاهر (الفضل).
التطبيق العملي: الأسماء الخمسة في حالة النصب
ننتقل إلى حالة النصب، حيث تستبدل الفتحة بحرف "الألف". وقد زخرت الصور بأمثلة توضح مواقع نصب مختلفة (خبر كان، اسم إن، مفعول به).
في قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40]. الفعل الناسخ "كان" يرفع المبتدأ وينصب الخبر. كلمة "أبا" جاءت خبراً لـ "كان"، ولأنها من الأسماء الخمسة، نُصبت بالألف نيابة عن الفتحة.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: 78]. كلمة "أباً" هنا هي اسم "إن" المؤخر (وأصل الكلام: إن أباً له)، فجاءت منصوبة، ورد هذا المثال في سياق النصب، ولكن هل كلمة "أباً" هنا من الأسماء الخمسة؟ لو دققنا في شرط الإضافة، نجد أن "أباً" جاءت منونة وغير مضافة! تنويه: يبدو أن الكتاب أورد الآية ليستخرج منها الطالب أو ليميز، ولكن المثال الصحيح للأسماء الخمسة في النصب هو المضاف، مثل: ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ [يوسف: 65]، حيث "أخانا" مفعول به منصوب بالألف لأنه مضاف لـ "نا".
ومن الأمثلة الواضحة جداً في النصب قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ (هذا رفع)، أما النصب ففي قوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ [الروم: 38]. الفعل "آتِ" فعل أمر، والفاعل مستتر، وكلمة "ذا" مفعول به منصوب وعلامة نصبه الألف لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف.
التطبيق العملي: الأسماء الخمسة في حالة الجر
الحالة الثالثة هي الجر، وعلامتها "الياء" نيابة عن الكسرة. وتأتي هذه الحالة عندما يُسبق الاسم بحرف جر أو يقع مضافاً إليه.
من الأمثلة: ﴿ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: 81]. كلمة "أبيكم" سُبقت بحرف الجر "إلى"، فتحولت من "أبوكم" إلى "أبيكم"، وعلامة جرها الياء.
نعم، في الصورة العاشرة، ورد قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]. كلمة "أبي" هنا مضاف إليه مجرور (أضيف إلى "يدا")، وعلامة جره الياء لأنه من الأسماء الخمسة.
وشاهد آخر لاسم مجرور بحرف الجر في قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35]. الباء حرف جر، و"أخيك" اسم مجرور بالياء.
نماذج من التدريبات وتحليلها
لترسيخ هذه القواعد، دعونا نستعرض بعض النماذج من التدريبات ونقوم بتحليلها وفقاً لما سبق:
- في قوله تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: 28]. هل كلمة "أخت" من الأسماء الخمسة؟ الإجابة وفقاً لمنهج الكتاب: لا، لأن الأسماء الخمسة هي (أب، أخ، حم، فو، ذو) للمذكر، وكلمة "أخت" مؤنثة، لذا تعرب بالحركات (منادى منصوب بالفتحة).
- في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾ [يوسف: 68]. "أبوهم": فاعل مرفوع بالواو.
- في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ (لا يوجد أسماء خمسة هنا، "بني" ملحق بجمع المذكر).
- في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ﴾ [البقرة: 177]. كلمة "ذوي" هنا جمع (جمع مذكر سالم في حالة النصب)، وليست من الأسماء الخمسة التي يشترط فيها الإفراد، لذا نصبت بالياء لأنها ملحقة بجمع المذكر السالم. أما الأسماء الخمسة فمثالها ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ﴾ (مفرد).
ختاماً، يتضح لنا أن "الأسماء الخمسة" باب يعلمنا الدقة في التعامل مع بنية الكلمة. إنها خمس كلمات فقط (أب، أخ، حم، فو، ذو)، لكنها تتطلب انتباهاً خاصاً لشروطها الأربعة: أن تكون مفردة، مكبرة (لم يذكر الكتاب التصغير ولكنه ضمني)، مضافة لغير ياء المتكلم، وأن تكون "فو" خالية من الميم و"ذو" بمعنى صاحب. متى ما اجتمعت هذه الشروط، استمتعنا بجرس اللغة العربية وهي ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجر بالياء.
الأسئلة الشائعة حول الأسماء الخمسة في النحو
ما هي قاعدة الأسماء الخمسة؟
قاعدة الأسماء الخمسة أن هذه الأسماء: (أب، أخ، حم، فو، ذو) تعرب بعلامات فرعية بدل الحركات، فتنتقل من الضمة والفتحة والكسرة إلى الواو والألف والياء، وذلك إذا تحققت شروطها.
- الرفع بالواو نيابة عن الضمة
- النصب بالألف نيابة عن الفتحة
- الجر بالياء نيابة عن الكسرة
ما هي شروط إعراب الأسماء الخمسة بالحروف؟
حتى تُعرب الأسماء الخمسة بالحروف (واو/ألف/ياء) لا بد من تحقق الشروط الآتية:
- أن تكون مفردة (فإن ثُنّيت أعربت إعراب المثنى، وإن جُمعت أعربت بالحركات).
- أن تكون مضافة.
- ألا تُضاف إلى ياء المتكلم (مثل: أبي، أخي).
- فو: تُعرب بالحروف عند حذف الميم (فو)، لا عند بقائها (فم).
- ذو: تُعرب بالحروف إذا جاءت بمعنى صاحب وأضيفت إلى اسم جنس ظاهر.
كيف يمكن للأسماء الخمسة أن تتغير إعرابياً؟
تتغير الأسماء الخمسة بحسب موقعها في الجملة (رفع/نصب/جر)، وبحسب تحقق شروطها:
- إذا تحققت الشروط: أبوك / أباك / أبيك (واو/ألف/ياء).
- إذا اختل شرط: تعود إلى الإعراب بالحركات أو إلى إعراب المثنى.
مثال مهم: إذا جاءت غير مضافة مثل: أبًا (منونة)، فهي ليست على باب الأسماء الخمسة وتُعرب بالحركات.
هل الضمة هي علامة رفع الأسماء الخمسة؟
الأصل في رفع الأسماء هو الضمة، لكن الأسماء الخمسة تُرفع بالواو نيابة عن الضمة إذا تحققت الشروط.
أما عند اختلال الشروط فقد تظهر الضمة (مثل الجمع: آباؤكم)، أو تكون الضمة مقدرة (مثل: أخي إذا أضيفت لياء المتكلم).
متى تسقط قاعدة الإعراب بالحروف وتعود الأسماء الخمسة للحركات؟
تعود الأسماء الخمسة للحركات أو لإعراب المثنى في الحالات الشائعة الآتية:
- التثنية: مثل (أبواه) → تُعرب إعراب المثنى.
- جمع التكسير: مثل (إخوة، آباء) → تُعرب بالحركات.
- الإضافة لياء المتكلم: (أبي، أخي) → حركات مقدرة.
- القطع عن الإضافة: (أبٌ / أبًا) → حركات ظاهرة.
ما الفرق بين “ذو/ذا/ذي” في باب الأسماء الخمسة؟
إذا كانت ذو بمعنى صاحب وأضيفت إلى اسم جنس ظاهر، فإنها تُعرب إعراب الأسماء الخمسة:
- ذو في الرفع
- ذا في النصب
- ذي في الجر
أما إذا لم تكن بمعنى “صاحب” أو لم تُضف الإضافة المطلوبة، فلا تدخل في هذا الباب.
هل “فو” من الأسماء الخمسة دائمًا؟
ليست دائمًا؛ تُعرب “فو” بالحروف عند حذف الميم (فو)، مثل: فوك صادق. أما إذا بقيت الميم (فم) فتُعرب بالحركات، مثل: هذا فمٌ حسنٌ.
