في عالم الأدب واللغة، لا تقتصر البراعة على إيصال الفكرة أو المعنى فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى "هندسة العبارة" وصياغتها في قالبٍ موسيقي يأسر الأذن قبل أن يخاطب العقل. إن لغتنا العربية، بثرائها الصوتي وجرسها الرنان، تمتلك أدوات فريدة تمنح المتكلم القدرة على تحويل النص النثري أو الشعري إلى معزوفة لغوية متناغمة. هذا الجانب الجمالي هو ما يُعنى به علم البديع، وتحديداً في قسمه الخاص بـ المحسنات البديعية اللفظية.
![]() |
| المحسنات اللفظية | شرح السجع والجناس في علم البديع |
اليوم، وبصفتي مرشداً لكم في هذه الرحلة التعليمية، سنقوم بتشريح هذا الفن بدقة متناهية، بعيداً عن السطحية، لنفهم كيف يستخدم البلغاء "السجع" و"الجناس" ليس مجرد زينة، بل كأدوات نفسية وتأثيرية عميقة. سنعتمد في شرحنا على القواعد الدقيقة التي أصلها علماء البلاغة، مع تحليل الشواهد تحليلاً يوضح الأسرار الكامنة خلف اختيار كل لفظة.
المحسنات اللفظية: فلسفة الصوت في البلاغة
قبل أن نلج إلى التفاصيل، يجب أن نؤسس لقاعدة مهمة: المحسنات البديعية تنقسم إلى قسمين: محسنات معنوية (كالطباق والمقابلة) تهتم بتجميل المعنى وتقويته، ومحسنات لفظية تهتم بتحسين اللفظ وجرسه الموسيقي. المحسنات اللفظية، التي هي موضوعنا، تعتمد في جوهرها على "التماثل" أو "التشابه" الصوتي. النفس البشرية مجبولة على حب التناغم؛ فالإيقاع يشد الانتباه، ويسهل الحفظ، ويترك أثراً ساراً في النفس. ومن أبرز هذه المحسنات اللفظية التي سنفصلها اليوم: السجع، والجناس.
أولاً: السجع (فن التقفية في النثر)
السجع هو أحد أعمدة الموسيقى في النثر العربي القديم، وقد عرفته العرب واستخدمته في خطبها وحكمها وأمثالها. تعريفه الدقيق في علم البديع هو: توافق الفاصلتين في الحرف الأخير من النثر. والمقصود بالفاصلة هنا الكلمة الأخيرة في الجملة أو الفقرة، فهي تشبه "القافية" في الشعر. عندما تنتهي الجمل المتتابعة بنفس الحرف، يتولد إيقاع موسيقي يطرب الأذن.
ولكن، هل السجع درجة واحدة؟ الجواب لا. لقد قسم البلاغيون السجع إلى ثلاثة أقسام رئيسية بناءً على مدى التوافق في "الوزن" و"التقفية" (الحرف الأخير):
1. السجع المُطَرَّف
هذا النوع هو أبسط أشكال السجع. وفيه تختلف الفاصلتان (الكلمتان الأخيرتان) في الوزن العروضي (عدد الحروف والحركات)، ولكنهما تتفقان في الحرف الأخير (الروي). سُمي "مطرفاً" لأن التوافق جاء في "طرف" الكلمة فقط.
مثال تحليلي: قال تعالى: ﴿مَّا لَكُم لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾.
لنتأمل الكلمتين: (وَقَاراً) و (أَطْوَاراً).
- الوزن: كلمة "وَقَاراً" على وزن "فَعَالاً"، بينما "أَطْوَاراً" على وزن "أَفْعَالاً". الوزن مختلف.
- القافية: كلاهما انتهى بحرف الراء والألف. الاتفاق موجود.
إذن، اختلاف الوزن مع اتفاق الحرف الأخير يجعل هذا السجع "سجعاً مطرفاً".
2. السجع المُرَصَّع
هذا هو أرقى أنواع السجع وأكثرها زخرفة، ولذلك اشتق اسمه من "الترصيع" أي التزيين بالجواهر. في هذا النوع، لا يقتصر التوافق على الكلمة الأخيرة فقط، بل تجد أن معظم ألفاظ الفقرة الأولى مساوية لألفاظ الفقرة الثانية في الوزن والتقفية، وكأن كل كلمة هي مرآة لأختها.
مثال تحليلي: "إنَّ بعد الكدر صفواً، وبعد المطر صحواً".
قارن بين الجملتين:
- (بعد) تقابل (بعد).
- (الكدر) تقابل (المطر) في الوزن والقافية.
- (صفواً) تقابل (صحواً) في الوزن والقافية.
هذا التناظر التام في أجزاء الجملة يسمى "ترصيعاً"، وهو دليل على قدرة لغوية فائقة.
3. السجع المتوازي
هو النوع الأكثر شيوعاً واستخداماً. وفيه تتفق الكلمتان الأخيرتان في الوزن وفي الحرف الأخير (الروي)، دون أن يُشترط توافق باقي كلمات الجملة.
مثال تحليلي: قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
لنتأمل الفاصلتين: (مَرْفُوعَة) و (مَوْضُوعَة).
- الوزن: كلاهما على وزن "مَفْعُولَة".
- القافية: كلاهما انتهى بالعين والتاء المربوطة.
هنا اتفق الوزن والروي في الكلمة الأخيرة فقط، ولم تتشابه الكلمات السابقة (سرر / أكواب)، لذا نسميه "سجعاً متوازياً".
ثانياً: الجناس (لعبة الألفاظ والمعاني)
ننتقل الآن إلى الفن الذي يداعب العقل ويحرك الذهن: الجناس. الجناس ليس مجرد تشابه صوتي، بل هو مفارقة لغوية تعتمد على المفاجأة. تعريفه: أن يتشابه اللفظان في النطق، ويختلفا في المعنى.
تخيل أنك تسمع كلمة تتكرر مرتين، فتظن لأول وهلة أنه تكرار عادي، لكن سياق الكلام يكشف لك أن الكلمة الثانية تحمل معنى مغايراً تماماً للأولى. هذه اللحظة من "الاكتشاف" هي ما تمنح الجناس قيمته البلاغية. وينقسم الجناس إلى نوعين رئيسين:
1. الجناس التام
هو "التطابق الكامل". لكي نحكم على الجناس بأنه تام، يجب أن تتفق الكلمتان في أربعة أمور لا ينقص منها شيء:
- نوع الحروف.
- عدد الحروف.
- هيئات الحروف (الحركات والسكنات: فتحة، ضمة، كسرة).
- ترتيب الحروف.
إذا تحقق هذا التطابق الرباعي مع اختلاف المعنى، فنحن أمام جناس تام.
المثال القرآني البليغ:
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾.
- الساعة (الأولى): تشير إلى "يوم القيامة".
- ساعة (الثانية): تشير إلى "المدة الزمنية القصيرة" من وقت الدنيا.
اللفظ واحد تماماً في النطق والرسم والحركات، لكن المعنى اختلف جذرياً بين الزمان المطلق (القيامة) والزمان المحدود (الوقت). هذا هو الجناس التام في أبهى صوره.
2. الجناس الناقص (غير التام)
إذا اختل شرط واحد من الشروط الأربعة السابقة، يتحول الجناس من تام إلى ناقص. وهذا النقصان يعطينا صوراً متعددة وممتعة من التلاعب اللفظي:
- الاختلاف في هيئة الحروف (الحركات):
تأمل قول الشاعر: "يا للغروب وما به من عَبْرَةٍ للمستهام وعِبْرَةٍ للرائي".
الفرق هنا دقيق جداً: (عَبْرَة) بفتح العين تعني "الدمعة"، و(عِبْرَة) بكسر العين تعني "العظة والدرس". تغيرت حركة واحدة فتغير المعنى، وهذا جناس ناقص. - الاختلاف في نوع الحروف:
مثل قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾.
بين كلمتي (الساق) و(المساق). هنا زادت كلمة "المساق" بحرف الميم في أولها، فاختلف عدد الحروف، مما جعله جناساً ناقصاً. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾، الاختلاف هنا في نوع الحرف المتوسط (الهاء في ينهون، والهمزة في ينأون). - الاختلاف في ترتيب الحروف (جناس القلب):
وهو من أذكى أنواع الجناس، حيث يستخدم الشاعر نفس الحروف لكنه يعيد ترتيبها ليعطي معنى جديداً.
مثال شعري: "حسامك فيه للأحباب فتْح ... ورمحك فيه للأعداء حتْف".
تأمل كلمتي (فتح) و(حتف). هما مكونتان من نفس الحروف (ف، ت، ح) ولكن ترتيبها اختلف. الفتح هو النصر، والحتف هو الهلاك والموت. هذا التلاعب بالترتيب يسمى "جناس القلب". - مثال آخر لجناس القلب: "بيض الصحائف لا سود الصفائح".
(الصحائف) جمع صحيفة (كتب)، و(الصفائح) جمع صفيحة (السيوف). تغيير ترتيب الحروف بين الكلمتين خلق مقابلة رائعة بين "الكتب" و"السيوف".
القيمة البلاغية: لماذا نستخدم المحسنات اللفظية؟
قد يتساءل الطالب النجيب: "لماذا يتعب الأديب نفسه في البحث عن هذه الكلمات المتشابهة؟ ألا يكفي المعنى؟". الإجابة تكمن في أن الأدب "متعة" و"منفعة". المحسنات اللفظية تحقق وظائف حيوية في النص:
- الإيقاع الموسيقي: السجع والجناس يوجدان نغمة موسيقية تطرب لها الأذن، مما يجعل النفس أكثر استعداداً لتقبل المعنى. فالكلام الجميل في صياغته أقرب إلى القلب.
- إثارة الذهن: الجناس، بصفة خاصة، يعمل كـ "منبه" للعقل. عندما يسمع المتلقي لفظين متشابهين، يبادر ذهنه فوراً للبحث عن الفرق في المعنى بينهما، وهذا الجهد العقلي البسيط يرسخ المعنى في الذاكرة ويزيد من التلذذ بالنص.
- التأكيد والرسوخ: العبارات المسجوعة أو التي تحتوي على جناس سهلة الحفظ والتذكر. لهذا نجد أن معظم الأمثال العربية والحكم الخالدة صيغت في قوالب مسجوعة لضمان بقائها وتداولها عبر الأجيال.
خاتمة تربوية
في الختام، يجب أن ندرك أن المحسنات البديعية اللفظية هي "ملح الطعام" في وليمة الأدب. القليل منها يُصلح الكلام ويزينه، والإكثار المتكلف منها يفسده ويجعله ثقيلاً ممجوجاً. البلاغة الحقيقية هي التي تأتي عفواً، تخدم المعنى ولا تطغى عليه. أتمنى أن تكونوا الآن قد امتلكتم المفاتيح لتذوق هذا الجمال الصوتي في لغتنا العربية، وأن تكونوا قادرين على تمييز السجع من الجناس، وفهم أنواع كل منهما بعمق ووعي.
