يعد نص اليد لا تجيد وحدها التصفيق للضف التاسع الفصل الثاني للشاعر المصري محمد إبراهيم أبو سنة من النصوص الشعرية التي تعالج قيمة إنسانية مهمة، وهي قيمة التضامن والتكافل والوحدة بين أفراد المجتمع. يعرض الشاعر فكرته من خلال مشاهد شعرية متتابعة تبدأ بصورة الرحلة والتضحية من أجل الرفاق، ثم تنتقل إلى مشهد الشتاء القاسي الذي يكشف أثر التفرق والانغلاق، وتنتهي بتأكيد أن الدفء الحقيقي لا يتحقق بالنار أو المدفأة وحدهما، بل بالمحبة والمودة وصدق التواصل بين الناس.
في هذا الدرس نقدم لكم شرحا منظما لنص اليد لا تجيد وحدها التصفيق، يشمل التعريف بصاحب النص، وتفريغ المقاطع الشعرية، وشرح المفردات والتراكيب، والإجابة عن أسئلة فهم النص، ثم التحليل والتذوق الفني مع توضيح الصور الشعرية والقيم المستفادة من القصيدة، وذلك بأسلوب واضح ومناسب للطلاب.
اليد لا تجيد وحدها التصفيق
أولا: المدخل إلى النص
تقديم
دأب الشعراء على التغني بما يختلج في نفوسهم غناءً ذاتيًا يعرضون فيه معاناتهم الشخصية، إلا أن بعض الشعراء أراد أن يكسر هذا الطوق ليمتد بصره إلى عالم أعلى؛ فيشعر بمعاناة الجماعة والإنسانية عامة، وهو إذ ذاك لا ينفصل عن الذاتية والفردية؛ ليطرق مواضيع يدركها في حضن المجموعة، فيكون نداؤه إلى الوحدة، والتضحية في سبيل بقاء المجموعة متماسكة، فالفردية تخلق طعمًا سائغًا للذات المرتبطة بالمجتمع.
صاحب النص
محمد إبراهيم أبو سنة شاعر مصري، ولد عام 1937م في قرية الوادي إلى الجنوب من القاهرة، وينتمي إلى أسرة متدينة تهتم بالعلم. أمضى طفولته في القرية، ثم انتقل إلى القاهرة؛ حيث حفظ القرآن الكريم، وواصل دراسته، وتخرج في كلية الدراسات الأدبية.
اطلع الشاعر على الثقافات العالمية، وقرأ ترجمات كثير من الأعمال المشهورة لهوميروس، وشكسبير، ولوركا، وغيرهم. نشرت له عدة دواوين شعرية، منها: حديقة الشتاء، والصراخ في الآبار القديمة، وأجراس السماء، والبحر موعدنا.
كما ترك مسرحيات، ودراسات أدبية، وتُرجمت بعض قصائده إلى عدد من اللغات الأجنبية. يظهر في إنتاجه توجهه نحو التجديد، وتغنيه بالحب والحرية ومجد الإنسان.
نص اليد لا تجيد وحدها التصفيق
النص
المقطع الأول
خرجتُ من مدينتي
يداي خلف الظهر، والجبين
بريح كبريائه على التراب
ما وجهتي؟
لا النجمُ دلَّني ولا الكتاب
ذبحتُ ناقتي
من قبل بدء رحلتي
فالجوعُ كان قد ألمَّ بالصحاب
وشملتي فرشتُ نصفها على الرمال
ونصفها أظلهم
وكان في فمي موال
غنيته لهم
وقلت كله فدا الرفاق
لو أن ذلك الزمان ضاق
فلتتسعْ لضيقِه قلوبُنا
ولنقتسمْ على الصفاء خبزَنا
فاليدُ لا تجيد وحدها التصفيق
ولتأخذ الرفيق قبل أن تمرَّ في الطريق
والمشاة تلتقي بالذئب إن نأت عن القطيع
والويلُ للوحيد
المقطع الثاني
وذات ليلة أتى الشتاء بالسياط
وجرّد الأشجار من ثيابها
وأرسل الرياح
تنوح في الطريق
وفجأة تفرق الصحاب
لكل واحد طريق
وأغلقوا الأبواب
الريح تلتوي ويسقط السحاب
وفوق كل مدفأة
تمددت أنامل الجليد
لكل واحد مكانه وعشه
لكل واحد نشيده
كفى الفؤاد همه
ولم تجد يداي مدفأة
المقطع الثالث
في موسم الجفاء
خرجتُ للصحراء
الشمسُ باردة
والنارُ باردة
لو يعلمون يا مدينتي
الدفءُ ليس مدفأة
الدفءُ في مودة اللقاء
الدفءُ في قلوبنا
لو حطمت جليدها
لو تبدأ العواطف الخرساء
حديثها
لو ترفع الستائر الثقيلة السوداء
عن الندى وزرقة السماء
كي يبدأ الربيع في حدائق الشتاء
ثالثا: المفردات والتراكيب
1- معاني المفردات والتراكيب
- الشملة
- كساء من صوف أو شعر يُتغطى به ويُتلفف به، وجمعها شمال.
- موال
- أغنية.
2- جمع كلمة الأنامل ومفردها
الأنامل: جمع، ومفردها أنملة.
رابعا: فهم النص
1- اذكر التضحيات التي قدمها الشاعر للمجموعة.
قدّم الشاعر عدة تضحيات من أجل رفاقه؛ فقد ذبح ناقته قبل بدء الرحلة ليطعم الصحاب عندما أصابهم الجوع، وفرش نصف شملته على الرمال، وجعل نصفها الآخر يظلّلهم، كما غنّى لهم وصرّح بأن كل شيء يهون في سبيل الرفاق، داعيا إلى اقتسام الخبز والصفاء.
2- ما مصير من يسير منفردا عن المجموعة؟
مصير من يسير منفردا عن المجموعة هو الهلاك والضياع؛ لأن الفرد إذا ابتعد
عن جماعته أصبح ضعيفا ومعرضا للخطر، كما يدل قول الشاعر:
والمشاة تلتقي بالذئب إن نأت عن القطيع، والويل للوحيد
.
3- وضح المقصود بما يأتي: سياط الشتاء، يسقط السحاب، العواصف الخرساء.
- سياط الشتاء: كناية عن قسوة الشتاء وشدة برده وما يسببه من ألم ومعاناة.
- يسقط السحاب: تعبير يدل على هطول المطر وكثرة الغيوم، وما يصاحب ذلك من برودة ووحشة.
- العواصف الخرساء: كناية عن المشاعر المكبوتة والعلاقات الباردة التي لا تعبّر عن المودة والدفء الإنساني.
4- فرّق بين ما فعله الشاعر لرفاقه صيفا، وما حدث في الشتاء.
في الصيف ضحّى الشاعر من أجل رفاقه، فقاسمهم الطعام والظل، ومدّ لهم يد العون، ودعا إلى التضامن والوحدة. أما في الشتاء فقد تفرّق الصحاب، وأغلق كل واحد بابه، وانشغل كل فرد بنفسه، فشعر الشاعر بالوحدة والبرد وغياب الدفء الإنساني.
5- أين يكمن الدفء كما يراه الشاعر؟
يرى الشاعر أن الدفء لا يكون في المدفأة وحدها، بل يكمن في مودة اللقاء، وفي القلوب الصادقة عندما تتحرر من الجليد والقسوة، وتفتح مجالا للعواطف والمحبة والتواصل بين الناس.
خامسا: التحليل والتذوق
1- حثت القصيدة على الوحدة والتكافل؛ فشاعت فيها ضمائر الجماعة. حدد المواضع التي وردت فيها هذه الضمائر.
وردت ضمائر الجماعة في مواضع متعددة من النص، منها:
قلوبنا
، وخبزنا
، كما يظهر معنى الجماعة في قول الشاعر:
الصحاب
، والرفاق
، والمجموعة
، وكلها ألفاظ تؤكد روح التضامن
والتعاون بين أفراد الجماعة.
2- استعان الشاعر بالطبيعة في عرض فكرته، حدد الكلمات التي تخص كلا من الصيف والشتاء.
استعان الشاعر بألفاظ من الطبيعة لتصوير حالتين متقابلتين:
- كلمات تدل على الصيف والصحراء: التراب، الرمال، الصحراء، الشمس.
- كلمات تدل على الشتاء والبرد: الشتاء، الرياح، السحاب، الجليد، المدفأة، النار، الباردة.
3- تظهر في القصيدة مشاهد ثلاثة مبنية على أحداث متسلسلة. لخص مضمون كل مشهد.
تقوم القصيدة على ثلاثة مشاهد متتابعة:
- المشهد الأول: يصور خروج الشاعر في الرحلة مع رفاقه، وتضحيته من أجلهم بالطعام والظل، ودعوته إلى الاتحاد والتكافل.
- المشهد الثاني: يصور مجيء الشتاء بقسوته، وتفرق الصحاب، وانغلاق كل فرد على نفسه، مما جعل الشاعر يشعر بالوحدة والبرد.
- المشهد الثالث: يكشف المعنى الحقيقي للدفء، فهو ليس في المدفأة، بل في المودة واللقاء والمحبة وفتح القلوب للآخرين.
4- رمى الشاعر إلى موضوع واحد من كل مشاهد القصيدة محققا بذلك الوحدة الموضوعية. بيّن ذلك.
حقق الشاعر الوحدة الموضوعية؛ لأن جميع مشاهد القصيدة تدور حول فكرة واحدة هي أهمية الجماعة والتكافل الإنساني. ففي المشهد الأول دعا إلى التضحية والوحدة، وفي المشهد الثاني بيّن أثر التفرق والأنانية، وفي المشهد الثالث أوضح أن الدفء الحقيقي يكون في المحبة والمودة بين الناس، لا في الوسائل المادية وحدها.
5- برزت أهمية التضامن مع الجماعة في نهاية المشهد الأول من القصيدة. وضح ذلك.
برزت أهمية التضامن في نهاية المشهد الأول حين أكد الشاعر أن الفرد وحده لا يستطيع
أن يحقق شيئا عظيما دون جماعته، فقال:
فاليد لا تجيد وحدها التصفيق
.
كما حذر من الابتعاد عن الرفاق؛ لأن من ينفصل عن جماعته يصبح ضعيفا ومعرضا
للخطر، مثل من يبتعد عن القطيع فيواجه الذئب.
6- يقول الرسول ﷺ: «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية». هات من أبيات القصيدة ما يدل على هذا المعنى.
البيت الذي يدل على هذا المعنى هو قول الشاعر:
والمشاة تلتقي بالذئب إن نأت عن القطيع
والويل للوحيد
فالمعنى في الحديث والبيت واحد؛ إذ كلاهما يحذر من الانفراد والابتعاد عن الجماعة.
7- لم اختار الشاعر الشتاء لبيان فرقة الناس؟
اختار الشاعر الشتاء لأنه يرمز إلى البرد والقسوة والوحدة والانغلاق؛ ففيه يحتاج الإنسان إلى الدفء والقرب من الآخرين. لذلك جعله الشاعر رمزا لفرقة الناس وجفاف العواطف، حين أغلق كل واحد بابه وانشغل بنفسه، فغاب الدفء الإنساني الحقيقي.
8- ما القيمة التي خلص إليها الشاعر في نهاية القصيدة؟ ومتى يتحقق ذلك؟
القيمة التي خلص إليها الشاعر هي قيمة التضامن الإنساني والوحدة والمحبة بين الناس. ويتحقق ذلك عندما تتحرر القلوب من القسوة والأنانية، وتنفتح على المودة واللقاء، فيتعاون الأفراد ويتقاسمون الدفء المعنوي، ويصبح المجتمع أكثر تماسكا ورحمة.
9- أفادت الفاء التعليل في موضعين. عيّنهما.
وردت الفاء الدالة على التعليل في موضعين بارزين:
-
فالجوع كان قد ألمّ بالصحاب
؛ حيث عللت سبب ذبح الشاعر ناقته. -
فاليد لا تجيد وحدها التصفيق
؛ حيث عللت دعوة الشاعر إلى التكاتف ومرافقة الرفيق.
10- اعتمد الشاعر على الصورة في بناء المشاهد. حلل كلا من الصور الآتية.
- أ- والجبين بريح كبريائه على التراب: صورة توحي بانكسار الكبرياء أمام قسوة الواقع وصعوبة الرحلة، فقد جعل الشاعر الكبرياء كأنه ريح تهب على التراب، وفي ذلك تصوير لحالة التعب والانكسار.
- ب- وأرسل الرياح تنوح في الطريق: شبّه الرياح بإنسان حزين ينوح، وهي صورة تشخيصية توحي بشدة البرد والحزن والوحشة التي صاحبت مجيء الشتاء.
- ج- الريح تلتوي ويسقط السحاب: صورة حركية ترسم اضطراب الجو وقسوته؛ فالريح تبدو ملتوية مضطربة، والسحاب كأنه يسقط من شدة الثقل، مما يعكس حالة الخوف والبرد والاضطراب.
- د- تمددت أنامل الجليد: شبّه الجليد بكائن له أنامل تتمدد، وهي صورة تشخيصية تدل على امتداد البرد وانتشاره حتى وصل إلى الأماكن التي يفترض أن تمنح الدفء.
- هـ- تبدأ العواطف الخرساء حديثها: صورة تشخيصية جعل فيها الشاعر العواطف إنسانا أخرس يبدأ الكلام، والمقصود أن المشاعر المكبوتة تبدأ في التعبير عن الحب والمودة والتواصل.
11- ما دلالة تكرار كلمة الدفء في المشهد الأخير من القصيدة؟
يدل تكرار كلمة الدفء على أهميتها في بناء معنى القصيدة، فهي لا تشير إلى الدفء المادي الناتج عن النار أو المدفأة، بل ترمز إلى المحبة والمودة والتواصل الإنساني. وقد كررها الشاعر ليؤكد أن الدفء الحقيقي يوجد في القلوب المتآلفة والعلاقات الصادقة بين الناس.

