هل تساءلت يوماً لماذا تتغير حركة أواخر بعض الكلمات في الجملة بينما تظل كلمات أخرى ثابتة لا تتغير مهما اختلف موقعها؟ هذا هو جوهر مفهوم الإعراب والبناء، وهو العمود الفقري الذي يقوم عليه فهم النحو العربي الصحيح. إن التمييز بين الكلمة المعربة والكلمة المبنية ليس مجرد ترف لغوي، بل هو الأساس الذي يمنحك القدرة على النطق السليم والكتابة الدقيقة دون أخطاء.
![]() |
| الإعراب والبناء في اللغة العربية |
في هذا المقال التفصيلي، سنأخذك في رحلة أكاديمية مبسطة لاستكشاف عالم الإعراب والبناء، مستعرضين أقسام الأسماء والأفعال من حيث التغير والثبات، وعلامات الإعراب الأصلية والفرعية، وحالات بناء الأفعال، مدعومين بالأمثلة التوضيحية والجداول التي ترسخ المعلومة في ذهنك.
أولاً: الفرق الجوهري بين الإعراب والبناء
تنقسم الكلمات في اللغة العربية من حيث تغير أواخرها إلى قسمين رئيسيين:
1. المعرب (The Declinable)
هو الكلمة التي يتغير شكل آخرها (حركتها الإعرابية) بتغير موقعها في الجملة. وهذا التغير يعكس وظيفة الكلمة سواء كانت مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة.
مثال تطبيقي على كلمة (الكتاب):
- الرفع: "الكتابُ صديقٌ وفي" (تغير الآخر إلى الضمة لأنه مبتدأ).
- النصب: "إنَّ الكتابَ صديقٌ وفي" (تغير الآخر إلى الفتحة لأنه اسم إن).
- الجر: "في الكتابِ موضوعاتٌ مفيدة" (تغير الآخر إلى الكسرة لأنه اسم مجرور).
2. المبني (The Indeclinable)
هو الكلمة التي لا يتغير شكل آخرها، بل تلزم صورة واحدة وحركة واحدة مهما تغير موقعها في الجملة. نقول في إعرابها إنها "مبنية في محل...".
مثال تطبيقي على اسم الإشارة (هذا):
- "هذا طبيبٌ مدربٌ" (مبتدأ، ولزم السكون).
- "شكرتُ هذا الطبيبَ" (مفعول به، ولزم السكون).
- "سلمتُ على هذا الطبيبِ" (اسم مجرور، ولزم السكون).
ثانياً: الإعراب والبناء في الأسماء
الأصل في الأسماء أن تكون معربة، ولكن هناك فئات محددة من الأسماء تكون مبنية. ومن الضروري معرفة هذه الفئات لاستثنائها من قاعدة الإعراب.
الأسماء المبنية (المحصورة):
تتلخص الأسماء المبنية في ستة أنواع رئيسية:
- الضمائر (بجميع أنواعها): سواء كانت منفصلة (مثل: أنا، أنت، هو) أو متصلة (مثل: تاء الفاعل، واو الجماعة، كاف الخطاب). جميع الضمائر مبنية.
- أسماء الإشارة: مثل (هذا، هذه، هؤلاء، تلك، ذلك).
استثناء هام: (هذان، وهاتان) يعربان إعراب المثنى (بالألف رفعاً وبالياء نصباً وجراً). - الأسماء الموصولة: مثل (الذي، التي، الذين، اللاتي، اللائي، مَن، ما).
استثناء هام: (اللذان، واللتان) يعربان إعراب المثنى. - أسماء الشرط: مثل (مَن، ما، مهما، متى، أين، حيثما).
- أسماء الاستفهام: مثل (مَن، ما، متى، أين، كم، كيف).
- بعض الظروف: مثل (حيثُ، أمسِ، الآنَ).
علامات الإعراب في الأسماء (أصلية وفرعية):
بما أن معظم الأسماء معربة، فإنها تحتاج إلى علامات لتمييز حالتها:
| الحالة | العلامة الأصلية | العلامات الفرعية |
|---|---|---|
| الرفع | الضمة (التلميذُ) | الألف (في المثنى)، الواو (في جمع المذكر السالم والأسماء الخمسة). |
| النصب | الفتحة (التلميذَ) | الألف (في الأسماء الخمسة)، الياء (في المثنى وجمع المذكر السالم)، الكسرة (في جمع المؤنث السالم). |
| الجر | الكسرة (الغيبةِ) | الياء (في الأسماء الخمسة، المثنى، جمع المذكر السالم)، الفتحة (في الممنوع من الصرف - لم يرد تفصيله هنا). |
ثالثاً: المعرب والمبني من الأفعال
يختلف حال الأفعال عن الأسماء، فالأصل في الأفعال البناء (الماضي والأمر)، بينما الفعل المضارع هو الوحيد الذي يأتي معرباً غالباً.
1. الفعل الماضي (دائماً مبني)
الفعل الماضي يلزم البناء دائماً، وتختلف حركة بنائه حسب الضمير المتصل به:
- يبنى على الفتح: إذا لم يتصل به شيء (قرأَ)، أو اتصلت به تاء التأنيث (سعدَت)، أو ألف الاثنين (فهما).
- يبنى على السكون: إذا اتصلت به تاء الفاعل (قرأتُ)، أو نون النسوة (الطالبات قرأْنَ)، أو "نا" الفاعلين (قرأْنا).
- يبنى على الضم: إذا اتصلت به واو الجماعة (الشرفاء بذلُوا).
2. الفعل الأمر (دائماً مبني)
قاعدة بناء الأمر سهلة الحفظ: "يبنى الأمر على ما يجزم به مضارعه".
- يبنى على السكون: إذا كان صحيح الآخر (اجتهدْ)، أو اتصلت به نون النسوة (عالِجْنَ).
- يبنى على حذف حرف العلة: إذا كان معتل الآخر (اسعَ، ادعُ، اقضِ).
- يبنى على حذف النون: إذا اتصلت به ألف الاثنين (كونا)، واو الجماعة (احترموا)، أو ياء المخاطبة (احترمي).
- يبنى على الفتح: إذا اتصلت به نون التوكيد.
3. الفعل المضارع (معرب غالباً ومبني أحياناً)
الفعل المضارع هو الفعل الوحيد الذي يتغير آخره (يرفع، ينصب، يجزم). ولكن هناك حالتان فقط يكون فيهما مبنياً:
- يبنى على السكون: إذا اتصلت به نون النسوة.
مثال: "الممرضاتُ يعالجْنَ المرضى". - يبنى على الفتح: إذا اتصلت به نون التوكيد (اتصالاً مباشراً).
مثال: "والله لأقاومنَّ الفساد".
فيما عدا هاتين الحالتين، يكون المضارع معرباً: يرفع بالضمة (يكتبُ)، ينصب بالفتحة (لن يكتبَ)، ويجزم بالسكون (لم يكتبْ).
رابعاً: تطبيقات ونماذج إعرابية
لترسيخ فهم الإعراب والبناء، دعونا نطبق القواعد على بعض الجمل المختارة:
1. إعراب المبني من الأسماء:
الجملة: "نحن أبطالٌ شجعان".
- نحن: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ.
- (لاحظ أننا لم نقل "مبتدأ مرفوع" مباشرة، بل قلنا "مبني في محل رفع").
2. إعراب المعرب من الأسماء (بعلامة فرعية):
الجملة: "فاز المتسابقون".
- المتسابقون: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
3. إعراب الفعل المبني (الماضي):
الجملة: "الطلاب كتبوا الدرس".
- كتبوا: فعل ماضٍ مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، وواو الجماعة ضمير مبني في محل رفع فاعل.
الخلاصة
إن فهم الإعراب والبناء هو المفتاح لفك شفرة الجملة العربية. تذكر دائماً القواعد الذهبية:
- جميع الحروف مبنية.
- الأصل في الأسماء الإعراب، والمبني منها محصور (الضمائر، الإشارة، الموصول، الشرط، الاستفهام، بعض الظروف).
- الماضي والأمر مبنيان دائماً.
- المضارع معرب إلا إذا اتصلت به نون النسوة أو نون التوكيد.
بإتقانك لهذه القواعد، تكون قد وضعت قدمك على الطريق الصحيح نحو التمكن من اللغة العربية وفهم نصوصها بعمق ودقة.
