شرح السجع في البلاغة | المعنى والجمال بالأمثلة
تعتبر الفنون البلاغية في اللغة العربية مظهراً من مظاهر عبقرية هذه اللغة وقدرتها الفائقة على التصوير والتأثير. ومن بين هذه الفنون التي تضفي على الكلام جرساً موسيقياً وإيقاعاً يطرب الأذن، يبرز فن السجع كواحد من أهم المحسنات اللفظية التي عرفها العرب منذ القدم. إنه الفن الذي يحول النثر العادي إلى سيمفونية لغوية، حيث تتوافق فواصل الجمل على حرف واحد، مما يخلق توازناً صوتياً يشد انتباه السامع ويرسخ المعنى في ذهنه.
![]() |
| شرح السجع في البلاغة | المعنى والجمال بالأمثلة |
إذا كنت تبحث عن فهم عميق لهذا الفن البديع، وتود استكشاف تاريخه، وشروطه، وكيف تطور من سجية فطرية إلى صناعة فنية دقيقة، فإن هذا المقال سيأخذك في جولة مفصلة داخل عالم السجع، مستنداً إلى آراء البلاغيين والنقاد كما وردت في مصادر البلاغة العربية الأصيلة.
ماهية السجع - المفهوم والتعريف
يُعرف السجع في الاصطلاح البلاغي بأنه توافق الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد. والمقصود بالفواصل هنا هو الكلمات الأخيرة في الجمل أو الفقرات، التي تشبه القوافي في الشعر. وهذا التوافق الصوتي يمنح الكلام نغماً موسيقياً خاصاً، يجعله أقرب إلى الشعر في إيقاعه، ولكنه يظل نثراً في تحرره من الوزن العروضي. وقد وصفه البلاغيون بأنه "حلية قديمة" أولع بها الكُتّاب والخطباء، واعتبروه من مميزات البلاغة الفطرية في اللغة العربية، حيث تجري الألفاظ بتلقائية لتلتقي عند نهايات متماثلة.
والسجع لا يقتصر دوره على الزخرفة الصوتية فحسب، بل يتعداه ليكون وسيلة لتقوية المعنى وتأكيده. فعندما تتوازى الجمل وتتخالف في المعنى مع اتفاقها في الجرس، يحدث ذلك أثراً نفسياً عميقاً لدى المتلقي، يجمع بين متعة الإيقاع ووضوح الفكرة.
الجذور التاريخية - من سجع الكهان إلى فصاحة الخطباء
تشير الدراسات البلاغية إلى أن السجع فن عريق ضارب في القدم، وقد عرفته العرب في جاهليتها. كان السجع في تلك الحقبة ينقسم إلى تيارين رئيسيين:
- سجع الكهان: وهو النمط الذي ارتبط بطقوس الكهانة والتنبؤ، وكان يتسم غالباً بالغموض، وقصر الجمل، والتكلف الشديد في رصف الألفاظ الغريبة لتوافق القافية، مما جعله موضع نقد وريبة، لأنه كان يضحي بالمعنى والوضوح في سبيل الشكل والإبهام.
- سجع الخطباء والحكماء: وهو النمط البليغ الذي كان يجري على ألسنة فصحاء العرب في خطبهم وأمثالهم ومحاوراتهم اليومية. تميز هذا النوع بالعفوية والصدق، حيث كانت الفواصل تأتي طواعية لخدمة المعنى دون تكلف. ومثال ذلك المثل العربي القديم: "كياك صباحك مساك"، الذي يعكس كيف كان السجع جزءاً من النسيج الطبيعي للغة اليومية.
السجع في المنظور الإسلامي - بين القرآن والحديث
مع بزوغ فجر الإسلام، ونزول القرآن الكريم، واجه البلاغيون قضية دقيقة تتعلق بتسمية التوافق الصوتي في فواصل الآيات القرآنية. فبينما يتميز القرآن بأعلى درجات التناغم الصوتي والإيقاعي في خواتيم آياته، تحاشى كثير من العلماء إطلاق لفظ "السجع" على القرآن الكريم، وفضلوا استخدام مصطلح الفواصل. ويعود سبب ذلك إلى رغبتهم في تنزيه النص القرآني المقدس عن مشابهة "سجع الكهان" الذي كان معروفاً في الجاهلية والمذموم بسبب تكلفه وارتباطه بالكهانة.
وعلى الرغم من هذا التحرز في التسمية، إلا أن القرآن الكريم يمثل الذروة في استخدام التوافق الصوتي لخدمة المعنى، حيث تأتي الفواصل لتعطي الآيات وقعاً مؤثراً في النفوس، يختلف تماماً عن السجع البشري المصنوع. أما في الحديث النبوي الشريف، فقد وردت نماذج من الكلام المسجوع الذي يتميز بالفصاحة العالية والبساطة، بعيداً عن التعقيد، مما يؤكد أن السجع المحمود هو ما جاء عفواً وكان اللفظ فيه تابعاً للمعنى.
عصور الازدهار - السجع في النثر الفني
تطور فن السجع بشكل ملحوظ مع تطور النثر العربي في العصور الإسلامية اللاحقة، وخاصة في العصر العباسي وما تلاه. لم يعد السجع مقصوراً على الخطب القصيرة، بل أصبح ركيزة أساسية في فن الترسل (كتابة الرسائل الديوانية والأخوانية) والمقامات.
1. الرسائل الديوانية والأخوانية
أصبح الكُتّاب في دواوين الخلفاء والوزراء يتنافسون في تنميق رسائلهم بالسجع، معتبرين إياه دليلاً على المقدرة اللغوية والتمكن من ناصية البيان. ومن أبرز من لمع نجمهم في هذا المضمار القاضي الفاضل، الذي اشتهر برسائله التي تفيض بالمحسنات البديعية، حيث كان يطوع الألفاظ لتخلق نسيجاً متناغماً يخدم الأغراض السياسية والاجتماعية للرسالة.
2. فن المقامات
لعل أبرز تجليات السجع في الأدب العربي ظهرت في "المقامات"، وهو فن قصصي يعتمد اعتماداً كلياً على السجع. وقد برع في هذا المجال بديع الزمان الهمذاني ومن بعده الحريري. في المقامات، أصبح السجع هو البطل الحقيقي، حيث تدور الأحداث والحوارات في قوالب مسجوعة تظهر براعة الكاتب في حفظ مفردات اللغة وغريبها. وعلى الرغم من جمالية هذا الفن، إلا أنه في بعض الأحيان أدى إلى الإغراق في الشكل على حساب المضمون، حيث كان الكاتب قد يضطر لاستخدام ألفاظ بعيدة أو غريبة فقط لتحقيق القافية المطلوبة.
معايير السجع الجيد - نقد وتوجيه
لم يترك النقاد والبلاغيون السجع دون وضع ضوابط ومعايير تميز جيده من رديئه. وقد تصدى لهذا الأمر عدد من كبار النقاد مثل الجاحظ وابن الأثير، الذين وضعوا أسساً دقيقة لتقييم هذا الفن:
- الطبع مقابل التكلف: المعيار الأول والأهم هو العفوية. السجع المحمود هو الذي يأتي عفواً دون مشقة، حيث يقود المعنى الكاتب إلى اللفظ المناسب. أما إذا كان الكاتب يتعسف في جلب الألفاظ ويوي عنق المعنى ليوافق السجع، فإن ذلك يُعد من "السجع البارد" أو الممقوت.
- التبعية للمعنى: يجب أن يكون اللفظ خادماً للمعنى وليس العكس. في السجع الراقي، لا يشعر القارئ أن الكلمة الأخيرة قد وضعت فقط لأجل القافية، بل يشعر أنها الكلمة الوحيدة التي يمكن أن تؤدي المعنى بدقة في ذلك السياق.
- التوازن الموسيقي: يفضل في السجع أن تكون الفقرات (القرائن) متوازنة في الطول، فلا تكون إحدى الجمل طويلة جداً والأخرى قصيرة جداً بشكل يخل بالإيقاع، إلا إذا كان هناك غرض بلاغي يقتضي ذلك.
السجع والموسيقى اللغوية
يمكن النظر إلى السجع على أنه الموازي النثري للقافية في الشعر. فهو يحقق للنثر ما تحققه القافية للقصيدة من وحدة نغمية. هذا "النغم الموسيقي المتماثل" يلعب دوراً حيوياً في عملية التلقي؛ فهو يطرد الملل عن السامع، ويجعل الكلام أسهل حفظاً واستدعاءً. ولهذا السبب، كثر استخدام السجع في الحكم والأمثال والوصايا، لأن العرب أرادوا لهذه الحكم أن تسير على الألسنة وتنتقل عبر الأجيال، فكان السجع هو الوسيلة المثلى لضمان خلود هذه العبارات.
وفي الدراسات النقدية المتأخرة، تم ربط السجع بمفهوم "الموازنة"، وهي أن تتساوى الفواصل في الوزن دون التزام التقفية، ولكن السجع يضيف إلى الوزن اتفاق الحرف الأخير، مما يجعله أشد وقعاً وأكثر طرباً.
إن السجع، بما يمتلكه من تاريخ طويل وحضور طاغٍ في التراث العربي، يظل شاهداً على العناية الفائقة التي أولاها العرب لجماليات الكلمة. إنه ليس مجرد زينة لفظية زائدة، بل هو فن يعكس فلسفة الجمال في اللغة العربية، التي ترى أن جمال الشكل لا ينفصل عن جودة المضمون. ومن خلال تتبع مسيرة السجع من سجع الكهان الغامض، مروراً بفصاحة القرآن المعجزة، وصولاً إلى البراعة الفنية في رسائل الكتاب ومقامات الأدباء، ندرك أن هذا الفن سيظل جزءاً أصيلاً من الهوية البلاغية العربية، يطرب الآذان ويحرك العقول، بشرط أن يظل كما أراده البلغاء الأوائل: حراً، عفوياً، وخادماً أميناً للمعنى.

تعليقات
إرسال تعليق