أقسام التشبيه | افهم البلاغة بدون تعقيد

يُعد التشبيه الحجر الأساس في بناء الصورة الفنية في الأدب العربي، وهو ليس مجرد عملية رصّ للكلمات، بل هو هندسة دقيقة للمعاني تهدف إلى نقل الفكرة من حيز التجريد الذهني إلى حيز التجسيد الحسي. عندما نبحث في أقسام التشبيه، فإننا لا نستعرض تقسيمات شكلية فحسب، بل نستكشف كيف تدرّج العقل العربي في صياغة الجمال، بدءاً من التشبيهات البسيطة المباشرة، وصولاً إلى الصور المركبة والمعقدة التي تعكس عمق التجربة الشعورية.

أقسام التشبيه
أقسام التشبيه | افهم البلاغة بدون تعقيد


 في هذا المقال، سنفصل القول في أنواع التشبيه باعتبارات مختلفة، سواء من حيث الأداة، أو وجه الشبه، أو الهيئة التركيبية، مستندين إلى أمهات الشواهد البلاغية والنقدية.

أركان التشبيه - البنية التحتية للصورة

قبل الدخول في تفاصيل الأقسام، لا بد من استحضار البنية الأساسية التي يقوم عليها أي تشبيه. يتكون التشبيه من أربعة أركان رئيسية تحدد نوعه ومسماه لاحقاً:

  • المشبه: وهو الموضوع الأصلي المراد وصفه أو تقويته.
  • المشبه به: وهو النموذج الذي يُقاس عليه، ويُشترط فيه أن يكون أقوى وأظهر في الصفة من المشبه.
  • أداة التشبيه: الرابط اللفظي (الكاف، كأن، مثل، يحاكي).
  • وجه الشبه: الصفة المشتركة بين الطرفين التي تبرر عقد المقارنة.

التقسيم الأول-  باعتبار الأداة ووجه الشبه

ينظر البلاغيون إلى التشبيه من زاوية الإيجاز والإطناب، وبناءً على ذكر أو حذف الأداة ووجه الشبه، تنقسم التشبيهات إلى أربعة أنواع متدرجة في القوة البلاغية:

1. التشبيه المرسل

هو ما ذُكرت فيه الأداة. سُمي مرسلاً لأن المتكلم أرسله ولم يقطعه عن نية التشبيه بوجود الواسطة اللفظية. مثال ذلك قول الشاعر: "أنت كــالشمس في الضياء". وجود "الكاف" هنا يجعل التشبيه مرسلاً، مما يبقي مسافة واضحة بين المشبه والمشبه به.

2. التشبيه المؤكد

هو ما حُذفت منه الأداة. وسُمي مؤكداً لأن حذف الأداة يوحي بقوة العلاقة بين الطرفين وكأنهما شيء واحد، مما يزيد من توكيد المعنى. مثال: "أنت نجم في رفعة". هنا ادعى المتكلم اتحاد المشبه بالمشبه به.

3. التشبيه المفصل

هو ما ذُكر فيه وجه الشبه. سُمي مفصلاً لأن المتكلم حدد الصفة المشتركة بدقة ولم يترك مجالاً واسعاً للخيال. كقولنا: "العلم كالنور في الهداية". التحديد هنا يحصر الذهن في صفة الهداية فقط.

4. التشبيه المجمل

هو ما حُذف منه وجه الشبه. وهنا يترك المتكلم للمتلقي استنتاج الصفات المشتركة، مما يجعل المعنى أعم وأشمل. كقولنا: "العلم كالنور". فيذهب الذهن إلى كل صفات النور من وضوح، وجلاء، وإشراق، ونفع.

5. التشبيه البليغ: قمة التجريد

هو أرقى درجات التشبيه وأكثرها مبالغة، ويتحقق بحذف الأداة ووجه الشبه معاً. في التشبيه البليغ، يسقط الحاجز تماماً بين المشبه والمشبه به، فيصبحان كالشيء الواحد. مثال: "العلم نور"، "الأرض ياقوتة". تشير الدراسات البلاغية إلى أن هذا النوع هو "الأبلغ" لأنه يعتمد على الادعاء الكامل بأن المشبه هو عين المشبه به.

التقسيم الثاني - باعتبار هيئة الصورة (التمثيل وعدمه)

تتطور أقسام التشبيه لتشمل طبيعة الصورة المنتزعة، هل هي بسيطة مفردة أم مركبة معقدة؟

التشبيه غير التمثيلي (المفرد)

هو ما كان فيه وجه الشبه صفة مفردة يتم اشتراطها في الطرفين. مثل تشبيه الخد بالورد في (الحمرة)، أو الرجل بالأسد في (الشجاعة). هنا المقارنة تتم بين ذات بذات بناءً على صفة واحدة مباشرة.

التشبيه التمثيلي (المركب)

هذا القسم يمثل ذروة التصوير الفني، وفيه لا يكون وجه الشبه لفظاً مفرداً، بل هو "هيئة منتزعة من متعدد". أي أننا نشبه "صورة بصورة" أو "مشهد بمشهد".

من أروع الأمثلة عليه في القرآن الكريم قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا). هنا لا يُشبه اليهود بالحمار في الشكل أو الصوت، بل يُشبه حالهم وهم يحفظون التوراة دون الانتفاع بها، بحال الحمار الذي يحمل كتباً نافعة ثقيلة الوزن لكنه لا يدرك ما فيها ولا يناله منها إلا التعب. وجه الشبه هنا هو: "هيئة التعب في حمل الشيء النافع دون الاستفادة منه".

ومثله قول المتنبي يصف جيش سيف الدولة:
يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العُقاب
المتنبي لا يشبه الجيش بالعقاب (الطائر) فحسب، بل يشبه حركة ميمنة الجيش وميسرته حول القائد بحركة جناحي العقاب وهما ينتفضان، فالصورة هنا حركية مركبة.

فنون التشبيه الدقيقة - الضمني والمقلوب

تتفرع أقسام التشبيه لتشمل أساليب تخرج عن السياق التقليدي المألوف، وتعتمد على الذكاء اللغوي والإيحاء:

التشبيه الضمني

هو تشبيه لا يوضع في الصورة المعهودة (مشبه وأداة ومشبه به)، بل يُلمح من سياق التركيب. غالباً ما يأتي الشطر الثاني في البيت الشعري كدليل وبرهان على القضية التي طُرحت في الشطر الأول.

مثال ذلك قول المتنبي:
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ ... ما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ
الشاعر لم يقل صراحة "إن فاقد الكرامة كالميت"، لكنه أورد حقيقة في الشطر الأول، ثم أتبعها بحقيقة مسلمة في الشطر الثاني (الميت لا يتألم للجرح) لتكون دليلاً وتشبيهًا خفياً لحال من اعتاد الذل. هذا النوع يفيد أن الحكم الذي أسند إلى المشبه ممكن ومقبول عقلاً.

التشبيه المقلوب

هو فن يعكس فيه الأديب طرفي التشبيه، فيجعل المشبه مشبهاً به، وذلك لادعاء أن الصفة في المشبه أقوى وأتم منها في المشبه به الأصلي. والغاية منه المبالغة والإغراب.

كقول الشاعر: "وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح".
الأصل في التشبيه أن يُشبه وجه الخليفة بالصباح في الإشراق، لكن الشاعر قلب التشبيه، فجعل الصباح (المشبه) مشبهاً بوجه الخليفة (المشبه به)، ليوحي بأن وجه الخليفة هو الأصل في النور والضياء، وأن الصباح يكتسب نوره منه.

مقاييس نقدية في أقسام التشبيه

لم يمر تقسيم التشبيه دون تمحيص نقدي عبر تاريخ البلاغة العربية. فقد وضع النقاد، مثل "المبرد" و"أبو هلال العسكري"، معايير لجودة هذه الأقسام:

  • الوضوح والشهرة: يرى المبرد أن التشبيه المصيب هو ما كان فيه المشبه به "أعرف" و"أظهر" عند المخاطب من المشبه. فإذا شُبه الشيء بما هو دونه في الوضوح، عُد التشبيه بعيداً أو معيباً.
  • الصدق الفني: انتقد البلاغيون التشبيهات التي تخالف الحقائق الواقعية بشكل فج، إلا إذا كانت مبنية على التأويل والخيال المقبول. وقد ذكروا أن العرب تعتمد في تشبيهاتها على ما يقع في "العين" و"الوهم" لا على الحقائق العلمية البحتة، فالمهم هو الأثر النفسي للصورة.
  • تطور الذوق: اختلفت ذائقة التشبيه باختلاف العصور؛ ففي الجاهلية مالت الأقسام إلى الصور الحسية المباشرة (تشبيه الرجل بالأسد)، بينما في العصر العباسي، ومع شعراء مثل ابن المعتز، جنح التشبيه نحو الصور "المتخيلة" و"المركبة" التي تعتمد على الألوان والحركة، وظهرت تشبيهات عقلية دقيقة تربط بين المعقول والمحسوس.

ختاماً، إن دراسة أقسام التشبيه تكشف لنا أن العرب لم يستخدموا اللغة كأداة تواصل وظيفية فحسب، بل حولوا الكلمات إلى ريشة فنان. من التشبيه البليغ الذي يوجز المعاني، إلى التشبيه التمثيلي الذي يرسم المشاهد، ومن التشبيه الضمني الذي يخاطب الذكاء، إلى المقلوب الذي يكسر المألوف، تظل هذه الأقسام أدوات حية تمكن المبدع من إعادة تشكيل الواقع وبث الروح في الجماد، وجعل المعاني المجردة كائنات حية تتحرك في وجدان المتلقي. إن فهم هذه الأقسام هو المفتاح الحقيقي لتذوق النصوص الأدبية وإدراك أسرار الإعجاز البياني في لغة الضاد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أحدث بنوك الاختبارات النهائية – الصف الخامس – الفصل الأول (جميع المواد)

دمج امتحانات الصف السابع في اللغة الإنجليزية الفصل الدراسي الأول 2025م

دمج امتحانات الصف السابع – الدراسات الاجتماعية (الفصل الأول 2024/2025)