تُعد الجملة الاسمية إحدى الدعامتين الرئيستين في بناء الكلام العربي، وهي البوابة التي ندلف منها إلى عالم النحو وفهم التراكيب اللغوية السليمة. تتألف هذه الجملة بصفة أساسية من ركنين لا ينفكان عن بعضهما: المبتدأ والخبر. فإذا كان المبتدأ هو الاسم الذي نبدأ به حديثنا لنحكم عليه، فإن الخبر هو ذلك "المُحكَم به" الذي يسوق لنا المعلومة، ويتمم الفائدة، ويجعل للصمت معنىً يحسن الوقوف عنده.
![]() |
| أنواع الخبر في اللغة العربية: شرح مفصل من الألف إلى الياء |
ولكن، هل يأتي الخبر دائماً في صورة كلمة واحدة؟ الإجابة هي "لا". تتنوع صور الخبر وتتشعب لتشمل المفرد والجملة وشبه الجملة، وهذا التنوع هو ما يمنح اللغة العربية ثراءها ومرونتها. في هذا المقال المطول، سنقدم لكم مرجعاً شاملاً وتفصيلياً حول أنواع الخبر، مستعرضين القواعد الدقيقة، ونماذج الإعراب، وطرق التحويل بين الأنواع، بالإضافة إلى كيفية تعامل "النواسخ" (كان وإن) مع هذه الأنواع، وذلك بناءً على المنهج النحوي الرصين.
أولاً: مفهوم الخبر وركنا الجملة الاسمية
لكي نستوعب أنواع الخبر، علينا أولاً تثبيت المفهوم الأساسي للجملة الاسمية. تبدأ الجملة الاسمية باسم يُعرف بـ المبتدأ، وهو المتحدث عنه. أما الركن الثاني فهو الخبر، ووظيفته الإخبار عن المبتدأ وإكمال المعنى. دعونا نتأمل الأمثلة التالية:
- الحديقةُ منسقةٌ: (بدأنا بـ "الحديقة" وأخبرنا عنها بأنها "منسقة").
- المداخلُ جميلةٌ: (المبتدأ "المداخل" والخبر "جميلة").
- الأزهارُ متفتحةٌ: (المبتدأ "الأزهار" والخبر "متفتحة").
في هذه الأمثلة البسيطة، نلاحظ أن الخبر جاء متمماً للمعنى، وبدونه تظل الجملة ناقصة ومبهمة.
ثانياً: خريطة أنواع الخبر
ينقسم الخبر في لغتنا العربية إلى ثلاثة أقسام رئيسية، ويتفرع أحدها إلى قسمين فرعيين، ليكون المجموع الكلي لأشكال الخبر هو أربعة أشكال تندرج تحت ثلاثة عناوين كبرى:
- الخبر المفرد.
- الخبر الجملة (وينقسم إلى جملة اسمية وجملة فعلية).
- الخبر شبه الجملة (وينقسم إلى جار ومجرور وظرف).
1. الخبر المفرد: ما ليس جملة ولا شبه جملة
يُقصد بالخبر المفرد في باب "أنواع الخبر" ما ليس جملة كاملة (بفعلها وفاعلها أو بمبتدئها وخبرها) ولا شبه جملة (ظرف أو جار ومجرور). والمقصود بـ "المفرد" هنا ليس العدد (واحد)، بل "الإفراد التركيبي"، أي أنه كلمة واحدة تؤدي معنى الخبر، سواء دلت هذه الكلمة على واحد أو اثنين أو جماعة.
قاعدة المطابقة: في الخبر المفرد، يجب أن يطابق الخبرُ المبتدأَ في شيئين:
- النوع: (التذكير والتأنيث).
- العدد: (الإفراد والتثنية والجمع).
أمثلة تطبيقية شاملة للخبر المفرد:
| الجملة | الخبر | نوعه من حيث العدد |
|---|---|---|
| الجوُّ معتدلٌ | معتدلٌ | مفرد |
| العاملُ نشيطٌ | نشيطٌ | مفرد |
| العاملان نشيطان | نشيطان | مثنى |
| العاملون نشيطون | نشيطون | جمع مذكر سالم |
| العاملاتُ نشيطاتٌ | نشيطاتٌ | جمع مؤنث سالم |
لاحظ أن كلمة "نشيطان" و "نشيطون" تُعرب خبراً مفرداً في تصنيف أنواع الخبر، رغم أنها تدل على مثنى وجمع.
2. الخبر الجملة: الترابط والتركيب
عندما لا تكفي الكلمة الواحدة لإيصال المعنى، أو عندما نريد وصف المبتدأ بحدث أو بحالة مركبة، نلجأ إلى الخبر الجملة. وهذا النوع ينقسم إلى:
أ) خبر الجملة الاسمية
وهو أن يقع بعد المبتدأ الأول مبتدأ ثانٍ متصل بضمير، ثم خبر للمبتدأ الثاني. الجملة المكونة من (المبتدأ الثاني + خبره) تكون في محل رفع خبر للمبتدأ الأول.
الشرط الأساسي (الرابط): لا بد من وجود ضمير في المبتدأ الثاني يعود على المبتدأ الأول ويطابقه في النوع والعدد.
أمثلة من النصوص:
- "الحديقةُ سورُها مرتفعٌ": (الهاء في "سورها" هي الرابط، وجملة "سورها مرتفع" خبر).
- "القريةُ شوارعُها نظيفةٌ": (الهاء في "شوارعها" تعود على القرية).
- "الربيعُ جوُّه معتدلٌ": (الهاء في "جوه" تعود على الربيع).
ب) خبر الجملة الفعلية
وهو أن يأتي بعد المبتدأ فعل (ماضٍ أو مضارع). هذا الفعل يرفع فاعلاً (ظاهراً أو مستتراً)، وتكون الجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر.
الشرط الأساسي (الرابط): يجب أن تشتمل الجملة الفعلية على ضمير (غالباً ما يكون مستتراً) يربطها بالمبتدأ.
أمثلة من النصوص:
- "الساعاتُ تنقصُ الأعمارَ": (الفعل "تنقص"، والفاعل ضمير مستتر تقديره "هي" يعود على الساعات).
- "العاقلُ يحاسبُ نفسَه": (الفعل "يحاسب"، والفاعل مستتر تقديره "هو").
- "العلمُ ينفعُ صاحبَه": (جملة "ينفع صاحبه" في محل رفع خبر).
3. الخبر شبه الجملة: الظرف والجار والمجرور
يتميز هذا النوع بأنه لا يحتاج إلى رابط (ضمير) يعود على المبتدأ، وهو نوعان:
- الظرف (ظرف المكان أو الزمان): مثل قولنا "الحقُ فوقَ القوةِ"، حيث جاء الظرف "فوق" خبراً، و"القوة" مضاف إليه. وكذلك "العزُ تحتَ ظلالِ السيوف".
- الجار والمجرور: مثل قولنا "السلامةُ في الاستقامةِ"، فالجار والمجرور (في الاستقامة) هما الخبر.
ثالثاً: فن التحويل بين أنواع الخبر (الموازنات)
من أهم المهارات النحوية التي تبرز فهم الطالب لأنواع الخبر هي القدرة على تحويل الخبر من مفرد إلى جملة والعكس. توضح لنا القواعد كيفية إجراء هذه التحويلات بدقة:
1. التحويل من مفرد إلى جملة اسمية
نأخذ الاسم المضاف في الخبر المفرد ونحوله إلى مبتدأ ثانٍ ونضيف له ضميراً.
- المثال الأصلي (مفرد): "محمدٌ كريمُ الخُلقِ". (الخبر هنا "كريم" وهو مضاف).
- التحويل (جملة اسمية): "محمدٌ خُلُقُهُ كريمٌ". (أصبح "خلقه" مبتدأ ثانياً، والهاء رابط، و"كريم" خبر للمبتدأ الثاني).
- مثال آخر: "الحديقةُ مرتفعةُ السورِ" ← "الحديقةُ سورُها مرتفعٌ".
2. التحويل من مفرد إلى جملة فعلية
نحول الاسم الذي يقع خبراً إلى فعل مضارع.
- المثال الأصلي (مفرد): "التلميذان فاهمان". (فاهمان: خبر مفرد مرفوع بالألف).
- التحويل (جملة فعلية): "التلميذان يفهمان". (يفهمان: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والألف فاعل، والجملة خبر).
- مثال آخر: "الصديقان متعاونان" ← "الصديقان يتعاونان".
3. التحويل من جملة إلى مفرد
نقوم بعكس العملية؛ فنحول الفعل إلى اسم فاعل أو صفة، أو نحذف الضمير من المبتدأ الثاني ونحوله إلى مضاف إليه.
- من جملة فعلية لمفرد: "الطلاب يتعاونون" ← "الطلابُ متعاونون".
- من جملة اسمية لمفرد: "الشجرةُ أغصانُها مورقةٌ" ← "الشجرةُ مورقةُ الأغصانِ".
رابعاً: نماذج إعرابية تفصيلية
الإعراب هو التطبيق العملي للقاعدة، وفيما يلي نماذج توضيحية لكيفية إعراب أنواع الخبر المختلفة:
نموذج 1: إعراب الخبر الجملة الفعلية
الجملة: "الصديقان يتعاونان"
- الصديقان: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى.
- يتعاونان: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، و(ألف الاثنين) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
- والجملة الفعلية (يتعاونان): في محل رفع خبر المبتدأ.
نموذج 2: إعراب الخبر الجملة الاسمية
الجملة: "محمدٌ خُلُقُهُ كريمٌ"
- محمدٌ: مبتدأ أول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
- خلقه: (خلقُ) مبتدأ ثانٍ مرفوع بالضمة، و(الهاء) ضمير مبني في محل جر مضاف إليه.
- كريم: خبر المبتدأ الثاني مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
- والجملة الاسمية (خلقه كريم): في محل رفع خبر للمبتدأ الأول (محمد).
خامساً: أنواع الخبر مع النواسخ (كان وإن)
من القواعد الذهبية في النحو أن "أنواع الخبر" لا تتغير بتغير العامل. فكما يأتي خبر المبتدأ مفرداً وجملة وشبه جملة، يأتي خبر "كان وأخواتها" وخبر "إن وأخواتها" على نفس الشاكلة، مع اختلاف المحل الإعرابي (النصب مع كان، والرفع مع إن).
1. أنواع الخبر مع (كان وأخواتها)
تدخل كان وأخواتها على الجملة الاسمية، فترفع المبتدأ ويسمى اسمها، وتنصب الخبر ويسمى خبرها. ويكون خبرها:
- مفرد (منصوب): "ما زالَ الإسلامُ منتشراً". (خبر منصوب بالفتحة).
- جملة فعلية (في محل نصب): "ظل المسجدُ يؤدي رسالتَه".
- جملة اسمية (في محل نصب): "أضحى العاملُ عزيمتُه قويةٌ".
- شبه جملة (في محل نصب): "بات العصفورُ في القفصِ" أو "ظل الطائرُ فوقَ الغصنِ".
2. أنواع الخبر مع (إن وأخواتها)
تعمل إن وأخواتها عكس عمل كان، فتنصب المبتدأ وترفع الخبر. وتكون أنواع خبرها:
- مفرد (مرفوع): "إنّ المؤمنَ معتمدٌ على الله". (خبر مرفوع بالضمة).
- جملة فعلية (في محل رفع): "ليت السلامَ يسودُ العالمَ".
- جملة اسمية (في محل رفع): "لعل المجاهدَ عزيمتُه قويةٌ".
- شبه جملة (في محل رفع): "إنّ الحقَ فوقَ القوةِ".
سادساً: مقارنات نحوية هامة (موازنات)
لزيادة التوضيح، نستعرض بعض الموازنات الدقيقة بين الجمل التي تظهر الفرق في المعنى والتركيب بناءً على نوع الخبر:
| الجملة | نوع الخبر | ملاحظات |
|---|---|---|
| الكتابُ عظيمُ النفعِ | مفرد | كلمة "عظيم" هي الخبر، و"النفع" مضاف إليه. |
| الكتابُ نفعُهُ عظيمٌ | جملة اسمية | اشتملت على ضمير (الهاء) يعود على الكتاب. |
| الكتابُ مفيدٌ | مفرد | اسم فاعل يدل على المفرد. |
| الكتابُ يفيدُ | جملة فعلية | تحول الاسم "مفيد" إلى فعل "يفيد". |
| الفلاحون كادحون | مفرد | خبر مرفوع بالواو (جمع مذكر سالم). |
| الفلاحون يكدحون | جملة فعلية | جملة من الفعل والفاعل (واو الجماعة). |
إن الإلمام بـ أنواع الخبر هو حجر الزاوية في إتقان الإعراب وفهم دلالات الجمل في اللغة العربية. لقد رأينا كيف يتحول المعنى ويترسخ من خلال تنويع الخبر بين المفرد والجملة وشبه الجملة، وكيف تظل هذه القواعد ثابتة وراسخة حتى مع دخول النواسخ على الجملة. إن التدريب المستمر على هذه الأنماط، ومحاولة تحويل الجمل من شكل لآخر، هو السبيل الأمثل لامتلاك ناصية اللغة وتذوق جمالياتها التركيبية.
