يبحث الكثيرون عن القاعدة القاطعة في إعراب الفعل المضارع المنصوب، والجواب المباشر يكمن في مراقبة الكلمة التي تسبق الفعل. الأصل في المضارع أن يكون مرفوعاً، لكنه ينتقل إلى حالة "النصب" فور دخول إحدى أدوات النصب عليه، سواء كانت هذه الأداة مكتوبة وظاهرة، أو مقدرة (مضمرة) تحتمها القواعد النحوية.
![]() |
| إعراب الفعل المضارع المنصوب: قواعد، أدوات، ونماذج عملية |
إتقان هذا الباب لا يتطلب حفظاً أعمى، بل يعتمد على فهم دلالة الأداة وتحديد نوع الحرف الأخير من الفعل. في هذا المرجع الشامل والخالي من الحشو، نضع بين يديك الخلاصة النحوية الدقيقة لتتمكن من الإعراب باحترافية.
علامات نصب الفعل المضارع (الأصلية والفرعية)
تتغير علامة النصب الإعرابية بناءً على البنية الصرفية للفعل المضارع (صحيح، معتل، أو من الأفعال الخمسة). وتنقسم العلامات إلى ثلاثة أقسام دقيقة:
1. الفتحة الظاهرة (العلامة الأصلية)
يُنصب المضارع بالفتحة الظاهرة وتُكتب بوضوح على الحرف الأخير في حالتين أساسيتين:
- الفعل صحيح الآخر: أي ليس في آخره حرف علة. مثال: لن يُهملَ الطالبُ واجبه. (يُهملَ: فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة).
- الفعل المعتل بالواو أو الياء: على عكس حالة الرفع، تظهر الفتحة هنا لخفتها وسهولة نطقها. مثال معتل الواو: يجب أن تسموَ بأخلاقك. مثال معتل الياء: جاء القاضي كي يقضيَ بالحق.
2. الفتحة المقدرة (للتعذر)
تُقدر الفتحة ولا تظهر نطقاً أو كتابة في حالة واحدة فقط؛ إذا كان الفعل معتل الآخر بالألف، وذلك لاستحالة تحريك الألف (التعذر).
- مثال: لن يسعى العاقلُ في الفساد.
- الإعراب: يسعى: فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
3. حذف النون (العلامة الفرعية)
ينوب حذف النون عن الفتحة إذا كان الفعل من الأفعال الخمسة (كل مضارع اتصلت به ألف الاثنين، واو الجماعة، أو ياء المخاطبة).
- مثال: اجتهدوا كي تنجحوا.
- الإعراب: تنجحوا: فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، و(واو الجماعة) ضمير مبني في محل رفع فاعل.
أدوات النصب المباشرة (التي تنصب بنفسها)
توجد أربعة أحرف في النحو العربي تنصب الفعل المضارع مباشرة دون وساطة أو إضمار، وهي:
أولاً: أنْ (المصدرية الناصبة)
حرف مصدري ونصب واستقبال، تدمج مع الفعل لتكوين "مصدر مؤول" له محل من الإعراب. مثال: يسعدني أنْ تتفوقَ. (المصدر المؤول "تفوقك" في محل رفع فاعل للفعل يسعدني).
ثانياً: لن (النافية للمستقبل)
حرف نفي ونصب واستقبال، ينفي حدوث الفعل في المستقبل نفياً قاطعاً. مثال: لن ينالَ الكسولُ الجائزةَ.
ثالثاً: كي (التعليلية)
حرف مصدري ونصب يفيد التعليل (بيان السبب). مثال: تدربْ بجدٍ كي تفوزَ بالبطولة.
رابعاً: إذن (حرف جواب وجزاء)
تنصب المضارع بشروط صارمة: أن تتصدر جملة الجواب، وأن يدل الفعل بعدها على المستقبل، وألا يُفصل بينها وبين الفعل. مثال: (يقول أحدهم: سأزورك، فترد:) إذنْ أكرمَكَ.
إعراب الفعل المضارع المنصوب بـ "أنْ" المضمرة
القسم الأكثر تعقيداً في الإعراب هو عندما تُنصب الأفعال بأدوات ظاهرية، بينما الناصب الحقيقي هو حرف (أنْ) المخفي (المضمر) بعدها. وينقسم هذا الإضمار إلى نوعين:
1. إضمار "أن" جوازاً (بعد لام التعليل)
يجوز إخفاء "أن" أو إظهارها بعد لام التعليل التي تبين سبب ما قبلها. مثال: أقرأُ لـ أتعلمَ. (أتعلمَ: فعل مضارع منصوب بـ أن مضمرة جوازاً بعد لام التعليل، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة). وإذا جاءت بعدها (لا) النافية وجب الإظهار مثل: (لئلا يعلمَ).
2. إضمار "أن" وجوباً (في 5 مواضع قاطعة)
تُضمر "أن" ويُمنع ظهورها نهائياً في الحالات التالية:
- بعد لام الجحود: وتفيد شدة النفي والإنكار، وشرطها الوحيد أن تُسبق بـ "كون منفي" (ما كان، لم يكن). مثال: ما كان الله لـ يظلمَ أحداً. (يظلمَ: مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد لام الجحود).
- بعد حتى: تفيد الغاية أو التعليل، ويُشترط أن يدل الفعل بعدها على المستقبل. مثال: سأنتظرُ حتى تشرقَ الشمسُ.
- بعد فاء السببية: تفيد أن ما قبلها سبب لما بعدها، وتُسبق بنفي أو طلب (أمر، نهي، استفهام). مثال: لا تتكاسلوا فـ تفشلوا. (تفشلوا: منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد فاء السببية وعلامة نصبه حذف النون).
- بعد واو المعية: تفيد المصاحبة وتُسبق بنفي أو طلب مثل فاء السببية. مثال: لا تنهَ عن خلقٍ و تأتيَ مثله.
- بعد أو: التي تأتي بمعنى (إلى أن) أو (إلا أن). مثال: لأدرسنَّ أو أنجحَ.
نماذج إعرابية تطبيقية لا غنى عنها
لتثبيت القاعدة، نستعرض إعراباً نموذجياً لجمل تكرر كثيراً في النصوص والاختبارات:
النموذج الأول: لم يكونوا ليتراجعوا عن قرارهم.
- لم: حرف نفي وجزم وقلب مبني على السكون.
- يكونوا: فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون، و(واو الجماعة) في محل رفع اسم يكون (هذا هو الكون المنفي).
- ليتراجعوا: اللام حرف جر (لام الجحود). يتراجعوا: فعل مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة وجوباً بعد لام الجحود وعلامة نصبه حذف النون. و(واو الجماعة) فاعل. والمصدر المؤول في محل جر باللام.
النموذج الثاني: هل تدرسُ فترتقيَ؟
- هل: حرف استفهام (طلب).
- تدرسُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
- فترتقيَ: الفاء فاء السببية. ترتقيَ: فعل مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة وجوباً بعد فاء السببية، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على الياء (لخفتها).
الفروق الجوهرية لتجنب أخطاء الإعراب الشائعة
لضمان صحة الإعراب دائماً، يجب التفريق بين الحروف المتشابهة شكلاً والمختلفة عملاً:
- لام التعليل و لام الأمر: لام التعليل تنصب المضارع (أجتهدُ لأنجحَ). بينما لام الأمر تجزم المضارع وتدل على الطلب المباشر (لِتكتبْ درسك).
- فاء السببية و فاء العطف: فاء السببية تُسبق بنفي أو طلب وتنصب الفعل. أما فاء العطف فلا تؤثر إعرابياً بشكل مستقل، بل تعطف الفعل على ما قبله فيأخذ حالته الإعرابية (قرأَ الطالبُ ففهمَ الدرس).
- الفتحة على المعتل: تذكر دائماً أن الفتحة لا تُقدر إلا على "الألف". أما الأفعال المنتهية بـ "واو" أو "ياء" فتُنصب بفتحة ظاهرة صريحة (لن أرجوَ، كي أمشيَ).
إن إتقان إعراب الفعل المضارع المنصوب يعتمد بالدرجة الأولى على فهم السياق والمعنى الدقيق للجملة. بتحديد الأداة الناصبة (ظاهرة كانت أو مضمرة)، ومعرفة نوع الحرف الأخير من الفعل، ستمتلك المفتاح النحوي لإعراب أي نص عربي بثقة ودقة متناهية.
