عندما يعجز اللفظ المفرد عن نقل المشهد، وتضيق العبارة المباشرة عن استيعاب الصورة المتحركة في خيال الأديب، يلجأ البيان العربي إلى أداته الأكثر سحراً وتعقيداً: التشبيه التمثيلي. إنه الفن الذي لا يكتفي بعقد مقارنة بسيطة بين شيئين، بل يقوم بانتزاع صورة حية من تفاصيل متعددة، ليضع المتلقي أمام "لقطة سينمائية" متكاملة الأركان.
![]() |
| التشبيه التمثيلي | كيف تميّزه وتحل به أي سؤال؟ |
في هذا المقال التفصيلي، سنغوص في أعماق هذا النوع البلاغي الفريد، محللين بنيته، وأركانه، وشواهده من الشعر العربي والقرآن الكريم، استناداً إلى ما قرره علماء البلاغة والنقد في تراثنا العربي.
ما هو التشبيه التمثيلي؟ فلسفة الهيئة المنتزعة
يتميز التشبيه التمثيلي عن غيره من أنواع التشبيه (كالتشبيه المفرد) في طبيعة "وجه الشبه". ففي التشبيه العادي، يكون وجه الشبه صفة مفردة يشترك فيها الطرفان (مثل: الرجل كالأسد في "الشجاعة"). أما في التشبيه التمثيلي، فإن وجه الشبه لا يكون لفظاً مفرداً، بل هو "هيئة منتزعة من متعدد".
وهذا يعني أن المتكلم لا ينظر إلى ذات المشبه وذات المشبه به بشكل منعزل، بل ينظر إلى "حال" المشبه وهو يتفاعل مع عناصر أخرى، ويقارنه بـ "حال" المشبه به في سياق مشابه. إنها عملية تركيبية معقدة تتطلب ذكاءً وقدرة عالية على الملاحظة، حيث يتم دمج عدة صفات وأجزاء لتشكيل "صورة كلية" تمثل الرابط بين الطرفين. إذا كان وجه الشبه صورة انتزعت من أمور متعددة، سمي التشبيه تمثيلاً، وهذا هو جوهر تعريفه عند البلاغيين.
تشريح الصورة التمثيلية: شواهد شعرية خالدة
لفهم هذا النوع بعمق، يجب التوقف عند النماذج التطبيقية التي أبدعها فحول الشعراء، حيث يتجلى التشبيه التمثيلي كأداة لرسم الحركة واللون والشكل في آن واحد.
1. المتنبي ورسم حركة الجيش
من أبرز الأمثلة التي توضح مفهوم "الهيئة المنتزعة" قول المتنبي في وصف جيش سيف الدولة الحمداني:
يَهُزُّ الجَيشُ حَولَكَ جانِبَيهِ ... كَما نَفَضَت جَناحَيها العُقابُ
في هذا البيت، لم يقم المتنبي بتشبيه الجيش بطائر العقاب (الجارح القوي) تشبيهاً مفرداً، بل عقد المقارنة بين "صورة مركبة" و"صورة مركبة" أخرى:
- صورة المشبه: هيئة الجيش العظيم، وسيف الدولة في قلبه، والميمنة والميسرة (جانبا الجيش) تتحركان وتضطربان حوله استعداداً للانقضاض.
- صورة المشبه به: هيئة طائر العقاب القوي، ورأسه ثابت، وجناحاه يتحركان وينتفضين بقوة وحيوية.
- وجه الشبه (التمثيلي): ليس مجرد "الحركة" أو "القوة"، بل هو "هيئة شيء له جانبان يتحركان بقوة وانتظام حول مركز ثابت".
هنا نرى كيف انتزع الشاعر الشبه من تفاصيل متعددة (القائد، الميمنة، الميسرة / الرأس، الجناح الأيمن، الجناح الأيسر) ليخلق مشهداً حركياً مهيباً.
2. امرؤ القيس وثقل الليل
وفي وصف نفسي عميق لبطء مرور الزمن والمعاناة، يقول امرؤ القيس:
وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَهُ ... عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمومِ لِيَبتَلي
هنا، يشبه الشاعر الليل في ظلامه المتراكم وامتداده اللامتناهي، ورهبته التي تطبق على النفس، بموج البحر المتتابع الذي يغمر كل شيء. وجه الشبه هنا هو الهيئة الحاصلة من تراكم الظلمات وشدة الهول والثقل النفسي الذي يمنع الرؤية ويحاصر الروح، تماماً كما تفعل أمواج البحر المتلاطمة. التشبيه هنا تمثيلي لأنه نقل "حالة" الليل بظلامه وهمومه، وليس مجرد لونه الأسود.
3. ابن المعتز وهندسة الطبيعة
اشتهر ابن المعتز بقدرته الفائقة على التقاط الصور البصرية الدقيقة وصياغتها في قوالب تمثيلية بديعة. ومن ذلك قوله في وصف الهلال:
وَكَأَنَّ الهِلالَ نونُ لُجَينٍ ... غَرِقَت في صَحيفَةٍ زَرقاءِ
هذا التشبيه هو لوحة فنية خالصة تعتمد على اللون والشكل:
- المشبه: صورة الهلال الفضي المقوس وهو يلمع في كبد السماء الصافية الشديدة الزرقة.
- المشبه به: صورة حرف النون المصنوع من الفضة (اللجين) وقد غرق في صحيفة زرقاء اللون.
- وجه الشبه: الهيئة الحاصلة من وجود جسم مقوس أبيض لامع يسبح في وسط مساحة زرقاء ممتدة.
براعة هذا التشبيه تكمن في أنه لم يقل "الهلال كالفضة" وحسب، بل رسم السياق الكامل (الخلفية الزرقاء والشكل المقوس)، مما جعل الصورة ماثلة أمام العين.
التشبيه التمثيلي في القرآن الكريم: الإعجاز التصويري
بلغ التشبيه التمثيلي ذروته في النص القرآني، حيث استُخدم لتقريب المعاني العقلية والإيمانية الدقيقة من خلال صور حسية مشاهدة. ومن أشهر الأمثلة التي يتداولها البلاغيون قوله تعالى:
{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}
لنتأمل تركيب هذه الصورة البلاغية العميقة:
- المشبه (الحالة الأولى): حال اليهود الذين كُلفوا بحفظ التوراة والعمل بها، فقرأوها وحفظوا نصوصها، لكنهم لم يفهموا مقاصدها ولم يعملوا بما فيها، فصارت مجرد عبء عليهم دون فائدة حقيقية.
- المشبه به (الحالة الثانية): حال الحمار الذي يوضع على ظهره أسفار (كتب) عظيمة النفع والقيمة، فهو يتجشم عناء حملها وثقلها، لكنه لا يدرك ما فيها من علم ولا يستفيد منها شيئاً سوى التعب.
- وجه الشبه (المنتزع): هيئة التعب في حمل الشيء النافع العظيم القيمة مع الحرمان التام من الانتفاع به لعدم الفقه والعمل.
لو قال القرآن "هم كالحمير" لكان تشبيهاً مفرداً قد يفيد البلادة فقط، لكن التشبيه التمثيلي هنا حدد بدقة "موطن الشبه"، وهو التناقض بين قيمة المحمول (الكتاب/التوراة) وسوء حال الحامل (الحمار/اليهود) الذي لا يناله إلا المشقة. هذا هو سحر التشبيه التمثيلي؛ الدقة في رسم الحالة.
الأدوات البلاغية المساعدة في التشبيه التمثيلي
غالباً ما يقترن التشبيه التمثيلي بأدوات تشبيه معينة تساعد في رسم المشهد، أشهرها "كأن" و "كما". هذه الأدوات تعمل كإطار للوحة الفنية، تنبه المتلقي إلى أن ما سيأتي بعدها ليس مفردة بسيطة، بل مشهد كامل يجب تأمله.
ففي قول الشاعر يصف الثريا (مجموعة نجوم):
يتلو الثريا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود
نلاحظ أن الصورة مركبة من حركة النجوم واصطفافها، ومقارنتها بشخص يفتح فمه ليلتهم عنقوداً من العنب. هذه اللقطات المتتابعة هي التي تمنح التشبيه التمثيلي حيويته، حيث يتحول النص المقروء إلى خيال مرئي.
وظيفة التشبيه التمثيلي وأثره النفسي
لماذا يلجأ البليغ إلى هذا النوع المعقد من التشبيه؟ تكمن الإجابة في "الأثر النفسي". النفس البشرية تميل بطبعها إلى المحسوسات، وتتأثر بالصور المركبة أكثر من الحقائق المجردة.
- الإيضاح والتجسيم: يقوم التشبيه التمثيلي بإخراج المعنى من الخفاء إلى الظهور، فيجعل المعقول محسوساً. عندما يريد الشاعر وصف الشيب الذي يغزو الرأس الأسود، قد لا يكفي قول "ابيض شعره"، بل يقول:
وقد بدا في الفودين شيب ... يلمع في سواد الشعر
فيشبهه بلمع البرق في الظلام أو بابتسامة الصبح في الليل، مما يجسد تباين الألوان بوضوح. - البرهان والإقناع: غالباً ما يحمل التشبيه التمثيلي قوة الدليل. فصورة الحمار الذي يحمل أسفاراً هي حجة دامغة لا يمكن دحضها، تثبت غباء من لا يعمل بعلمه بشكل لا يقبل الجدل.
- المتعة الجمالية: تركيب الصورة وانتزاع وجه الشبه من متعدد يثير في النفس نشوة الاكتشاف. القارئ يشعر بذكاء الأديب وبذكائه هو أيضاً عندما يفك رموز هذه الصورة ويدرك العلاقة الخفية بين أجزائها.
خاتمة: التشبيه التمثيلي مرآة الإبداع
ختاماً، يمكن القول إن [التشبيه التمثيلي] هو المقياس الحقيقي لبراعة المصور البياني. إنه يتجاوز حدود اللغة الوظيفية ليصبح فناً تشكيلياً بالكلمات. من خلال استعراضنا للأمثلة، رأينا كيف تحول الجيش إلى عقاب، والليل إلى موج، والجاهل إلى حمار يحمل كتباً، والهلال إلى زورق فضي. هذه القدرة على إعادة تشكيل الواقع، وربط عناصره بروابط خفية ومدهشة، هي جوهر البلاغة العربية، وسر خلود النصوص التي استخدمت هذا الفن البديع. إن دراسة التشبيه التمثيلي ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي ضرورة لكل من أراد تذوق الجمال الفني في لغة الضاد وفهم أسرار قوتها التعبيرية.
