هل تشعر بالحيرة في تحديد علامات اعراب الفعل المضارع؟ لست وحدك. يُعد الفعل المضارع الركيزة الأساسية والعمود الفقري للجملة الفعلية المستمرة في اللغة العربية، وهو الفعل الوحيد الذي يأتي "معربًا" في معظم حالاته، ليتغير شكل آخره بتغير موقعه في الجملة أو باختلاف الأدوات التي تسبقه.
![]() |
| علامات إعراب الفعل المضارع | دليلك الشامل والمبسط |
نضع بين يديك هذا الدليل الاحترافي الشامل، الذي سيفكك لك كل القواعد المعقدة ويحولها إلى خطوات سحرية مبسطة، لتنتقل من مرحلة الحفظ التلقائي إلى مرحلة الفهم العميق والاحتراف النحوي. سنغوص معًا في تفاصيل الحركات الأصلية والفرعية، ونستعرض أمثلة تطبيقية من القرآن الكريم والشعر العربي، مع تسليط الضوء على الأخطاء الشائعة التي يجب تجنبها.
ما هو الفعل المضارع؟ ولماذا سُمي بهذا الاسم؟
الفعل المضارع هو كلمة تدل على حدث يقع في الزمن الحاضر (الآن) أو في المستقبل. يبدأ دائمًا بحرف من حروف المضارعة الأربعة المجموعة في كلمة (أنيت) أو (نأتي)، وهي: الهمزة، النون، الياء، والتاء. على سبيل المثال: أقرأُ، نقرأُ، يقرأُ، تقرأُ. وهو يتميز عن غيره من الأفعال بقبوله دخول حروف الاستقبال مثل (السين) و(سوف)، وقبوله لأدوات النفي والجزم مثل (لم) و(لن).
أما عن سر تسميته بـ "المضارع"، فاللغة العربية تحمل في طياتها دقة عجيبة وتفسيرات منطقية لكل مصطلح. كلمة "يُضارع" في لغة العرب تعني "يُشابه" أو "يُماثل". وقد أطلق النحاة على هذا الفعل اسم "المضارع" لأنه يشابه "الاسم" في أمر بالغ الأهمية وهو الإعراب. فكما أن الأسماء معربة (تتغير أواخرها فتُرفع وتُنصب وتُجر)، فإن الفعل المضارع مُعرب (تتغير حركته فيُرفع ويُنصب ويُجزم). هذا الخروج عن الأصل السائد في الأفعال (والذي هو البناء كما في الماضي والأمر) جعل علماء النحو يطلقون عليه اسم المضارع، أي المشابه للاسم في قابليته للإعراب.
متى يكون الفعل المضارع معربًا ومتى يكون مبنيًا؟
قبل أن نغوص في تفاصيل علامات اعراب الفعل المضارع، يجب أن نؤسس لقاعدة ذهبية لا غنى عنها في علم النحو. الأصل في الفعل المضارع أن يكون معربًا، ولكنه قد يخرج عن هذا الأصل ليصبح مبنيًا (أي يلزم حالة واحدة في آخره مهما تغيرت العوامل) في حالتين محددتين فقط.
أولًا: حالات بناء الفعل المضارع
يبنى الفعل المضارع ولا تتغير حركة آخره مهما سبقته من أدوات نصب أو جزم في الحالتين الآتيتين:
- البناء على السكون: يُبنى الفعل المضارع على السكون إذا اتصلت به (نون النسوة). نون النسوة هي ضمير يعود على جمع المؤنث، وتجعل الفعل ثابتًا على السكون.
مثال تطبيقي: الطبيباتُ يعالجْـنَ المرضى.
الإعراب: يعالجنَ: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، ونون النسوة ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. (وإذا سبقته أداة نصب مثل "لن يعالجنَ"، نقول: فعل مضارع مبني على السكون في محل نصب). - البناء على الفتح: يُبنى الفعل المضارع على الفتح إذا اتصلت به (نون التوكيد) الثقيلة أو الخفيفة اتصالًا مباشرًا.
مثال تطبيقي: واللهِ لأذاكرَـنَّ دروسي.
الإعراب: أذاكرَنَّ: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، ونون التوكيد حرف لا محل له من الإعراب.
ثانيًا: الإعراب وحالاته الثلاث
إذا تجرد الفعل المضارع من نون النسوة ونون التوكيد، فإنه يعود إلى أصله القوي وهو الإعراب. وهنا يأخذ الفعل إحدى ثلاث حالات إعرابية لا رابع لها: الرفع، النصب، أو الجزم. تختلف علامات اعراب الفعل المضارع باختلاف بنيته الصرفية، وسنفصل كل حالة بدقة متناهية لتكون مرجعًا لا يُنسى.
الحالة الأولى: علامات رفع الفعل المضارع بالتفصيل
القاعدة الأساسية للرفع في النحو العربي بديهية: يُرفع الفعل المضارع إذا تجرد من العوامل الناصبة والجازمة؛ أي إذا لم يسبقه ناصب ولا جازم، ولم يكن معطوفًا على فعل منصوب أو مجزوم. تتنوع علامات الرفع لتشمل العلامة الأصلية (الضمة) بنوعيها الظاهر والمقدر، والعلامة الفرعية (ثبوت النون)، وتأتي تفصيلاتها على النحو التالي:
1. الضمة الظاهرة (للفعل صحيح الآخر)
إذا كان الفعل المضارع صحيح الآخر (أي أن الحرف الأخير منه ليس من حروف العلة الثلاثة: الألف، الواو، الياء)، ولم يتصل بآخره ضمير من ضمائر الأفعال الخمسة، فإنه يُرفع وعلامة رفعه الضمة التي تظهر واضحة جلية على الحرف الأخير.
مثال: يقرأُ الطالبُ الكتابَ، ويستمتعُ به.
- يقرأُ / يستمتعُ: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره؛ لأنه صحيح الآخر، ولم يسبقه أداة نصب أو جزم.
2. الضمة المقدرة (للفعل معتل الآخر)
إذا كان الفعل المضارع معتل الآخر (ينتهي بحرف علة: ألف أو واو أو ياء)، فإن الضمة لا تظهر على آخره، بل تُقدر. ولكن يختلف سبب التقدير في علم النحو بناءً على طبيعة حرف العلة:
- الضمة المقدرة للتعذر: وذلك إذا كان الفعل معتل الآخر بـ الألف. التعذر يعني الاستحالة المطلقة لنطق الحركة على الألف.
مثال: يسعى المؤمنُ في الخير. (يسعى: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر). - الضمة المقدرة للثقل: وذلك إذا كان الفعل معتل الآخر بـ الواو أو الياء. الثقل يعني أن نطق الضمة ممكن نظريًا (كأن نقول: يدعُوُ، يجريُ) لكنه ثقيل جدًا ومستقبح على لسان المتحدث العربي، لذلك تُقدر الحركة.
مثال الواو: يدعو المظلومُ ربَّه. (يدعو: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو منع من ظهورها الثقل).
مثال الياء: يبني المهندسُ المشروعَ. (يبني: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل).
3. ثبوت النون (للأفعال الخمسة)
لتكتمل صورة علامات اعراب الفعل المضارع، يجب فهم الأفعال الخمسة بعمق. الأفعال الخمسة ليست خمسة أفعال محددة، بل هي كل فعل مضارع اتصلت به (ألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة). في هذه الحالة، ينتقل إعراب الفعل من نظام "الحركات" إلى نظام "الحروف". فتكون علامة رفعه بقاء وثبوت حرف النون في آخره.
لماذا سُميت بالخمسة؟ لأنها تأتي على خمس صيغ (أوزان) وهي: يَفْعَلُونَ، تَفْعَلُونَ (لواو الجماعة)، يَفْعَلَانِ، تَفْعَلَانِ (لألف الاثنين)، وتَفْعَلِينَ (لياء المخاطبة).
أمثلة تفصيلية:
- واو الجماعة: العمالُ يتقنونَ عملهم. (يتقنون: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة. وواو الجماعة ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل).
- ألف الاثنين: الطالبانِ يذاكرانِ بجد. (يذاكران: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة. وألف الاثنين فاعل).
- ياء المخاطبة: أنتِ تكتبينَ بخط جميل. (تكتبين: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة. وياء المخاطبة فاعل).
الحالة الثانية: علامات نصب الفعل المضارع وأدواته
يُنصب الفعل المضارع إذا سبقته مباشرةً إحدى أدوات النصب. لفهم النصب بشكل احترافي، يجب أولاً التعرف على الأدوات التي تُحدث هذا التأثير النحوي، ثم تحديد العلامة الإعرابية الدقيقة التي تتوافق مع نهاية الفعل.
أدوات نصب الفعل المضارع
تنقسم أدوات النصب في النحو العربي إلى أدوات تنصب الفعل المضارع بنفسها، وأدوات تنصبه بـ "أن" المضمرة (المخفية) وجوبًا أو جوازًا بعدها. وأهم هذه الأدوات:
- أنْ: حرف مصدري ونصب واستقبال. (يسرني أنْ تنجحَ).
- لنْ: حرف نفي ونصب واستقبال، وهو ينفي وقوع الفعل في المستقبل تأكيدًا. (لن يضيعَ حقٌ وراءه مطالب).
- كي: حرف مصدري وتعليل ونصب. (اجتهدْ كي تتفوقَ).
- حتى: تفيد الغاية (بمعنى إلى أن) أو التعليل (بمعنى كي)، وتنصب بأن المضمرة وجوبًا بعدها. (سأدرس حتى أصلَ للقمة).
- لام التعليل: تبين أن ما بعدها سبب لحصول ما قبلها، وتنصب بأن المضمرة جوازًا. (أقرأُ الكتبَ لِأستفيدَ).
- لام الجحود: وهي تفيد الإنكار والنفي الشديد، وشرطها الأساسي أن تُسبق بـ "كَوْن منفي" (أي: ما كان، أو لم يكن). (وما كان اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأنت فيهم).
- فاء السببية: تفيد أن ما قبلها سبب لما بعدها، وتُسبق دائمًا بنفي أو طلب (أمر، نهي، استفهام، تمنٍّ، ترجٍّ). (لا تتكاسلوا فَتفشلوا).
- واو المعية: تفيد المصاحبة (حصول ما قبلها مع ما بعدها)، وتُسبق كذلك بنفي أو طلب. (لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ).
- إذن: حرف جواب وجزاء واستقبال، ويشترط أن تتصدر جملة الجواب. (إذن أُكْرِمَكَ، لمن قال: سأزورك غدًا).
علامات نصب الفعل المضارع بالتفصيل
تتمثل علامات النصب في ثلاث حالات دقيقة، وهنا يجب الانتباه الشديد للتمييز بين الفعل المعتل بالألف والمعتل بالواو والياء:
1. الفتحة الظاهرة:
يُنصب الفعل المضارع بالفتحة الظاهرة في حالتين جوهريتين؛ الأولى إذا كان الفعل صحيح الآخر. والثانية (وهنا يقع الكثير في خطأ فادح) إذا كان معتل الآخر بالواو أو الياء. نعم، الفتحة تظهر على الواو والياء نظرًا لخفتها وسهولة نطقها.
- صحيح الآخر: يجب أن تتعلمَ مهارة جديدة. (تتعلمَ: منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة).
- معتل بالواو: لن تسموَ إلا بأخلاقك. (تسموَ: منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على الواو).
- معتل بالياء: جاء القاضي كي يقضيَ بالعدل. (يقضيَ: منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على الياء).
2. الفتحة المقدرة:
تكون الفتحة مقدرة في حالة واحدة فقط، وهي عندما يكون الفعل المضارع معتل الآخر بالألف. وهنا تُقدر الحركة للتعذر المطلق (الاستحالة).
مثال: لن نرضى بالظلم أبدًا. (نرضى: فعل مضارع منصوب بـ لن وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر).
3. حذف النون:
إذا كان الفعل المضارع من الأفعال الخمسة، فإن علامة نصبه تكون حذف النون من آخره، ونعوض عنها بـ "ألف التفريق" في حالة اتصال الفعل بواو الجماعة فقط لتفرقتها عن الواو الأصلية للكلمة.
مثال: اجتهدوا كي تحققوا أحلامكم. (تحققوا: فعل مضارع منصوب بـ كي وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل). وكذلك: (أن تحققا، أن تحققي).
الحالة الثالثة: علامات جزم الفعل المضارع وأدواته
الجزم في لغة العرب يعني "القطع"، وفي الاصطلاح النحوي يعني قطع الحركة من آخر الفعل الصحيح، أو قطع الحرف الأخير من الفعل المعتل، أو قطع النون من الأفعال الخمسة. يُجزم الفعل المضارع إذا سُبق بأداة جزم، أو وقع كفعل شرط أو جواب شرط، أو وقع جوابًا لطلب محبب.
أدوات جزم الفعل المضارع
تنقسم الأدوات الجازمة إلى قسمين محوريين:
أولًا: أدوات تجزم فعلًا مضارعًا واحدًا:
- لَمْ: حرف نفي وجزم وقلب، ينفي الحدث ويقلب دلالة المضارع من الحاضر إلى الماضي المنقطع. (لَمْ يُسافرْ أخي أمس).
- لَمَّا: تنفي حدوث الفعل في الماضي، ولكن يمتد النفي إلى زمن التكلم مع توقع حدوث الفعل في المستقبل. (بدأت المحاضرة ولَمَّا يَحضرْ الأستاذ).
- لام الأمر: حرف جازم يحول دلالة المضارع الخبري إلى معنى الطلب والأمر الإلزامي، وتكون مكسورة، وإذا سُبقت بالواو أو الفاء تُسكّن. (لِتُنفقْ من سعتك - فَلْيتقِ الله).
- لا الناهية: تفيد طلب الكف والامتناع عن الفعل، وتوجه للمخاطب أو الغائب. (لا تؤجلْ عمل اليوم إلى الغد).
ثانيًا: أدوات تجزم فعلين مضارعين (أدوات الشرط الجازمة):
هي أدوات تربط بين جملتين، تجزم الفعل في الجملة الأولى ويسمى "فعل الشرط"، وتجزم الفعل في الجملة الثانية ويسمى "جواب الشرط وجزاؤه". من أهم هذه الأدوات:
- إنْ: الحرف الوحيد بينها، وهو مجرد لربط الجواب بالشرط. (إنْ تدرسْ تنجحْ).
- مَنْ: للعاقل. (مَنْ يعملْ سوءًا يُجْزَ به).
- ما / مهما: لغير العاقل. (وما تفعلوا من خير يعلمْهُ الله).
- متى / أيان: للزمان. (متى يأتِ الربيع تتفتحْ الأزهار).
- أين / أينما / أنى / حيثما: للمكان. (أينما تكونوا يُدركْكُمُ الموت).
- كيفما: للحال. (كيفما تعاملْ الناس يعاملوكَ).
- أي: تُعرب وتُستخدم بحسب ما تضاف إليه. (أيَّ كتابٍ تقرأْ تستفدْ منه).
علامات الجزم بالتفصيل
لتكتمل دائرة فهم علامات اعراب الفعل المضارع، يجب الإحاطة بعلامات الجزم الثلاث:
1. السكون:
يُجزم المضارع وعلامة جزمه السكون الظاهر إذا كان صحيح الآخر ولم يتصل بآخره شيء.
مثال: لا ترفعْ صوتك.
سر نحوي للمحترفين: إذا كان الفعل مجزومًا بالسكون، وجاءت بعده كلمة تبدأ بحرف ساكن (كأن تبدأ بـ "أل" التعريف)، فإن الحرف الأخير من الفعل يُكسر منعًا لالتقاء الساكنين، وهي قاعدة صرفية صارمة في اللغة العربية.
مثال: (لَمْ يفهمِ الطالبُ الدرس).
الإعراب: يفهمِ: فعل مضارع مجزوم بـ لم وعلامة جزمه السكون، وحُرك بالكسر منعًا لالتقاء الساكنين.
2. حذف حرف العلة:
إذا كان الفعل معتل الآخر، تُحذف حروف العلة (الألف، الواو، الياء) كعلامة صريحة للجزم، ونعوض عنها بحركة تجانس الحرف المحذوف لتدل عليه (الفتحة تدل على الألف، الضمة تدل على الواو، الكسرة تدل على الياء).
- المعتل بالألف: لا تخشَ إلا الله. (الفعل أصله تخشى، حُذفت الألف وبقيت الفتحة على الشين. الإعراب: مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة الألف).
- المعتل بالواو: لَمْ يدنُ القطار من المحطة. (الفعل أصله يدنو، حُذفت الواو وبقيت الضمة على النون. الإعراب: مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة الواو).
- المعتل بالياء: لِـتقضِ بين الناس بالعدل. (الفعل أصله تقضي، حُذفت الياء وبقيت الكسرة تحت الضاد. الإعراب: مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة الياء).
3. حذف النون:
إذا كان الفعل من الأفعال الخمسة، تُحذف النون كعلامة للجزم.
مثال: أيها الأبطال، لَمْ تتراجعوا أمام التحديات. (تتراجعوا: فعل مضارع مجزوم بـ لم وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل).
جزم المضارع في جواب الطلب
من أسرار اللغة العربية وجمالياتها أن الفعل المضارع قد يُجزم بدون وجود أداة جزم ظاهرة، وذلك إذا وقع جوابًا لطلب (كالنهي، والأمر، والاستفهام)، ولكن بشرطين دقيقين:
- أن يتقدم الطلب على الفعل المضارع، ويكون الفعل مترتبًا على هذا الطلب بشكل منطقي.
- إذا كان الطلب نهيًا، يجب أن يكون الجواب (الفعل المضارع) أمراً محببًا للنفس ومحمودًا لتتم عملية الجزم.
مثال الأمر: "ابتسمْ تزددْ إشراقًا". (تزدد: فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب وعلامة جزمه السكون).
مثال النهي (المحبب): "لا تقتربْ من الأسدِ تسلمْ". (تسلم: مجزوم في جواب الطلب وعلامة جزمه السكون، لأن السلامة أمر محبب).
مثال النهي (غير المحبب): "لا تقتربْ من النارِ تحترقُ". (تحترق: هنا الفعل مرفوع وليس مجزومًا، لأن الاحتراق أمر مكروه، ولا يصح اعتباره جزاءً إيجابياً للنهي عن الاقتراب).
كيف تفرق بين "اللامات" المتصلة بالفعل المضارع؟
هذا أحد أكثر الأسئلة شيوعاً. تتصل بالفعل المضارع أنواع مختلفة من اللامات، ولكل منها تأثير إعرابي مختلف جذرياً، إليك كيفية التمييز بينها باحتراف:
- لام التعليل: هي أداة نصب. تبين سبب ما قبلها وتأتي بمعنى "كي". (أجتهدُ لـِأنجحَ). الفعل بعدها منصوب.
- لام الأمر: هي أداة جزم. تحمل معنى الطلب وتُحوّل المضارع إلى أمر. (لـِتذاكرْ دروسك بجد). الفعل بعدها مجزوم.
- لام الجحود: هي أداة نصب (تنصب بأن المضمرة). وعلامتها الفارقة والوحيدة أنها لا بد أن تُسبق بـ "كان" المنفية لتوكيد النفي (ما كان، لم يكن). (وما كان المؤمنُ لـِيخونَ العهد). الفعل بعدها منصوب.
- اللام المزحلقة (لام التوكيد): لا تؤثر على الإعراب. تدخل غالباً على خبر "إنّ" لتوكيده. (إنّ اللهَ لـَيغفرُ الذنوب). الفعل بعدها يبقى مرفوعاً بثبات.
تأثير العطف ودخول (السين وسوف) على الفعل المضارع
العطف: من قواعد التوابع في علم النحو أن الفعل المضارع المعطوف على فعل مضارع آخر (بواسطة حروف العطف كالواو أو الفاء أو ثم) يتبعه في حالته الإعرابية. فإن كان الأول مرفوعاً رُفع الثاني، وإن كان منصوباً نُصب، وإن كان مجزوماً جُزم.
مثال: لن ندرسَ ونُهملَ واجباتنا. (نهملَ: فعل مضارع معطوف على ندرس منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة).
السين وسوف وقد: هذه الحروف تُسمى في النحو حروف استقبال (السين وسوف) أو تحقيق (قد). دخولها على الفعل المضارع يختص بالزمن والدلالة المعنوية، وهي لا تؤثر إطلاقًا على حالته الإعرابية. فالفعل المضارع بعدها يظل مرفوعًا إلا إذا سبقتها أدوات نصب أو جزم (وهو نادر الحدوث).
مثال: سوف يعودُ الحق لأصحابه. (يعودُ: فعل مضارع مرفوع).
جدول علامات اعراب الفعل المضارع الشامل (للمراجعة السريعة)
جمعنا لك كافة القواعد التي استعرضناها في هذا الجدول المبسط ليكون مرجعًا سريعًا وحاسمًا لتحديد علامات الإعراب:
| الحالة الإعرابية | الفعل صحيح الآخر | الفعل المعتل (بالألف) | الفعل المعتل (بالواو أو الياء) | الأفعال الخمسة |
|---|---|---|---|---|
| الرفع (مرفوع) | الضمة الظاهرة | الضمة المقدرة (للتعذر) | الضمة المقدرة (للثقل) | ثبوت النون |
| النصب (منصوب) | الفتحة الظاهرة | الفتحة المقدرة (للتعذر) | الفتحة الظاهرة (تظهر لخفتها) | حذف النون |
| الجزم (مجزوم) | السكون | حذف حرف العلة | حذف حرف العلة | حذف النون |
خطوات سحرية لإعراب الفعل المضارع بامتياز
لكي تصل إلى مستوى الخبراء ولا تخطئ أبدًا في إعراب الفعل المضارع، اتبع هذه المنهجية المكونة من 4 خطوات متعاقبة ومترابطة:
- الخطوة الأولى (الفحص القبلي للعوامل): انظر إلى ما قبل الفعل مباشرة. هل تسبقه أداة نصب؟ هل تسبقه أداة جزم أو شرط؟ هل وقع في جواب طلب؟ إذا لم تجد شيئًا من هذا، فالفعل مرفوع حتمًا.
- الخطوة الثانية (فحص الضمائر المتصلة - نون النسوة/التوكيد): هل انتهى الفعل بنون النسوة (مبني على السكون) أو نون التوكيد (مبني على الفتح)؟ إن كان كذلك توقف هنا، فالفعل مبني ولا حاجة للبحث عن علامات الإعراب المعيارية.
- الخطوة الثالثة (التمييز بين الصحيح والمعتل والأفعال الخمسة): هل انتهى الفعل بـ (ون، ان، ين) كـ (يكتبون، تكتبان، تكتبين)؟ إذن هو من الأفعال الخمسة وعلاماته بالحذف والثبوت للنون. وإذا لم يكن، فهل الحرف الأخير أصلي صحيح أم حرف علة (ا، و، ي)؟ هذا يحدد ما إذا كانت الحركات ظاهرة أم مقدرة أم أن العلامة هي حذف حرف العلة.
- الخطوة الرابعة (الصياغة النحوية السليمة): اربط الموقع بالحالة بالعلامة. ابدأ الصياغة بـ "فعل مضارع"، أضف حالته "مرفوع/منصوب/مجزوم"، ثم اذكر "وعلامة..." متبوعة بالسبب الدقيق إذا كانت العلامة فرعية مثل "لأنه من الأفعال الخمسة" أو "لأنه معتل الآخر".
أخطاء كارثية يقع فيها الطلاب عند الإعراب (وكيفية تجنبها)
من خلال تتبع الأنماط الشائعة للمتعلمين في ميدان النحو، رصدنا مطبات نحوية خطيرة يجب الحذر منها:
- الخلط الشائع بين "لا الناهية" و"لا النافية": هذا الخطأ يتصدر القائمة بلا منازع. "لا الناهية" تحمل معنى الطلب الحازم والكف وتلزم المخاطب، وهي أداة جزم (لا تكذبْ). بينما "لا النافية" هي مجرد أداة إخبار تنفي الحدث دون طلب كفّ، وهي لا تؤثر إطلاقاً على إعراب الفعل المضارع، فيبقى الفعل بعدها مرفوعًا كما هو. (المؤمن لا يكذبُ).
- حذف حرف العلة الوسطي والاعتقاد بأنه علامة الجزم: عند جزم فعل أجوف (معتل الوسط) مثل "يقول" أو "يبيع" أو "ينال"، نجد من يُعربه: (مجزوم بحذف حرف العلة). هذا خطأ جسيم. الصحيح أن الفعل يُجزم بالسكون لأنه منتهي بحرف صحيح (يقولْ)، ولكن تطبيقاً لقاعدة صرفية صارمة تمنع التقاء الساكنين (حرف العلة الساكن في الوسط والحرف الأخير الذي سُكِّن بسبب الجزم)، نضطر لحذف الحرف الأوسط فتصبح (لَمْ يقلْ). الإعراب الدقيق: فعل مضارع مجزوم بـ لم وعلامة جزمه السكون الظاهر، وحُذف حرف العلة الوسطي منعًا لالتقاء الساكنين.
- تقدير الفتحة على الواو والياء في حالة النصب: يعتقد الكثيرون أن النصب على الفعل المعتل دائمًا يكون بحركة مقدرة. ولقد بيّنا سابقًا أن الفتحة تتميز بخفتها المتناهية، ولذلك تظهر بكل وضوح وتُنطق بسلاسة على الواو والياء (لن أدعوَ، لن أرميَ). الحركة تُقدر في النصب على الألف فقط للتعذر.
نماذج إعرابية تطبيقية من القرآن الكريم والشعر
التطبيق العملي العميق هو المحك الحقيقي لترسيخ قواعد علامات اعراب الفعل المضارع في الذهن. لنتأمل هذه النماذج الخالدة:
النموذج الأول (الجزم بحذف حرف العلة): قال تعالى: "وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا"
- لا: حرف نهي وجزم مبني على السكون لا محل له من الإعراب.
- تَمْشِ: فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء) من آخره، والكسرة الظاهرة تحت حرف الشين دليل على الياء المحذوفة. والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره (أنت).
النموذج الثاني (الأفعال الخمسة بين النصب والرفع): قال تعالى: "لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ"
- تَنَالُوا: فعل مضارع منصوب بـ (لن)، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة. وواو الجماعة ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، والألف الفارقة حرف لا محل له من الإعراب.
- تُنفِقُوا: فعل مضارع منصوب بـ (أن) المضمرة وجوباً بعد (حتى)، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة فاعل.
- تُحِبُّونَ: فعل مضارع مرفوع لتجرده من النواصب والجوازم، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
النموذج الثالث (واو المعية والنصب الظاهر): قول الشاعر أبو الأسود الدؤلي:
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
- تَنْهَ: فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الألف)، والفتحة على الهاء دليل على الألف المحذوفة.
- تَأْتِيَ: فعل مضارع منصوب بـ (أن) المضمرة وجوباً بعد (واو المعية)، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره (لأنه معتل الآخر بالياء، والفتحة تظهر لخفتها).
