تتفرد اللغة العربية بخصائص نحوية تجعلها من أكثر اللغات دقة ومرونة في التعبير عن المعاني الدقيقة، ومن أبرز هذه الخصائص ظاهرة "الإعراب" التي تمنح الكلمات حيوية وحركة داخل السياق. وفي عالم الأفعال، يقف الفعل المضارع شامخاً بوصفه الفعل الوحيد الذي قبل دخول الإعراب عليه، متمرداً على قاعدة البناء التي التزمت بها الأفعال الماضية وأفعال الأمر.
![]() |
| المضارع المعرب - قواعد الرفع والنصب والجزم مع أمثلة تطبيقية |
إن الحديث عن [المضارع المعرب] هو حديث عن القلب النابض للجملة العربية، فهو الأداة التي نستخدمها لرسم الحاضر واستشراف المستقبل، وهو العنصر الذي يتلون شكله وحركة آخره تبعا للمؤثرات التي تسبقه، تارة بالرفع، وتارة بالنصب، وتارة بالجزم.
في هذا المقال المطول والشامل، سنقوم بتشريح دقيق لكافة أحوال إعراب الفعل المضارع، مستعرضين العلامات الأصلية والفرعية، والأدوات العاملة فيه، مع تطبيقات عملية ونماذج إعرابية ترسخ القاعدة وتوضح المعنى، لنقدم مرجعاً وافياً لكل باحث عن إتقان لغة الضاد.
فلسفة الإعراب في الفعل المضارع
قبل أن نغوص في تفاصيل العلامات، يجب أن نؤسس للمفهوم العام. الفعل المضارع هو ما دل على حدث يقع في زمن التكلم أو بعده، ويبدأ دائماً بأحد أحرف المضارعة المجموعة في كلمة (أنيت). والأصل في هذا الفعل أن يكون معرباً، ومعنى كونه معرباً أن آخره يتغير بتغير العوامل الداخلة عليه. ولكن، هل هذا الإعراب مطلق؟ القاعدة تقول: يكون المضارع معرباً بشرط ألا تتصل به "نون النسوة" أو "نون التوكيد" اتصالاً مباشراً. فإذا سلم الفعل من هاتين النونين، فإنه يسبح في فضاء الإعراب الرحب، متنقلاً بين ثلاث حالات إعرابية لا رابع لها في الأفعال: الرفع، والنصب، والجزم. والجدير بالذكر أن "الجر" ليس من خصائص الأفعال، كما أن "الجزم" ليس من خصائص الأسماء.
الحالة الأولى: رفع الفعل المضارع (الأصل والأساس)
الحالة الطبيعية والأصلية للفعل المضارع هي "الرفع". يكون المضارع مرفوعاً إذا تجرد من النواصب والجوازم، أي لم تسبقه أداة توجب نصبه أو جزمه. وعلامات الرفع تتنوع بحسب البنية الصرفية للفعل، وهي كالتالي:
1. الضمة الظاهرة
تكون الضمة الظاهرة هي العلامة القياسية لرفع المضارع، وذلك في حالة واحدة: إذا كان الفعل صحيح الآخر. والمقصود بصحيح الآخر أن الحرف الأخير منه ليس ألفاً ولا واواً ولا ياءً.
- مثال: "يقرأُ الطالبُ الدرسَ بتمعنٍ".
- التحليل: الفعل "يقرأ" انتهى بهمزة (حرف صحيح)، ولم يسبقه ناصب ولا جازم، فظهرت الضمة على آخره بوضوح وسهولة في النطق.
2. الضمة المقدرة
يلجأ النحاة إلى "التقدير" عندما يتعذر نطق الحركة أو يثقل على اللسان. ويحدث هذا في الفعل المضارع معتل الآخر:
- المعتل بالألف (للتعذر): مثل "يسعى المؤمن في الخير". لا يمكن نطق الضمة على الألف مطلقاً، فنقول: مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها التعذر.
- المعتل بالواو (للثقل): مثل "يسمو المسلم بأخلاقه". يمكن نطق الضمة (يسموُ) لكنها ثقيلة، فنقدرها للثقل.
- المعتل بالياء (للثقل): مثل "القاضي يقضي بالحق". الضمة مقدرة للثقل.
3. ثبوت النون (العلامة الفرعية)
هذه العلامة خاصة بـ الأفعال الخمسة. والأفعال الخمسة هي كل فعل مضارع اتصلت به: (ألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة). في حالة الرفع، تبقى النون في آخر الفعل دليلاً على رفعه.
- مثال: "المسلمون يحافظون على صلاتهم".
- الإعراب: "يحافظون": فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة ضمير متصل في محل رفع فاعل.
الحالة الثانية: نصب الفعل المضارع (التغيير الأول)
يخرج المضارع عن أصل الرفع إذا سبقته أداة من أدوات النصب. وهذه الأدوات لا تؤثر في اللفظ فقط، بل تضفي معاني دقيقة على الزمن والحدث. ومن أشهر هذه الأدوات التي تجعلنا أمام حالة [المضارع المعرب] المنصوب:
- أنْ: حرف مصدري ونصب، يؤول مع الفعل بعده بمصدر (يعجبني أن تنجح = يعجبني نجاحك).
- لن: حرف نفي ونصب واستقبال، ينفي وقوع الفعل في المستقبل نفياً مؤكداً (لن يفلح الظالم).
- كي: حرف مصدري ونصب يفيد التعليل (ذاكر كي تتفوق).
- لام التعليل: هي لام مكسورة تدخل على المضارع لتبين سبب ما قبلها (سافر ليتعلمَ).
- حتى: تفيد الغاية (إلى أن) أو التعليل (اعبد ربك حتى يأتيك اليقين).
علامات نصب المضارع بالتفصيل
عندما تدخل هذه الأدوات، تتغير حركة الفعل المضارع على النحو التالي:
- الفتحة الظاهرة: تظهر الفتحة لخفتها في حالتين:
- إذا كان الفعل صحيح الآخر (لن يكتبَ).
- إذا كان معتل الآخر بالواو أو الياء (لن يدعوَ، لن يرميَ). لاحظ أن الفتحة ظهرت هنا ولم تقدر كالضمة، لأنها خفيفة في النطق.
- الفتحة المقدرة: تقدر فقط في حالة واحدة: إذا كان الفعل معتل الآخر بالألف (لن يرضىَ)، منع من ظهورها التعذر.
- حذف النون: وهي العلامة الفرعية للنصب في الأفعال الخمسة.
مثال: "يجب أن تجتهدوا لتصلوا إلى أهدافكم". (تجتهدوا، تصلوا) كلاهما منصوب بحذف النون.
الحالة الثالثة: جزم الفعل المضارع (التغيير الأقوى)
الجزم هو قطع الحركة أو الحرف، وهو سمة خاصة بالفعل المضارع. ويكون المضارع مجزوماً إذا سبقته أداة جزم. وتنقسم أدوات الجزم في اللغة العربية إلى قسمين رئيسيين، لكل منهما وظيفته النحوية والدلالية:
أولاً: أدوات تجزم فعلاً واحداً
هذه الأدوات تدخل على مضارع واحد فتجزمه، وهي:
- لم: حرف نفي وجزم وقلب. ينفي الحدث ويقلب زمن المضارع إلى الماضي. (لم يحضرْ أحد).
- لمّا: حرف نفي وجزم، يفيد استمرار النفي حتى زمن التكلم مع توقع حدوث الفعل. (لمّا يثمرْ الشجر).
- لام الأمر: تجعل المضارع مفيداً للطلب، وغالباً ما تكون مكسورة إلا إذا سبقت بفا أو واو فتسكن. (لينفقْ ذو سعة من سعته).
- لا الناهية: تفيد طلب الكف عن الفعل. (لا تصاحبْ الأشرار).
ثانياً: أدوات تجزم فعلين (أدوات الشرط الجازمة)
هذا الأسلوب يسمى "أسلوب الشرط"، حيث تربط الأداة بين جملتين، فتجزم الفعل الأول (فعل الشرط) والفعل الثاني (جواب الشرط). ومن هذه الأدوات:
- إنْ: تربط الجواب بالشرط (إن تذاكرْ تنجحْ).
- مَن: للعاقل (من يزرعْ يحصدْ).
- ما / مهما: لغير العاقل (ما تفعلوا من خير يعلمْه الله).
- متى / أيان: للزمان.
- أين / أنى / حيثما: للمكان.
علامات جزم المضارع الشاملة
تعتبر علامات الجزم من أهم المؤشرات في [المضارع المعرب]، وهي:
| العلامة | موضعها | مثال توضيحي |
|---|---|---|
| السكون | إذا كان الفعل صحيح الآخر. | لا تؤخرْ عمل اليوم إلى الغد. |
| حذف حرف العلة | إذا كان الفعل معتل الآخر. | لم يسعَ (حذف الألف)، لا تدعُ (حذف الواو)، لم يرمِ (حذف الياء). |
| حذف النون | إذا كان من الأفعال الخمسة. | الطلاب لم يهملوا واجباتهم. |
الفعل المضارع المعتل وتفاصيل إعرابه الدقيقة
يحتاج [المضارع المعرب] المعتل الآخر إلى وقفة خاصة، لأنه يجمع بين الحركات الظاهرة والمقدرة والحذف. لنلخص أحكامه بوضوح:
- المعتل بالألف (مثل: يخشى):
- الرفع: ضمة مقدرة (للتعذر).
- النصب: فتحة مقدرة (للتعذر).
- الجزم: حذف حرف العلة (لم يخشَ).
- المعتل بالواو (مثل: يدعو):
- الرفع: ضمة مقدرة (للثقل).
- النصب: فتحة ظاهرة (لن يدعوَ) لخفتها.
- الجزم: حذف حرف العلة (لم يدعُ).
- المعتل بالياء (مثل: يجري):
- الرفع: ضمة مقدرة (للثقل).
- النصب: فتحة ظاهرة (لن يجريَ).
- الجزم: حذف حرف العلة (لم يجرِ).
نماذج تطبيقية للإعراب
لترسيخ فهم [المضارع المعرب]، نستعرض هذه النماذج التفصيلية:
المثال الأول: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"
- لن: حرف نصب.
- تنالوا: فعل مضارع منصوب بـ (لن)، وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة فاعل.
- حتى: حرف غاية ونصب.
- تنفقوا: فعل مضارع منصوب بـ (حتى)، وعلامة نصبه حذف النون، وواو الجماعة فاعل.
- تحبون: فعل مضارع مرفوع (لتجرده من الناصب والجازم)، وعلامة رفعه ثبوت النون، وواو الجماعة فاعل.
المثال الثاني: "من يسعَ في الخير يجنِ ثماره"
- من: اسم شرط جازم.
- يسعَ: فعل مضارع (فعل الشرط) مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الألف)، والفتحة دليل عليها.
- يجنِ: فعل مضارع (جواب الشرط) مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء)، والكسرة دليل عليها.
إن إتقان قواعد [المضارع المعرب] ليس مجرد ترف لغوي، بل هو ضرورة لفهم النصوص العربية بدقة، والتعبير عن الأفكار بوضوح. إن القدرة على التمييز بين حالات الرفع والنصب والجزم، ومعرفة العلامات الأصلية والفرعية، تمنح المتحدث والكاتب ملكة لغوية قوية. تذكر دائماً أن مفتاح إعراب المضارع يكمن في النظر إلى ما يسبقه من أدوات، وإلى ما ينتهي به من حروف، فإذا اجتمع هذان الأمران لديك، فقد امتلكت ناصية الإعراب في هذا الباب الواسع من أبواب النحو العربي.
