تُبنى الجملة الاسمية في اللغة العربية على ركنين أساسيين لا غنى لأحدهما عن الآخر: المبتدأ والخبر. إتقان قواعد هذين الركنين يحل لك الجزء الأكبر من مشكلات الإعراب، ويمنحك القدرة على صياغة جمل دقيقة وخالية من الأخطاء النحوية.
![]() |
| دليلك الشامل لإتقان قواعد المبتدأ والخبر | شرح مفصل بدون تعقيد |
في هذا الدليل المركز، نضع بين يديك الخلاصة النحوية الموثقة لفهم الجملة الاسمية، بدءاً من التعريفات الأساسية وصولاً إلى الحالات المتقدمة للتقديم والتأخير والحذف، لتكون مرجعك النهائي في هذا الباب.
ما هو المبتدأ والخبر؟ (المفهوم النحوي)
تعتمد اللغة العربية على نظام "الإسناد" لإيصال المعنى التام. وفي الجملة الاسمية، يمثل المبتدأ والخبر طرفي هذا الإسناد.
المبتدأ (موضوع الجملة)
هو الاسم المرفوع، المجرد من العوامل اللفظية غير الزائدة، والذي يقع غالباً في بداية الكلام لنتحدث عنه ونصدر حكماً عليه. سُمي مبتدأً لأننا نبتدئ به الجملة، وحالته الإعرابية الثابتة هي "الرفع".
الخبر (الحكم أو المعلومة)
هو الجزء الذي يتمم المعنى مع المبتدأ، ويشكل الفائدة التي يحسن السكوت عليها. بدون الخبر، يظل ذهن السامع معلقاً ينتظر إكمال الجملة. فإذا قلنا: "التعليمُ..." وصمتنا، فالجملة ناقصة، ولكن باضافة الخبر: "التعليمُ أساسُ النهضةِ"، يكتمل المعنى تماماً.
صور وأنواع المبتدأ في الجملة الاسمية
لا يأتي المبتدأ كاسم ظاهر صريح فقط، بل تتعدد صوره لتشمل عدة أشكال نحوية:
- الاسم الظاهر: وهو الشكل المعتاد. مثل: العلمُ نورٌ.
- الضمير المنفصل: وتحديداً ضمائر الرفع المنفصلة (أنا، نحن، هو، أنت...). مثل: نحنُ أمةٌ منتجةٌ. (نحن: ضمير مبني في محل رفع مبتدأ).
- اسم الإشارة: مثل: هذا عاملٌ مخلصٌ.
- الاسم الموصول: مثل: الذي يجتهدُ ينجحُ.
- المصدر المؤول: يتكون غالباً من (أنْ + الفعل المضارع). مثل: "وأنْ تصوموا خيرٌ لكم". التقدير: صيامُكم خيرٌ لكم.
أنواع الخبر وأحكامه الإعرابية
ينقسم الخبر في اللغة العربية إلى ثلاثة أنواع رئيسية، تمنح التعبير مرونة وجمالاً:
1. الخبر المفرد
يُقصد بالمفرد هنا "ما ليس جملة ولا شبه جملة"، حتى لو دلت الكلمة على مثنى أو جمع. يجب أن يطابق الخبر المفرد المبتدأ في التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع.
- المهندسُ بارعٌ. (مفرد)
- المهندسانِ بارعانِ. (مثنى)
- المهندسونَ بارعونَ. (جمع مذكر سالم)
2. خبر الجملة (الاسمية والفعلية)
يقع الخبر جملة كاملة، ويُشترط فيها وجود ضمير (رابط) يعود على المبتدأ ويطابقه.
- خبر الجملة الاسمية: مثل: الشجرةُ ثمارُها ناضجةٌ. (الشجرة: مبتدأ أول، ثمار: مبتدأ ثانٍ، الهاء: رابط، ناضجة: خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية "ثمارها ناضجة" في محل رفع خبر المبتدأ الأول).
- خبر الجملة الفعلية: مثل: الطالبُ يذاكرُ دروسَهُ. (الطالب: مبتدأ، يذاكر: فعل مضارع والفاعل مستتر يعود على الطالب، والجملة الفعلية في محل رفع خبر).
3. خبر شبه الجملة
يتكون من الظرف (زمان أو مكان) أو الجار والمجرور. ويكون شبه الجملة متعلقاً بمحذوف تقديره (كائن) أو (مستقر).
- شبه جملة ظرف: الطائرُ فوقَ الغصنِ.
- شبه جملة جار ومجرور: النظافةُ منَ الإيمانِ.
علامات إعراب المبتدأ والخبر (الأصلية والفرعية)
الرفع هو الحالة الثابتة للمبتدأ والخبر، وتختلف علامة الرفع بناءً على نوع الكلمة:
- الضمة (علامة أصلية): تُستخدم مع الاسم المفرد (القلمُ جديدٌ)، وجمع التكسير (الطلابُ أذكياءٌ)، وجمع المؤنث السالم (الطالباتُ مجتهداتٌ).
- الألف (علامة فرعية): تُستخدم إذا كان الاسم مثنى. مثل: الكتابان مفيدانِ.
- الواو (علامة فرعية): تُستخدم مع جمع المذكر السالم (المعلمونَ مخلصونَ)، ومع الأسماء الخمسة (أبوكَ ذو فضلٍ).
متى يتقدم الخبر على المبتدأ؟ (الجواز والوجوب)
الأصل أن يسبق المبتدأ الخبر، لكن القواعد البلاغية والنحوية تقتضي التقديم في حالات محددة:
تقديم الخبر جوازاً
يجوز التقديم إذا كان المبتدأ معرفة والخبر شبه جملة، وغرضه لفت الانتباه والتوكيد. مثل: في التأني السلامةُ، ويجوز: السلامةُ في التأني.
تقديم الخبر وجوباً
يجب تقديم الخبر ويُمنع تأخيره في أربع حالات رئيسية:
- المبتدأ نكرة والخبر شبه جملة: مثل: عندي ضيفٌ. (لا يجوز: ضيف عندي).
- الخبر من أسماء الصدارة (كالاستفهام): مثل: متى السفرُ؟ (السفر: مبتدأ مؤخر، ومتى: خبر مقدم وجوباً).
- في المبتدأ ضمير يعود على بعض الخبر: مثل: للمدرسةِ مديرُها. (الهاء في مديرها تعود على المدرسة، ولا يصح تقديم المبتدأ لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة).
- إذا كان الخبر مقصوراً على المبتدأ: مثل: إنما في الدارِ محمدٌ.
مواضع حذف المبتدأ والخبر وجوباً
تميل العربية إلى الإيجاز متى ما وُجد دليل يفهم منه المعنى المتروك، وتتضمن حالات الحذف الوجوبي ما يلي:
حذف المبتدأ وجوباً
- في أسلوب المدح والذم مع نعم وبئس: مثل: نِعْمَ الخُلقُ الصدقُ. (الصدق: خبر لمبتدأ محذوف وجوباً تقديره "هو").
- إذا كان الخبر مصدراً نائباً عن فعله: مثل: صبرٌ جميلٌ. التقدير: (أمري أو شأني صبر جميل).
- في القسم بغير الصريح: مثل: في ذمتي لأجتهدنَّ. (المبتدأ محذوف تقديره "عهدٌ أو يمينٌ").
حذف الخبر وجوباً
- بعد "لولا" (إذا كان الخبر كَوناً عاماً): مثل: لولا العلمُ لساد الجهلُ. (الخبر محذوف وجوباً تقديره "موجود").
- بعد القسم الصريح: مثل: يَمِينُ اللهِ لأنصرنَّ الحق. (الخبر محذوف وجوباً تقديره "قَسَمي").
- بعد واو المعية للمصاحبة: مثل: كلُّ عاملٍ وأدواتُه. (الخبر محذوف وجوباً تقديره "متلازمان").
الابتداء بالنكرة (مسوغات الابتداء)
الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة، ولا يجوز الابتداء بنكرة مجهولة إلا إذا أفادت التخصيص أو التعميم، ومن أهم المسوغات:
- أن تُسبق بنفي أو استفهام: مثل: ما ظالمٌ منتصراً، أو هل إلهٌ مع الله؟
- أن تُوصف النكرة: مثل: رجلٌ كريمٌ زارنا. الوصف قيد النكرة فسوغ الابتداء بها.
- أن تُضاف النكرة إلى نكرة: مثل: طالبُ علمٍ حاضرٌ.
- أن يتقدم عليها خبرها شبه الجملة: مثل: أمامَ البيتِ سيارةٌ.
خاتمة: كيف تتقن استخراج المبتدأ والخبر؟
إعراب الجملة الاسمية ليس مجرد حفظ للقواعد، بل هو فهم عميق للمعنى. حدد "الكلمة التي يدور حولها الحديث" لتجد المبتدأ، ثم ابحث عن "الكلمة أو الجملة التي تخبرك بالمعلومة التامة" لتجد الخبر. تذكر أن المبتدأ والخبر قد تفصل بينهما كلمات عديدة (كالنعت والمضاف إليه)، لذا فالمعنى وحده هو دليلك الموثوق لتحديد أركان الجملة بدقة واحترافية.
