هل تشعر بالارتباك عندما يُطلب منك إعراب جملة كاملة بدلاً من كلمة مفردة؟ إن التحدي الأكبر الذي يواجه دارسي النحو العربي ومحبيه لا يكمن في إعراب المبتدأ أو الفاعل، بل يكمن في تحديد الموقع الإعرابي للتراكيب والجمل المعقدة داخل النصوص. ولكن إليك الخبر السار: لغتنا العربية لغة دقيقة ومنهجية للغاية، وكما أن هناك جملاً تأخذ محلاً إعرابياً، هناك قسم كامل وثابت يُعرف باسم الجمل التي ليس لها محل من الاعراب.
![]() |
| الجمل التي ليس لها محل من الإعراب: دليلك الشامل |
فهمك العميق لهذا القسم سيختصر عليك نصف الطريق في إتقان الإعراب، وسيجعلك تقرأ النصوص القرآنية والأدبية بعين الخبير الذي يدرك وظيفة كل تركيب. سأضع بين يديك الآن الدليل الشامل والمفصل لتفكيك هذه الجمل، والتعرف على أنواعها، وأسرار استخراجها من أي نص بلمحة بصر وبدقة أكاديمية صارمة.
ماذا يقصد النحاة بمصطلح "الجمل التي ليس لها محل من الإعراب"؟
في علم النحو العربي، يقصد بـ "المحل الإعرابي للجملة" القدرة على استبدال هذه الجملة (سواء كانت اسمية أو فعلية) بكلمة مفردة، بحيث تأخذ هذه الجملة حكم الكلمة المفردة من رفع أو نصب أو جر أو جزم. هذا ما يُعرف عند علماء النحو بـ "التأويل بمفرد". بناءً على هذا المبدأ الصارم، فإن الجمل التي لا محل لها من الإعراب هي تلك التراكيب المستقلة التي لا يمكن بأي حال من الأحوال تأويلها باسم مفرد، وبالتالي لا يمكن أن تحل محل المبتدأ، أو الخبر، أو الفاعل، أو المفعول به، أو الحال، أو النعت.
إنها باختصار جمل تقف مستقلة بذاتها في الهيكل النصي، تؤدي غرضاً بلاغياً، أو تفسيرياً، أو هيكلياً لربط المعاني، لكنها لا تتأثر بالعوامل النحوية التي تسبقها لتأخذ محلاً من الإعراب. إدراكك لهذه الحقيقة يمنعك من محاولة إيجاد موقع إعرابي لجملة هي في الأصل وُجدت لتكون حرة من القيود الإعرابية للمفردات.
خريطة شاملة ومفصلة: أنواع الجمل التي لا محل لها من الإعراب
لقد حصر علماء اللغة والنحو هذه الجمل في سبعة مواضع رئيسية متفق عليها (ويضيف البعض موضعاً ثامناً أو تاسعاً للتفصيل). دعنا نستعرض هذه المواضع بتفصيل أكاديمي وتطبيقي يزيل أي لبس أو غموض:
1. الجملة الابتدائية (والجملة الاستئنافية)
هي الجملة التي يُفتتح بها الكلام، سواء في بداية الفقرة، أو في بداية نص جديد، أو حتى الجملة التي تأتي بعد نقطة لتبدأ فكرة جديدة منقطعة عما قبلها إعرابياً (وهي ما تُعرف تحديداً بالجملة الاستئنافية). وبما أنها أول الكلام، فلا يوجد قبلها أي عامل نحوي يؤثر فيها لتأخذ محلاً إعرابياً.
- مثال الجملة الابتدائية: قولنا (العلمُ يبني بيوتاً لا عماد لها). جملة (العلم يبني) المكونة من مبتدأ وخبر، هي جملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب لأنها افتتحت الكلام.
- مثال الجملة الاستئنافية: في قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ). جملة (إنا أعطيناك) ابتدائية لا محل لها، وجملة (فصل لربك) استئنافية لا محل لها من الإعراب أيضاً، لأنها استأنفت طلباً جديداً بعد الإخبار.
2. جملة صلة الموصول (الاسمي والحرفي)
تُعد هذه الجملة من أكثر الجمل دوراناً وتكراراً في النصوص العربية. القاعدة الذهبية هنا تنص على أن: أي جملة (اسمية كانت أو فعلية) أو شبه جملة تقع مباشرة بعد اسم موصول، تُعرب "جملة صلة الموصول" ولا محل لها من الإعراب إطلاقاً. الأسماء الموصولة تشمل: (الذي، التي، اللذان، اللتان، الذين، اللاتي، اللائي، مَنْ للعاقل، وما لغير العاقل).
وكذلك الحال مع الموصول الحرفي (أنْ، أنَّ، كي، ما المصدرية، لو)، فالجملة التي تليها لا محل لها من الإعراب، وإن كان المصدر المؤول منهما له محل.
- مثال صلة الموصول الاسمي: (أفلحَ الطالبُ الذي ثابرَ على دراسته). جملة (ثابر) الفعلية لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول.
- مثال قرآني: قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ). الجملة الاسمية (هم خاشعون) صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
3. الجملة الاعتراضية
هي الجملة التي تتوسط وتفصل بين متلازمين نحويين (كالمبتدأ والخبر، أو الفعل والفاعل، أو الشرط وجوابه، أو الموصوف وصفته) بغرض بلاغي يضيف معنى جديداً كالدعاء، أو التنزيه، أو التوضيح، أو التعظيم. وتُوضع عادة في علامات الترقيم الحديثة بين شرطتين ( - - ). وبما أنها مجرد إضافة بلاغية، فإن إزالتها لا تخل بالهيكل الأساسي للتركيب، ولذلك لا محل لها من الإعراب.
- مثال غرض الدعاء: صديقك - (رعاه الله) - رجلٌ وفيٌّ ومخلص. (رعاه الله: جملة فعلية اعتراضية لا محل لها من الإعراب، وقعت بين المبتدأ "صديقك" والخبر "رجل").
- مثال غرض التعظيم: قال رسول الله - (صلى الله عليه وسلم) - كذا وكذا. جملة (صلى الله عليه وسلم) جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب.
- مثال غرض التنزيه: قوله تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ). جملة (سبحانه) اعتراضية لا محل لها.
4. الجملة التفسيرية
هي الجملة التي تأتي لتوضيح وكشف حقيقة ما قبلها، وتكون غالباً مسبوقة بأحد حرفي التفسير: (أَنْ) أو (أَيْ)، وأحياناً تأتي بدون أداة تفسير ظاهرة إذا كان السياق واضحاً وضوح الشمس.
- المسبوقة بـ (أنْ) التفسيرية: قوله تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا). جملة (اصنع الفلك) تفسيرية لا محل لها من الإعراب، جاءت لتفسر وتوضح ماهية الوحي.
- المسبوقة بـ (أيْ) التفسيرية: أشرتُ إليه، أي (اخرجْ من المكان). جملة (اخرج) تفسيرية لا محل لها من الإعراب.
- بدون أداة: قوله تعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ). جملة (تؤمنون) فسرت التجارة المذكورة، فهي تفسيرية لا محل لها من الإعراب.
5. جملة جواب القسم
أسلوب القسم في اللغة العربية يتكون من أداة قسم (الواو، الباء، التاء)، ومُقسَم به (الله، لعمري، يمين الله)، وجواب القسم. الجملة التي تأتي لتؤكد القسم (سواء كانت مثبتة أو منفية، اسمية أو فعلية) تسمى "جملة جواب القسم"، وهي دائماً وأبداً لا محل لها من الإعراب.
- مثال توضيحي: واللهِ (لأعملنَّ بجدٍ واجتهاد). الجملة الفعلية (لأعملن) واقعة في جواب القسم، لا محل لها من الإعراب.
- مثال قرآني عظيم: (يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ). جملة (إنك لمن المرسلين) هي جملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
6. جملة جواب الشرط (في حالتين محددتين)
هذا الموضع تحديداً يسبب ارتباكاً كبيراً لطلاب العلم. لنبسط الأمر بصورة قاطعة: الجملة الواقعة جواباً للشرط تكون ليس لها محل من الإعراب في حالتين قطعيّتين فقط:
- إذا كانت أداة الشرط غير جازمة: (إذا، لو، لولا، كلما، لَمَّا). مهما كان شكل جواب الشرط، سواء اقترن بالفاء أو لم يقترن، فلا محل له من الإعراب.
مثال: لولا المشقةُ (سادَ الناسُ كلُّهم). جملة (ساد الناس) جواب شرط لـ أداة غير جازمة (لولا)، إذن لا محل لها من الإعراب. - إذا كانت أداة الشرط جازمة، ولكن الجواب غير مقترن بـ (الفاء) أو (إذا) الفجائية: (الأدوات الجازمة هي: إنْ، مَنْ، ما، مهما، متى، أينما، حيثما، كيفما).
مثال: مَنْ يزرعْ خيراً (يحصدْ خيراً). (مَنْ) أداة شرط جازمة، لكن الجواب (يحصد) جاء فعلاً مضارعاً غير مقترن بالفاء. هنا نقول النقطة الدقيقة التالية: الفعل المضارع "يحصد" مجزوم بحد ذاته، ولكن الجملة الفعلية ككل (الفعل والفاعل المستتر) لا محل لها من الإعراب.
7. الجملة التابعة لجملة لا محل لها من الإعراب
التابع يتبع المتبوع في قواعد النحو العربي. إذا قمنا بعطف جملة (باستخدام حروف العطف مثل: الواو، الفاء، ثم، أو) على جملة أخرى ثبت مسبقاً أنها لا محل لها من الإعراب، فإن الجملة المعطوفة تأخذ نفس الحكم وتصبح بالتبعية لا محل لها من الإعراب.
- مثال تطبيقي: كافأ المعلمُ الطالبَ الذي (اجتهدَ) و(ثابرَ على النجاح). جملة (اجتهد) لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول للاسم "الذي". وجملة (ثابر) معطوفة عليها بحرف الواو، لذا فهي أيضاً جملة تابعة لا محل لها من الإعراب.
القاعدة الذهبية والفارق الجوهري: كيف تميز بين الجمل التي لها محل والتي ليس لها محل؟
للوصول إلى مرحلة اليقين النحوي التام وعدم التردد في الامتحانات أو عند تحليل النصوص، استخدم دائماً "اختبار الإحلال المفرد" (أو اختبار التأويل). حاول استبدال الجملة المعنية بكلمة مفردة (اسم ظاهر). إذا استقام المعنى التركيبي وأمكن إعراب هذا الاسم المفرد في موقعه، فالجملة لها محل من الإعراب. وإذا اختل المعنى وصار التركيب ركيكاً أو مستحيلاً لغوياً، فالجملة قطعاً ليس لها محل من الإعراب.
تطبيق عملي فوري للمقارنة:
- الجملة الأولى: ظننتُ الطالبَ (يدرسُ بتركيز).
الاختبار: دعنا نحاول استبدال الجملة بمفرد: ظننت الطالبَ (دارساً). كلمة "دارساً" تُعرب مفعولاً به ثانٍ للفعل ظن. إذن التركيب مستقيم، وعليه فإن جملة (يدرس) لها محل من الإعراب (في محل نصب مفعول به ثانٍ). - الجملة الثانية: جاء الطالبُ الذي (يدرسُ بتركيز).
الاختبار: حاول وضع مفرد بدلاً من جملة يدرس.. هل يصح في اللغة أن نقول "جاء الطالب الذي دارسٌ"؟ بالطبع لا، التركيب خاطئ ومختل. إذن جملة (يدرس) هنا ليس لها محل من الإعراب (والسبب كما ذكرنا سابقاً أنها صلة الموصول).
تطبيقات إعرابية تفصيلية خطوة بخطوة لتعميق الفهم
لترسيخ هذه القواعد وجعلها جزءاً من بديهتك النحوية، دعنا نعرب ونحلل بعض الشواهد المركبة إعراباً احترافياً كاملاً:
الشاهد الأول: قوله تعالى "إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ"
- جملة (جاء نصر الله): وقعت بعد ظرف الزمان "إذا"، والقاعدة تقول إن الجمل بعد الظروف مضاف إليه، إذن هي جملة فعلية في محل جر مضاف إليه. (جملة لها محل).
- جملة (رأيت الناس): معطوفة بحرف الواو على جملة (جاء نصر الله) التي هي في محل جر، إذن هي جملة تابعة في محل جر. (جملة لها محل).
- جملة (يدخلون): جاءت بعد اسم معرفة وهو (الناس)، والرؤية هنا رؤية بصرية لا قلبية، والجمل بعد المعارف أحوال، إذن الجملة الفعلية في محل نصب حال. (جملة لها محل).
- جملة (فسبح بحمد ربك): هي جملة جواب الشرط للأداة "إذا". وبما أن "إذا" أداة شرط غير جازمة، فإن الجملة، على الرغم من اقترانها القوي بالفاء، تُعرب كالتالي: جملة جواب الشرط غير الجازم لا محل لها من الإعراب.
الشاهد الثاني: قول الشاعر: إِنِّي وَقْتْلِي سُلَيْكاً ثُمَّ أَعْقِلَهُ ... كَالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عَافَتِ الْبَقَرُ
لو دققنا في الشطر الأول المعقد بعض الشيء، سنجد أن الشاعر يقول في أصل المعنى (إني كالثور)، لكنه اعترض وفصل المعنى بجملة في المنتصف وهي (وقتلي سليكاً ثم أعقله). هذه الجملة وقعت بين اسم إنّ (وهو الضمير المتصل الياء في "إني") وخبرها شبه الجملة (كالثور). لذا نُعرب الجملة المعترضة كاملة بكل ثقة بأنها جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب.
أخطاء شائعة يقع فيها الطلاب (وكيفية تجنبها بذكاء)
من خلال تتبع إجابات الطلاب واستفساراتهم المتكررة في باب إعراب التراكيب، تبرز مجموعة من الأخطاء والفخاخ المتكررة التي يجب عليك الحذر منها وتجنبها تماماً:
- الخلط بين جواب الشرط الجازم وغير الجازم: يظن الكثيرون أن مجرد وجود حرف "الفاء" في جملة الجواب يعطيها محلاً إعرابياً بشكل تلقائي. وتذكر دائماً القاعدة الذهبية: الفاء مع أداة غير جازمة (مثل: لو، لولا، إذا، كلما) لا قيمة لها إعرابياً من حيث المحل، وتبقى الجملة بكاملها لا محل لها من الإعراب. المحل (الجزم) يثبت فقط باجتماع الشرطين: أداة جازمة + فاء الجزاء.
- إهمال أثر الاسم الموصول المستتر في المعنى: أحياناً يكون الاسم الموصول مندمجاً أو غير صريح مثل "مَنْ" أو "ما". عندما تقرأ عبارة: "افعلْ ما تشاء"، فإن "ما" هنا اسم موصول بمعنى (الذي) في محل نصب مفعول به، وجملة "تشاء" هي جملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. الخطأ القاتل هنا هو أن يقوم الطالب بإعراب جملة (تشاء) في محل نصب مفعول به! المفعول به الحقيقي هو الاسم الموصول "ما" نفسه، وليس الجملة التي تليه لتبين معناه.
- الخلط بين الجملة التفسيرية والبدل: الجملة التفسيرية توضح ما قبلها ولا محل لها من الإعراب إطلاقاً. أما البدل فهو من التوابع ويأخذ حكم المبدل منه رفعاً ونصباً وجراً. الفيصل هنا للتمييز بينهما هو وجود أدوات التفسير الصريحة (أي، أن) ووضوح نية التفسير الفعلي للفظ مبهم يسبقها.
إن إحاطتك الشاملة بمواضع الجمل التي ليس لها محل من الاعراب يمنحك عدسة مكبرة تقرأ بها النصوص العربية بوعي نحوي عميق ومنقطع النظير. لم يعد الأمر بالنسبة لك مجرد تخمين عشوائي للمواقع الإعرابية، بل هو تطبيق لقواعد رياضية ومنطقية صارمة. قم دائماً بتطبيق "اختبار التأويل بالمفرد"، واحفظ المواضع السبعة الأساسية عن ظهر قلب، وستكتشف أن إعراب أطول القصائد والخطب، وتفكيك أعقد النصوص، أصبح أسهل وأمتع بكثير من إعراب جملة اسمية بسيطة.
