تزخر لغتنا العربية بأساليب لغوية دقيقة تمنح المتحدث والكاتب القدرة على الربط بين المعاني والأحداث ببراعة، ومن أهم هذه الأساليب أسلوب الشرط. عند البحث عن كيفية صياغة جمل شرطية صحيحة ومؤثرة، يبرز دور أسماء الشرط كأدوات محورية لا غنى عنها. فهي ليست مجرد روابط لفظية، بل هي أسماء مبنية تحمل دلالات معنوية محددة (كالزمان، والمكان، والعاقل، وغير العاقل) وتحدث أثراً إعرابياً قوياً في الجملة بجزم الفعلين المضارعين بعدها.
![]() |
| أسماء الشرط الجازمة: أنواعها وإعرابها بالأمثلة |
في هذا المقال التفصيلي، سنغوص في عمق أسماء الشرط، أنواعها، دلالاتها، وعلامات إعراب الأفعال التي تليها، مستندين إلى القواعد الأصيلة والنماذج التوضيحية.
مفهوم أسلوب الشرط وأركانه الأساسية
قبل الخوض في تفاصيل الأسماء، يجب أن نؤسس لفهم "أسلوب الشرط" ككل. هو أسلوب لغوي يعتمد على وجود أداة تربط بين جملتين؛ بحيث يكون حدوث الجملة الثانية متوقفاً ومرتبطاً بحدوث الجملة الأولى. وتتكون هذه المنظومة من ثلاثة أركان رئيسية لا يكتمل المعنى بدونها:
- أداة الشرط: وهي الرابط الذي يجمع بين الجملتين، وقد تكون حرفاً أو اسماً.
- فعل الشرط: وهو الفعل الذي يقع في الجملة الأولى، ويمثل السبب أو الشرط.
- جواب الشرط: وهو النتيجة المترتبة على حدوث الفعل الأول.
وعندما نستخدم أسماء الشرط الجازمة، فإنها تؤثر في "فعل الشرط" و"جواب الشرط" فتجزمهما معاً، وهو ما يمنح الجملة قوة في المعنى والتركيب.
دلالات أسماء الشرط الجازمة واستخداماتها
تتميز أسماء الشرط بأنها مبنية (أي تلزم حركة واحدة في آخرها) ولها معانٍ محددة توجه سياق الجملة. وفيما يلي تفصيل لهذه الأسماء وفقاً لما تدل عليه:
1. (مَنْ) للعاقل
يستخدم اسم الشرط "مَنْ" للدلالة على العاقل (الإنسان). وهو يربط بين فعلين يصدران عن فاعل عاقل.
أمثلة توضيحية:
- "مَنْ يسعَ في فعل الخير فسوف يرتاحُ ضميره": نلاحظ هنا أن "مَنْ" ربطت بين السعي في الخير وبين راحة الضمير، وجزمت فعل الشرط (يسعَ) بحذف حرف العلة.
- "من يرعَ حق الجار يعش مستريح البال": هنا أيضاً ربطت بين رعاية الحق والحياة المستريحة.
- "من الذي انتصر على الصليبيين في حطين؟" (تستخدم أيضاً كاسم استفهام للعاقل، ولكن سياق الشرط يختلف بأنه يربط بين حدثين).
2. (ما) و (مهما) لغير العاقل
عند الحديث عن الأشياء أو المعاني غير العاقلة، نستخدم "ما" أو "مهما". وكلاهما يؤديان نفس الوظيفة في الربط بين شرط وجوابه لغير العاقل.
أمثلة توضيحية:
- "ما تقدم من خير أو شر تجزَ به": (ما) هنا تعود على "الخير" أو "الشر"، وهما غير عاقل.
- "وما تفعلوا من خير تجدوه عند الله": الفعل (تفعلوا) مجزوم بحذف النون لأنه من الأفعال الخمسة.
- "مهما تخفِ من عيب يظهر مع مرور الأيام": تفيد (مهما) هنا شمولية المعنى لغير العاقل (العيب)، وجزمت الفعل (تخفِ) بحذف حرف العلة.
3. (متى) و (أيان) للزمان
لربط الجملتين بشرط زمني، نستخدم اسمي الشرط "متى" و "أيان". وهما يفيدان تعليق الجواب على زمن حدوث الشرط.
أمثلة توضيحية:
- "متى يأتِ الربيعُ تورق الأشجار": إيراق الأشجار مرهون زمنياً بمجيء الربيع.
- "أيان تكن صادقاً يكثر محبوك": كثرة المحبين مرتبطة بالزمن الذي تكون فيه صادقاً.
- "أيان يهطل المطر يكثر النبات": ربط زمني بين هطول المطر وكثرة النبات.
4. (أين)، (أنى)، و (حيثما) للمكان
تختص هذه الأسماء بالدلالة على المكان، وتفيد أن جواب الشرط يقع في أي مكان يقع فيه فعل الشرط.
أمثلة توضيحية:
- "أين ينتشر الجهل تتأخر المجتمعات": تأخر المجتمع مرهون بمكان انتشار الجهل.
- "أين يحل العاقل يجد من يقدرونه": العاقل يجد التقدير في أي مكان يحل فيه.
- "أنى تسر تجد ما يعجبك": بمعنى في أي مكان تسير.
- "أنى تسافر تلقَ إخواناً صالحين".
- "حيثما تعمل في إخلاص تلقَ تقديراً": تقدير العمل مرتبط بمكان الإخلاص فيه.
- "حيثما يكن النيل جارياً تخصب الأرض".
5. (كيفما) للحال
يستخدم اسم الشرط "كيفما" للدلالة على الحال، أي أن حال الجواب تكون مطابقة لحال الشرط.
أمثلة توضيحية:
- "كيفما يكن الأب يكن أبناؤه": صلاح الأبناء أو فسادهم (الحال) مرتبط بحال الأب.
- "كيفما تعامل الناس يعاملوك": المعاملة بالمثل هي الحال التي يربطها هذا الاسم.
علامات جزم الفعل المضارع في أسلوب الشرط
بما أن أسماء الشرط التي ذكرناها "جازمة"، فإنها تؤثر في الفعل المضارع الذي يليها (فعل الشرط) والفعل الذي يليه (جواب الشرط). وتختلف علامة الجزم باختلاف نوع الفعل، وذلك على النحو التالي:
1. السكون
تكون علامة الجزم السكون إذا كان الفعل المضارع صحيح الآخر (أي ليس في آخره حرف علة: الألف، الواو، الياء).
- مثال: "إن تجتهدْ في درسك تكنْ في طليعة الفائزين".
- التحليل: (تجتهدْ) فعل صحيح الآخر، فعلامة جزمه السكون. وكذلك (تكنْ).
- مثال آخر: "أين يحلْ العاقل يجدْ من يقدرونه".
2. حذف حرف العلة
إذا كان الفعل المضارع معتل الآخر (ينتهي بألف أو واو أو ياء)، فإن علامة جزمه تكون حذف حرف العلة، ونضع حركة تدل على الحرف المحذوف (فتحة للألف، ضمة للواو، كسرة للياء).
- مثال: "من يرعَ حق الجار يعش مستريح البال". (الأصل: يرعى).
- مثال: "متى يأتِ الربيع". (الأصل: يأتي).
- مثال: "مهما تخفِ من عيب". (الأصل: تخفي).
- مثال: "أنى تلقَ إخواناً". (الأصل: تلقى).
3. حذف النون
تكون علامة الجزم حذف النون إذا كان الفعل من الأفعال الخمسة (وهي كل فعل مضارع اتصلت به ألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة).
- مثال: "وما تفعلوا من خير تجدوه عند الله". (الأصل: تفعلون).
- مثال: "كيفما تعاملوا الناس يعاملوكم".
أدوات الشرط غير الجازمة
إلى جانب الأسماء الجازمة، توجد أدوات شرط أخرى تفيد الربط بين الجملتين لكنها لا تجزم الفعل المضارع، ويظل الفعل بعدها مرفوعاً (إذا كان مضارعاً) أو مبنياً (إذا كان ماضياً) حسب موقعه، ومن أبرزها:
- إذا: وهي ظرف للزمان المستقبل، وتفيد التحقق والتوكيد.
مثال: "إذا أقبل الربيعُ أحسستَ بجمال الحياة".
code
Code
download
content_copy
expand_less
- لو: حرف يفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط (حرف امتناع لامتناع).
مثال: "لو اتحد العرب ما طمع فيهم طامع". (لم يطمعوا لأنهم لم يتحدوا). - كلما: ظرف يفيد التكرار والاستمرار، وتفيد تكرار الجواب بتكرار وقوع الشرط.
مثال: "كلما أتقن الصانع عمله نال احترام الآخرين".
قواعد إعرابية هامة
لضمان صحة الجملة الشرطية وإعرابها بشكل سليم، يجب الانتباه إلى الملاحظات التالية المستقاة من قواعد النحو:
- أسماء الشرط (مثل: مَنْ، ما، متى، أين...) هي أسماء مبنية، ولها محل من الإعراب (قد تكون مبتدأ، أو مفعولاً به، أو ظرفاً) حسب موقعها في الجملة، بخلاف "إن" فهي حرف لا محل له من الإعراب.
- الفعل المضارع في جملة الشرط وجملة الجواب يكون مجزومًا دائماً إذا كانت الأداة جازمة.
- يجزم الفعل المضارع بالسكون إذا كان صحيح الآخر، وبحذف حرف العلة إذا كان معتل الآخر، وبحذف النون إذا كان من الأفعال الخمسة.
- يجوز أن يقترن جواب الشرط بالفاء في حالات خاصة (مثل جملة "فسوف يرتاح ضميره").
إن فهم أسماء الشرط واستخدامها بدقة يرفع من سوية الأداء اللغوي، ويمكنك من صياغة جمل مترابطة تعبر عن الأسباب والنتائج بوضوح وبلاغة، مستفيداً من الثراء الذي تقدمه لغتنا العربية في هذا الباب.
