في عالم البلاغة العربية، حيث تُوزن الكلمات بميزان الذهب، يبرز مصطلح المساواة كمعيار دقيق يضبط العلاقة بين اللفظ والمعنى. إن كان الإيجاز هو تكثيف المعاني في أقل الألفاظ، والإطناب هو بسطها لغرض بلاغي، فإن المساواة هي "الأصل" الذي يقف شامخاً بين الطرفين. إنها الفن الذي يجعل الألفاظ قوالب دقيقة للمعاني، لا تفيض عنها ولا تنقص، وهو المبحث الذي سنغوص في تفاصيله الدقيقة، ونكشف عن أسراره الجمالية، وأنواعه، وشواهده من القرآن الكريم وكلام العرب، لنفهم كيف يكون الكلام "على قدر" المعنى تماماً.
![]() |
| المساواة في البلاغة | شرح مبسط مع أمثلة قوية |
مفهوم المساواة - عندما يكون اللفظ مرآة للمعنى
تُعرف المساواة في علم المعاني بأنها تأدية المعنى المراد بعبارة مساوية له تماماً، بحيث تكون الألفاظ على قدر المعاني، والمعاني على قدر الألفاظ. في هذا الأسلوب، لا نجد زيادة في الكلام يمكن الاستغناء عنها (وهو ما يُعرف بالحشو أو التطويل)، ولا نجد حذفاً يخل بالمعنى أو يوجزه إيجازاً بلاغياً مقصوداً.
ويمكن تشبيه هذا الأسلوب بأن تكون الألفاظ "قوالب" للمعاني؛ فكما يملأ السائل القالب بدقة دون أن يفيض أو ينقص، كذلك تملأ معاني المتكلم ألفاظه. وهذا هو الأصل في التخاطب والتعامل اللغوي، حيث يسعى المتكلم لإيصال فكرته بوضوح تام دون اللجوء إلى تقنيات الحذف (الإيجاز) أو الزيادة (الإطناب) إلا لغرض محدد.
المساواة بين الإيجاز والإطناب - منزلة الوسط
يحتل أسلوب المساواة مكانة "الوسط" في البلاغة العربية، ويمكن توضيح هذه المنزلة من خلال المقارنة التالية:
- الإيجاز: هو أن يكون اللفظ أقل من المعنى (مع الوفاء بالغرض).
- الإطناب: هو أن يكون اللفظ أكثر من المعنى (لفائدة بلاغية).
- المساواة: هي أن يكون اللفظ مساوياً للمعنى (لا يزيد ولا ينقص).
وقد أشار البلاغيون القدامى إلى أن المساواة هي المعيار أو المقياس الذي يُعرف به الطرفان الآخران؛ فبمعرفة الحد المتساوي، نستطيع أن نحكم على الكلام بأنه موجز أو مطنب. ولذلك، يُنظر إلى المساواة على أنها "السلامة" من عيوب الحشو والتقصير، وهي المذهب الذي يعتمده المتكلم عندما لا يقتضي المقام إيجازاً للسرعة أو إطناباً للتوكيد.
أنواع المساواة ودرجاتها
على الرغم من أن المساواة تبدو مفهوماً بسيطاً، إلا أن البلاغيين والنقاد ميزوا بين نوعين دقيقين منها، يعتمدان على براعة الأديب في انتقاء مفرداته:
1. المساواة مع الاختصار (قمة البلاغة)
وهو النوع الأرفع قدراً، وفيه يتحرى الأديب أو المتكلم تأدية المعنى بكلام مساوٍ له، لكنه يختار من الألفاظ أخفها وأسهلها نطقاً، وأكثرها دلالة. هنا لا يوجد حذف (إيجاز)، ولكن يوجد "اختصار" في بنية الكلمة وجرسها، مما يجعل الكلام رشيقاً مقبولاً. هذا النوع يتفق فيه اللفظ مع المعنى في الحجم، لكنه يمتاز بالبراعة في الانتقاء.
2. المساواة دون مراعاة الاختصار (المتعارف عليه)
وهو الكلام الذي يأتي على سجيته، حيث تؤدي الألفاظ المعاني دون تكلف في اختيار الأخف أو الأوجز، ودون الوقوع في الحشو. وهذا هو النوع الشائع في المخاطبات العادية والكتابات التي تهدف لتقرير الحقائق بوضوح مباشر. في هذا المستوى، يقف البلاغيون موقف الحياد؛ فلا يمدحونه مدح الإيجاز البليغ، ولا يذمونه ذم الإطناب الممل، بل يعدونه "الوسط" المقبول.
شواهد المساواة من القرآن الكريم
القرآن الكريم هو الذروة في تطبيق الأساليب البلاغية الثلاثة، وحين يأتي سياق المساواة، نجد الآيات محكمة الألفاظ، واضحة الدلالة، لا تحتمل تأويلاً للمحذوف ولا زيادة للتوكيد. ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
- قوله تعالى: "وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ". هذه الآية الكريمة مثال ناصع للمساواة؛ فالألفاظ تطابق المعنى تماماً: المكر السيئ لا يحيط ولا يصيب إلا صاحبه. لا توجد كلمة زائدة، ولا يوجد معنى غامض يحتاج لتقدير محذوف.
- قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا". في هذه الآية، جاءت الألفاظ لتغطي المعنى المقصود بوضوح تام، مبينة جزاء المؤمنين بشكل مباشر ومتساوي مع العبارة.
- قوله تعالى: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ". الأمر والنتيجة المترتبة عليه جاءا في سياق متوازن، حيث اللفظ يطابق الواقع المراد الإخبار عنه بدقة.
- قوله تعالى: "فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ". عبارة دقيقة محكمة، تبين قاعدة سلوكية وشرعية بلفظ مساوٍ لمعناها، دون إطالة مملة أو إيجاز مخل.
المساواة كقيمة جمالية (التوازن)
لم يقف النقد العربي عند الحدود الشكلية للمساواة (تساوي اللفظ والمعنى)، بل نظر إليها كقيمة جمالية عليا تُعرف بـ "التوازن". يرى النقاد العرب، ومنهم ابن سنان الخفاجي، أن العرب راعت في كلامها هذا التوازن الدقيق بحيث لا يطغى اللفظ على المعنى فيخنقه، ولا يطغى المعنى على اللفظ فيعجز عن حمله.
وقد شُبهت العلاقة بين اللفظ والمعنى في باب المساواة بالجسد والروح؛ فاللفظ جسم وروحه المعنى، ويجب أن يكون الجسم مناسباً للروح، فلا هو فضفاض عليها ولا هو ضيق عنها. هذا التوازن هو ما يمنح النص الأدبي "الإنصاف"؛ أي إعطاء كل فكرة حقها من العبارة بلا بخس ولا شطط.
نظرة نقدية - هل كل كلام بليغ هو مساوٍ؟
يثير بعض البلاغيين والمحدثين نقطة جدلية مثيرة للاهتمام، وهي أن تقسيم الكلام إلى (إيجاز، مساواة، إطناب) قد يكون تقسيماً تعليمياً أكثر منه واقعياً في النصوص الإبداعية العليا. فالحجة هنا تقول إن الكلام البليغ -مهما كان قليلاً أو كثيراً- هو في الحقيقة "مساوٍ" لمقتضى الحال.
فإذا أوجز البليغ، فذلك لأن المقام يتطلب الإيجاز، فتكون ألفاظه القليلة "مساوية" للحاجة النفسية للموقف. وإذا أطنب، فذلك لأن الموقف يتطلب الزيادة، فيكون الإطناب "مساوياً" للمقام. ومع ذلك، يظل التقسيم البلاغي التقليدي للمساواة (باعتبارها تساوي اللفظ والمعنى اللغوي) هو الأساس الذي يُبنى عليه الدرس البلاغي لتصنيف الأساليب وفهم طرائق العرب في التعبير.
