مقدمة: ما هي الجمل التي لها محل من الإعراب؟
في علم النحو العربي، لتشريح التراكيب وفهم المعاني العميقة، لا تقتصر وظيفة الإعراب على الكلمات المفردة فحسب، بل تمتد لتشمل الجمل بأكملها. الجمل التي لها محل من الإعراب هي تلك الجمل (سواء كانت اسمية أو فعلية) التي يصح لغوياً ونحوياً أن تحل محل الاسم المفرد، فتأخذ حكمه الإعرابي من حيث الرفع، أو النصب، أو الجر، أو الجزم. بعبارة أخرى، إذا أمكنك حذف الجملة ووضع كلمة مفردة مكانها واستقام المعنى، فإن هذه الجملة تمتلك موقعاً إعرابياً محدداً.
![]() |
| الجمل التي لها محل من الإعراب | شرح وأمثلة |
هذا الباب النحوي يُعد من أهم أبواب إعراب الجمل، وهو المفتاح الذهبي الذي يفرق بين الطالب العادي والمتعمق في أسرار اللغة العربية. بمجرد إدراكك لمفهوم تأويل الجملة بمفرد، ستتلاشى أمامك كل عقبات الإعراب المعقدة، وستتمكن من تحليل النصوص الأدبية، والقرآنية، والشعرية بمهارة فائقة. سنتناول في هذا الدليل الشامل تفاصيل هذه الجمل، أنواعها السبعة، شروطها، مع أمثلة تطبيقية معمقة وإعراب تفصيلي لكل حالة.
القاعدة الذهبية لفهم موقع الجملة الإعرابي
السر الأكبر في إتقان هذا الدرس يكمن في ما يسميه علماء النحو التأويل بمفرد. لفهم هذه القاعدة، دعونا نتأمل المثال التالي:
- المثال الأول: الطالبُ مجتهدٌ. (هنا كلمة مجتهد خبر مرفوع، وهي اسم مفرد).
- المثال الثاني: الطالبُ يجتهدُ في دروسه. (هنا جاء الخبر على هيئة جملة فعلية يجتهد).
بما أننا نستطيع تأويل الجملة الفعلية (يجتهد) بالاسم المفرد (مجتهد)، فهذا يعني قطعاً أن جملة (يجتهد) قد احتلت مكان الخبر، وبالتالي نقول إنها جملة فعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذه هي القاعدة التي سنقيس عليها جميع الجمل التي لها محل من الإعراب في لغتنا العظيمة.
مواضع الجمل التي لها محل من الإعراب (التفصيل الشامل)
تنحصر الجمل التي تمتلك محلاً إعرابياً في سبعة مواضع رئيسية، متفق عليها بين أئمة النحو والصرف. إليك تفصيلها الدقيق:
1. الجملة الواقعة خبراً (الجملة الخبرية)
هي الجملة التي تتمم معنى المبتدأ أو ما أصله المبتدأ (مثل اسم كان أو اسم إن). وتنقسم الجملة الخبرية من حيث المحل الإعرابي إلى قسمين:
أولاً: جملة في محل رفع: وتكون خبراً للمبتدأ أو خبراً لـ إنّ وأخواتها.
- خبر المبتدأ: مثل قولنا: (الأمُّ تطعمُ أبناءها).
- الأم: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
- تطعم: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي.
- أبناءها: مفعول به منصوب.
- الإعراب الجملي: والجملة الفعلية (تطعم أبناءها) في محل رفع خبر المبتدأ.
- خبر إن وأخواتها: مثل قولنا: (إنّ الحقَّ صوته مرتفعٌ).
- إن: حرف توكيد ونصب. الحق: اسم إن منصوب.
- صوته: مبتدأ مرفوع. مرتفع: خبر المبتدأ.
- الإعراب الجملي: والجملة الاسمية (صوته مرتفع) في محل رفع خبر إن.
ثانياً: جملة في محل نصب: وتكون خبراً لـ كان وأخواتها أو كاد وأخواتها.
- خبر كان وأخواتها: مثل قولنا: (أصبحَ التطورُ يغزو العالم).
- أصبح: فعل ماضٍ ناقص. التطور: اسم أصبح مرفوع.
- الإعراب الجملي: والجملة الفعلية (يغزو العالم) في محل نصب خبر أصبح.
2. الجملة الواقعة مفعولاً به (الجملة المفعولية)
الجملة لا تقع مفعولاً به إلا في مواضع محددة جداً، ومحلها الإعرابي دائماً هو النصب (إلا في حالة المبني للمجهول فتكون في محل رفع نائب فاعل). وتأتي في الحالات الآتية:
- جملة مقول القول: وهي الجملة التي تأتي بعد الفعل قال أو ما يحمل معناه (أجاب، نادى، صرخ، هتف).
- مثال: قال المعلمُ: (الامتحانُ سهلٌ).
- الإعراب الجملي: الجملة الاسمية (الامتحان سهل) في محل نصب مفعول به (مقول القول).
- المفعول به الثاني لأفعال القلوب واليقين: الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر (مثل: ظن، علم، حسب، زعم، وجد، رأى).
- مثال: علمتُ أنَّ الدرسَ تأجلَ (أو علمتُ الدرسَ فوائده كثيرة).
- الإعراب الجملي: جملة (فوائده كثيرة) في محل نصب مفعول به ثانٍ للفعل (علم).
- ملاحظة احترافية (في محل رفع نائب فاعل): إذا بُني فعل القول للمجهول (قِيل، يُقال)، فإن الجملة التي تليه تكون في محل رفع نائب فاعل.
- مثال قرآني: قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ}. جملة (يا أرض ابلعي) في محل رفع نائب فاعل للفعل المبني للمجهول (قيل).
3. الجملة الواقعة حالاً (الجملة الحالية)
هي الجملة التي تبين هيئة الفاعل أو المفعول به عند وقوع الفعل، ومحلها الإعرابي دائماً هو النصب. ولكن النحاة وضعوا شرطين أساسيين لتكون الجملة حالية:
الشرط الأول: أن يكون صاحب الحال معرفة (اسماً معرفاً بأل، أو علماً، أو ضميراً).
الشرط الثاني: أن تشتمل جملة الحال على رابط يربطها بصاحب الحال. هذا الرابط قد يكون:
- الضمير وحده: جاء الطفلُ (يضحكُ). (الرابط هو الضمير المستتر في يضحك العائد على الطفل).
- الواو وحدها (واو الحال): هرب اللص (والشرطةُ تلاحقه).
- الواو والضمير معاً: عاد الجيش (وهم منتصرون).
- الإعراب التطبيقي: في جملة عاد الجيش (وهم منتصرون): الواو واو الحال، هم: مبتدأ، منتصرون: خبر. والجملة الاسمية (وهم منتصرون) في محل نصب حال.
4. الجملة الواقعة صفة أو نعتاً (الجملة الوصفية)
الجملة الوصفية هي التي تصف اسماً قبلها. ومحلها الإعرابي غير ثابت؛ بل تتبع الموصوف في الإعراب (رفعاً، ونصباً، وجراً). أهم شرط لتكون الجملة صفة هو أن يكون الموصوف نكرة (غير معرف بأل أو بالإضافة).
- في محل رفع: هذا طالبٌ (أخلاقهُ عاليةٌ). (طالبٌ: خبر مرفوع وهو نكرة. جملة أخلاقه عالية في محل رفع نعت).
- في محل نصب: رأيتُ عصفوراً (يغرّدُ). (عصفوراً: مفعول به منصوب. جملة يغرد في محل نصب نعت).
- في محل جر: مررتُ برجلٍ (يحرثُ أرضه). (رجلٍ: اسم مجرور. جملة يحرث أرضه في محل جر نعت).
5. الجملة الواقعة مضافاً إليه (الجملة الإضافية)
محلها الإعرابي دائماً هو الجر. وتقع هذه الجملة بعد الظروف الزمانية أو المكانية غير المنونة (غير المقطوعة عن الإضافة)، مثل: (حين، يوم، إذا، إذ، حيث، منذ، مذ، لمّا). تأتي الجملة بعد هذه الظروف لتوضحها وتكمل معناها.
- مثال مكان: اجلس حيثُ (ينتهي بك المجلس).
- الإعراب الجملي: الجملة الفعلية (ينتهي بك المجلس) في محل جر مضاف إليه بعد الظرف حيث.
- مثال زمان قرآني: قوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}.
- الإعراب الجملي: الجملة الفعلية (ينفع الصادقين صدقهم) في محل جر مضاف إليه لظرف الزمان يوم.
6. الجملة الواقعة جواباً لشرط جازم (مقترنة بالفاء أو إذا)
من أشد المواضع دقة في علم النحو. لكي يكون لجملة جواب الشرط محل إعرابي (وهو محل جزم)، يجب أن يجتمع فيها شرطان صارمان في وقت واحد:
الشرط الأول: أن تكون أداة الشرط جازمة (إنْ، مَنْ، ما، مهما، متى، أيّان، أينما، حيثما، كيفما، أيّ).
الشرط الثاني: أن تقترن جملة الجواب بـ (الفاء) أو بـ (إذا الفجائية).
- المقترنة بالفاء: مَنْ يجتهدْ (فالنجاحُ حليفهُ).
- من: اسم شرط جازم. يجتهد: فعل الشرط مجزوم.
- الجملة الاسمية (فالنجاح حليفه) مقترنة بالفاء، وهي في محل جزم جواب الشرط.
- المقترنة بإذا الفجائية (مثال قرآني): قوله تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}.
- الجملة الاسمية (هم يقنطون) في محل جزم جواب الشرط الجازم.
ملاحظة استثنائية هامة جداً: إذا كانت الأداة جازمة ولكن الجواب لم يقترن بالفاء أو إذا (مثل: إن تذاكرْ تنجحْ)، فإن الجملة (لا محل لها من الإعراب)، ويكون الإعراب للفعل المضارع (تنجح) منفرداً كفعل مجزوم.
7. الجملة التابعة لجملة لها محل من الإعراب
التوابع في اللغة العربية (العطف، النعت، التوكيد، البدل) لا تقتصر على الكلمات، بل تشمل الجمل أيضاً. إذا تم عطف جملة على جملة أخرى لها محل إعرابي، فإن الجملة المعطوفة تأخذ نفس المحل الإعرابي للمعطوف عليها (رفعاً، أو نصباً، أو جراً، أو جزماً).
- مثال تطبيقي: العاملُ (يتقنُ عمله) و(يحافظُ على أدواته).
- جملة (يتقن عمله) في محل رفع خبر المبتدأ (العامل).
- الواو: حرف عطف.
- جملة (يحافظ على أدواته): جملة فعلية معطوفة على جملة الخبر، لذا فهي في محل رفع أيضاً.
القاعدة الثابتة: الجمل بعد المعارف أحوال وبعد النكرات صفات
إذا أردت تلخيص جزء كبير من إعراب الجمل في عبارة واحدة، فهذه القاعدة هي الأشهر والأكثر استخداماً في التطبيقات النحوية. يواجه الكثير من الدارسين صعوبة في التفريق بين جملة الحال وجملة النعت، ولكن هذه القاعدة تحل اللغز تماماً:
انظر دائماً إلى الكلمة التي تسبق الجملة (الاسم الذي تعود عليه الجملة):
- إذا كان هذا الاسم معرفة (يحتوي على الـ التعريف، أو اسم علم، أو مضاف لمعرفة)، فالجملة بعده حال منصوبة.
- مثال: شاهدتُ الرجلَ (يبكي). ➔ (يبكي) في محل نصب حال.
- إذا كان هذا الاسم نكرة (مجرد من الـ التعريف والإضافة)، فالجملة بعده صفة (نعت) وتتبع النكرة في إعرابها.
- مثال: شاهدتُ رجلاً (يبكي). ➔ (يبكي) في محل نصب نعت.
هذه القاعدة تعتبر الميزان الذي يضبط به المتمكنون إيقاع الإعراب، وهي قاعدة مضطردة قلما تجد لها شواذ في اللغة العربية الفصحى.
أمثلة إعرابية تطبيقية من القرآن الكريم والشعر
لترسيخ المفاهيم، لا بد من استعراض نصوص من أعلى مراتب الفصاحة والبيان وتطبيق القواعد عليها بدقة.
من القرآن الكريم
- الآية: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ...} (سورة غافر).
- التشريح الإعرابي: (إنّ): حرف توكيد ونصب. (الذين): اسم موصول في محل نصب اسم إن. (كفروا): جملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. أما جملة (ينادون) فهي الجملة الفعلية التي أتمت المعنى، وبالتالي هي في محل رفع خبر إنّ.
- الآية: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} (سورة البقرة).
- التشريح الإعرابي: كلمة (يوماً) هنا مفعول به منصوب وهي نكرة (ليست ظرف زمان مضافاً لأنها منونة). بناءً على قاعدة بعد النكرات صفات، فإن جملة (ترجعون فيه إلى الله) تقع في محل نصب نعت لكلمة يوماً.
من الشعر العربي
- قول الشاعر: إذا الشّعبُ يوماً أرادَ الحياةَ *** فلابُدّ (أنْ يستجيبَ القدرْ)
- التشريح الإعرابي: (إذا) أداة شرط غير جازمة. جملة (أراد الحياة) في محل جر مضاف إليه لوقوعها بعد ظرف الزمان إذا. بينما جملة جواب الشرط (فلابد أن يستجيب القدر) لا محل لها من الإعراب لأن أداة الشرط غير جازمة، وهذا فخ يقع فيه الكثيرون حيث يظنون أن وجود الفاء يكفي، بل يجب أن تكون الأداة جازمة كما أسلفنا في الشروط.
الفرق الجوهري بين الجمل التي لها محل والتي لا محل لها من الإعراب
لتكتمل الصورة المعرفية، يجب أن نضع الجمل التي لها محل في مقارنة سريعة مع النقيض، وهي الجمل التي لا محل لها من الإعراب. الفرق الأساسي والمحوري يتلخص في الآتي:
الجمل التي لا محل لها من الإعراب هي الجمل المستقلة بنفسها، والتي لا يصح إطلاقاً تأويلها باسم مفرد، ولا تقع موقعاً يمكن أن يشغله اسم مرفوع أو منصوب أو مجرور. وتشمل هذه الجمل:
- الجملة الابتدائية: التي تقع في أول الكلام (مثل: الله نور السماوات والأرض).
- الجملة الاستئنافية: التي تنقطع عما قبلها لتبدأ فكرة جديدة.
- جملة صلة الموصول: التي تأتي دائماً بعد الأسماء الموصولة لتوضحها (مثل: جاء الذي نجح).
- الجملة الاعتراضية: التي تتوسط الكلام كالدعاء (مثل: عمر -رضي الله عنه- أعدل الحكام).
- جملة جواب القسم: (والله لأنتصرن).
- جملة جواب الشرط غير الجازم: أو الجازم غير المقترن بالفاء.
- الجملة المفسرة: التي تأتي لتفسير وتوضيح كلام غامض.
إدراكك لهذا الفارق يجعلك قادراً على مسح النص مسحاً نحوياً دقيقاً وتصنيف الجمل بمجرد النظر.
تدريبات عملية للتقييم الذاتي وإتقان الإعراب
الممارسة هي التي تثبت القاعدة النحوية وتصقل المهارة. حاول إعراب الجمل الموضوعة بين قوسين في الأمثلة التالية، وتحديد محلها الإعرابي استناداً إلى الشروحات السابقة:
- السؤال الأول: قال تعالى: {قَالَ إِنِّي (عَبْدُ اللَّهِ)}. ما هو المحل الإعرابي للجملة الاسمية المحددة؟
- السؤال الثاني: قرأتُ كتاباً (أفكاره عميقةٌ). حدد موقع الجملة الاسمية.
- السؤال الثالث: إنْ تتقِ اللهَ (يجعلْ لك مخرجاً). هل جملة (يجعل لك مخرجاً) لها محل من الإعراب؟ ولماذا؟
- السؤال الرابع: ما زال المعلمُ (يشرحُ الدرسَ) بشغف. بيّن محل الجملة الفعلية.
الإجابات النموذجية:
- جملة (عبد الله): في محل نصب مفعول به، لأنها جملة (مقول القول) جاءت بعد الفعل (قال).
- جملة (أفكاره عميقة): في محل نصب صفة (نعت). الموصوف هو كلمة (كتاباً) وهي مفعول به منصوب نكرة، وبعد النكرات صفات.
- جملة (يجعل لك مخرجاً): لا محل لها من الإعراب. التفسير الدقيق: رغم أن أداة الشرط (إن) جازمة، إلا أن جملة الجواب لم تقترن بـ (الفاء) ولا بـ (إذا الفجائية)، وبالتالي الجزم وقع على الفعل (يجعل) وحده ككلمة مفردة، أما الجملة ككل فلا محل لها.
- جملة (يشرح الدرس): في محل نصب خبر (ما زال)، لأن أفعال الاستمرار (من أخوات كان) ترفع المبتدأ وتنصب الخبر.
