دليلك الشامل والمرجع الأوفى لضبط وإعراب الفعل المضارع المرفوع
إن كنت تبحث عن القاعدة الذهبية التي تضع حداً لحيرتك في إعراب الفعل المضارع المرفوع، فالأمر أبسط مما تتخيل ولكنه يتطلب دقة وتركيزاً. الإجابة المباشرة لمشكلتك النحوية تتلخص في قاعدة واحدة: يُرفع الفعل المضارع دائماً وأبداً إذا تجرد من أدوات النصب وأدوات الجزم ولم تتصل به نونا التوكيد أو النسوة.
![]() |
| دليلك الشامل والمرجع الأوفى لضبط وإعراب الفعل المضارع المرفوع |
الفعل المضارع هو المحرك الديناميكي للجملة العربية، فهو الوحيد بين الأفعال الذي خصه العرب بصفة "الإعراب" (تغير حركة آخره)، ليدل على التجدد والاستمرار في الحاضر والمستقبل. في هذا المرجع الموسوعي، سنفكك بنية الفعل المضارع المرفوع، ونستعرض علامات رفعه الأصلية والفرعية، ونضع بين يديك نماذج تطبيقية تمنحك القدرة على الإعراب باحترافية الخبير النحوي، دون أدنى تردد أو خطأ.
السر النحوي: لماذا يُرفع الفعل المضارع؟
في علم النحو العربي، كل حركة إعرابية لها "عامل" يتسبب فيها. ولكن في حالة الفعل المضارع المرفوع، العامل هنا ليس كلمة ملفوظة أو حرفاً مكتوباً، بل هو عامل "معنوي" يُطلق عليه النحاة اسم "التجرد". والمقصود بالتجرد هو خلو الفعل المضارع من أي أداة من أدوات النصب (أنْ، لن، كي، حتى، لام التعليل، فاء السببية...) أو أدوات الجزم (لم، لما، لام الأمر، لا الناهية، وأدوات الشرط الجازمة).
عندما يقف الفعل المضارع حراً طليقاً في الجملة، دون أن يسبقه ما يقيده بنصب أو جزم، فإنه يستقر على حالته الفطرية الأصلية وهي "الرفع". وهذا الرفع يمنح الفعل دلالة خالصة على وقوع الحدث في الزمن الحاضر (الآن) أو امتداده نحو المستقبل القريب.
علامات إعراب الفعل المضارع المرفوع (دراسة تفصيلية)
تختلف العلامة التي نضعها أو نقدرها على آخر الفعل المضارع المرفوع باختلاف بنيته الصرفية، وتحديداً نوع الحرف الأخير منه. وتنقسم علامات الرفع إلى علامات أصلية (الضمة بنوعيها) وعلامات فرعية (ثبوت النون)، وفيما يلي التفصيل الدقيق لكل حالة:
1. الرفع بالضمة الظاهرة (للفعل صحيح الآخر)
هذه هي العلامة الأساسية والأكثر شيوعاً. يُرفع الفعل المضارع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة إذا كان صحيح الآخر، بمعنى أن الحرف الأخير من الفعل حرف صحيح، وليس من حروف العلة الثلاثة (الألف، الواو، الياء). في هذه الحالة، تظهر الضمة بوضوح في النطق والكتابة.
- مثال: يكتبُ الطالبُ الدرسَ بتركيز.
- مثال آخر: ينجحُ المجتهدُ في حياته.
- الإعراب النموذجي: يكتبُ / ينجحُ: فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
2. الرفع بالضمة المقدرة (للفعل معتل الآخر)
عندما ينتهي الفعل المضارع بأحد حروف العلة، فإن اللغة العربية تميل إلى التخفيف وتجنب الثقل في النطق. لذلك، لا نكتب الضمة ولا ننطقها، بل "نقدرها" في الذهن. ويختلف سبب التقدير باختلاف حرف العلة:
أ. التقدير للتعذر (معتل الآخر بالألف):
إذا انتهى الفعل المضارع بألف (سواء كانت ممدودة مثل "يحيا" أو مقصورة مثل "يسعى")، تُقدر الضمة لسبب يُسمى التعذر. والتعذر يعني الاستحالة المطلقة لتحريك الألف بأي حركة إعرابية.
- مثال: يرضى اللهُ عن المحسنين.
- الإعراب: يرضى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
ب. التقدير للثقل (معتل الآخر بالواو أو الياء):
إذا انتهى الفعل المضارع بالواو (مثل: يدعو، يسمو، يرجو) أو بالياء (مثل: يبني، يقضي، يمشي)، فإن الضمة تُقدر لسبب يُسمى الثقل. الثقل يعني أن نطق الضمة على الواو أو الياء أمر ممكن فيزيائياً، ولكنه ثقيل جداً على اللسان ومنافٍ لسلاسة اللغة العربية، لذا لزم إخفاؤها.
- مثال (معتل بالواو): يدعو المسلمُ ربه. (الإعراب: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الواو منع من ظهورها الثقل).
- مثال (معتل بالياء): يبني المهندسُ المشروعَ. (الإعراب: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل).
3. الرفع بثبوت النون (الأفعال الخمسة)
ينتقل إعراب الفعل المضارع من الحركات (الضمة) إلى الحروف (النون) في حالة واحدة، وهي عندما يكون الفعل من الأفعال الخمسة. والأفعال الخمسة هي كل فعل مضارع اتصلت به (ألف الاثنين، واو الجماعة، أو ياء المخاطبة).
سُميت بالخمسة لأنها تأتي على خمسة أوزان أو صور صيغية: (يفعلان، تفعلان، يفعلون، تفعلون، تفعلين). في حالة الرفع، تبقى النون ثابتة ومكتوبة في آخر الفعل، وتُعد هي العلامة الإعرابية الفرعية.
- مع ألف الاثنين: الطالبان يجتهدانِ في دراستهما.
- مع واو الجماعة: العمالُ يتقنونَ عملهم.
- مع ياء المخاطبة: أنتِ تحافظينَ على الصلاة.
- الإعراب النموذجي (يتقنون): فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، و(واو الجماعة) ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
استثناءات هامة: متى يبنى الفعل المضارع ولا يكون مرفوعاً؟
يجب التمييز بدقة بين الإعراب والبناء. ذكرنا أن الأصل في المضارع أنه "معرب" (يُرفع وينصب ويجزم). لكنه ينسلخ من قاعدة الرفع تماماً ويصبح مبنياً (أي يثبت آخره على حركة واحدة لا تتغير) في حالتين حصريتين يجب الانتباه لهما لضمان صحة الإعراب:
- البناء على السكون: إذا اتصلت به نون النسوة. مثل: الطالباتُ يكتبْنَ الدرسَ. (يكتبْنَ: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والنون ضمير متصل فاعل). هنا لا نقول مرفوع.
- البناء على الفتح: إذا اتصلت به نون التوكيد (الثقيلة أو الخفيفة) اتصالاً مباشراً. مثل: لأدافعَنَّ عن وطني. (أدافعَنَّ: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والنون حرف لا محل له من الإعراب).
كيف تفرق بين الفعل المضارع المرفوع والمجزوم والمنصوب بثوانٍ معدودة؟
الكثير من الدارسين يقعون في فخ الخلط بين الحالات الإعرابية الثلاث للمضارع. إليك هذه المعادلة البسيطة لكشف حالة الفعل فور قراءته:
1. انظر قبل الفعل مباشرة: هل هناك حرف يسبقه؟
- إذا وجدت (أن، لن، كي، إذن، لام التعليل، فاء السببية، حتى، واو المعية) ← فالفعل منصوب (بالفتحة أو بحذف النون).
- إذا وجدت (لم، لما، لام الأمر، لا الناهية، أو أداة شرط جازمة مثل إن، من، ما، متى) ← فالفعل مجزوم (بالسكون، أو حذف النون، أو حذف حرف العلة).
- إذا لم تجد أياً مما سبق (تجرد تام) ← فالفعل مرفوع فوراً دون نقاش.
ملاحظة احترافية: انتبه إلى (لا النافية)، فهي لا تؤثر في إعراب الفعل وتتركه مرفوعاً. مثل: لا يحبُّ اللهُ الجهرَ بالسوء. (يحبُّ: مضارع مرفوع بالضمة لأن "لا" هنا نافية وليست ناهية جازمة).
نماذج إعرابية تطبيقية لترسيخ القاعدة
القواعد النظرية لا تكتمل إلا بالتطبيق العملي. دعونا نُعرب جملاً متكاملة لنفهم مسار إعراب الفعل المضارع المرفوع في سياقات مختلفة.
النموذج الأول: الجملة البسيطة (الصحيحة الآخر)
الجملة: يتسابقُ الأبطالُ بشرفٍ.
- يتسابقُ: فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصِـب والجازم، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
- الأبطالُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
- بشرفٍ: الباء حرف جر، وشرف اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة.
النموذج الثاني: الجملة المعقدة (المعتل الآخر بالألف)
الجملة: يخشى المؤمنُ ربَّهُ في السرِ والعلنِ.
- يخشى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
- المؤمنُ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
- ربَّهُ: ربَّ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة. والهاء: ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
النموذج الثالث: الأفعال الخمسة مع تقديم المبتدأ
الجملة: العالمان يبحثانِ عن علاجٍ للمرضِ.
- العالمان: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى.
- يبحثانِ: فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة. وألف الاثنين ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. والجملة الفعلية (يبحثان) في محل رفع خبر المبتدأ.
أخطاء شائعة يقع فيها الكُتاب والطلاب عند إعراب المضارع
من خلال خبرتنا الطويلة في تحليل النصوص اللغوية، رصدنا مجموعة من الفخاخ النحوية التي يقع فيها الكثيرون عند التعامل مع الفعل المضارع المرفوع، ونلخصها لك لتتجنبها:
- الخلط بين (لا) الناهية و(لا) النافية: كما ذكرنا، (لا) الناهية التي تحمل معنى الطلب تجزم المضارع (لا تكذبْ). بينما (لا) النافية التي تخبرنا بعدم وقوع الفعل تبقيه مرفوعاً (محمدٌ لا يكذبُ). الخطأ هنا يكمن في تسكين الفعل بعد (لا) النافية وهو خطأ فادح.
- إظهار الحركة على المعتل الآخر: يصر البعض على محاولة نطق أو كتابة الضمة على الفعل المعتل بالياء أو الواو (مثل: يجريُ، يدعوُ). هذا خطأ إملائي ونحوي. القاعدة الصارمة تقضي بتقدير الحركة تماماً منعاً للثقل.
- حذف النون في حالة الرفع: قد يكتب أحدهم: "الطلاب يذاكروا دروسهم" بدون أداة نصب أو جزم. هذا خطأ جسيم، فالصواب "الطلاب يذاكرونَ" لأن الفعل مرفوع بثبوت النون. لا تُحذف نون الأفعال الخمسة إلا إذا سُبقت بناصب أو جازم.
- إعراب نون النسوة كعلامة رفع: يخلط البعض بين نون الأفعال الخمسة (مثل النون في "يكتبون") وبين نون النسوة (في "الفتيات يكتبْنَ"). النون الأولى علامة إعراب فرعية للرفع، بينما النون الثانية هي الفاعل نفسه والفعل معها مبني وليس مرفوعاً.
خاتمة القول والفصل النحوي
إن إتقان إعراب الفعل المضارع المرفوع لا يعتمد على الحفظ الأصم، بل على الفهم الواعي لهندسة الجملة العربية. عندما تنظر إلى الفعل، ابدأ دائماً بالبحث عما يسبقه لتتأكد من "تجرد" الفعل التام. بعد ذلك، وجه نظرك إلى الحرف الأخير لتحديد الهوية الصرفية للفعل (صحيح، معتل، أم متصل بضمائر الأفعال الخمسة). بمجرد تطبيقك لهذه المنهجية التحليلية السريعة، سيصبح إعراب الأفعال وضبط أواخرها ملكة راسخة لديك، مما يعكس مستوى احترافياً وبلاغياً عالياً في كتاباتك وحديثك بلسان الضاد المبين.
