تُعد قواعد اللغة العربية بحراً واسعاً من الدقة والجمال، ومن بين أهم أبوابها التي يحتاجها كل دارس وكاتب هو باب "الأفعال". وبينما تستقر الأفعال الماضية وأفعال الأمر على حالة "البناء" الدائم، ينفرد الفعل المضارع بكونه الفعل الوحيد الذي تتجاذبُه حالتان: الإعراب والبناء. كثيرٌ من الدارسين يتقنون حالات إعراب المضارع (رفعه ونصبه وجزمه)، ولكن قد يغيب عن أذهانهم متى يتحول هذا الفعل المعرب إلى المضارع المبني، وما هي الأحوال التي تلزمه حركة واحدة لا تتغير مهما تغير موقعه في الجملة.
![]() |
| المضارع المبني: شرح شامل لحالات بنائه على السكون والفتح |
في هذا المقال، سنغوص في عمق القواعد النحوية لنستكشف حالات بناء الفعل المضارع، وعلاماته، وشروطه، مستندين إلى الأمثلة التوضيحية والنصوص القرآنية التي تثبت هذه القواعد وترسخها.
مفهوم الفعل المضارع والإعراب والبناء
قبل الخوض في تفاصيل بناء المضارع، علينا أولاً تأسيس الفهم الصحيح لطبيعة هذا الفعل ومفهوم البناء في لغتنا. الفعل المضارع هو اللفظ الدال على حدث يتم في الزمن الحاضر أو المستقبل، مثل "يحترم" أو "حافظ". والأصل في هذا الفعل أن يكون "معرباً"، أي أن تتغير حركة حرفه الأخير بتغير العوامل الداخلة عليه، فيكون مرفوعاً إذا تجرد من الناصب والجازم، ومنصوباً إذا سبقته أداة نصب، ومجزوماً إذا سبقته أداة جزم.
أما "البناء"، فهو ثبوت شكل آخر الكلمة على حالة واحدة لا تتغير، مهما تغير موقعها الإعرابي أو دخلت عليها من عوامل. والفعل المضارع يخرج عن أصله المعرب ليدخل في دائرة البناء في حالتين محددتين فقط، تتصلان بنوعين من "النون". إذا فهمنا أثر هاتين النونين، فقد امتلكنا مفتاح هذا الباب النحوي الهام.
الحالة الأولى: بناء المضارع على السكون
الحالة الأولى التي يُبنى فيها الفعل المضارع هي البناء على السكون. يتحقق هذا البناء بشرط واحد ومحدد، وهو اتصال الفعل بـ "نون النسوة". هذه النون هي ضمير يتصل بالفعل ليدل على جماعة الإناث.
القاعدة والتحليل
عندما تتصل نون النسوة بالفعل المضارع، فإن الحرف الأخير من الفعل (قبل النون) يلزم حركة السكون، ولا يتأثر بأي ناصب أو جازم قد يسبقه من حيث اللفظ (وإن كان يتأثر محلاً). ونون النسوة نفسها تكون في هذه الحالة ضميراً متصلاً في محل رفع فاعل.
أمثلة توضيحية
لنتأمل المثال التالي لترسيخ القاعدة:
- المثال: "الممرضاتُ تُعالِجْنَ المرضى".
- الفعل: "تُعالِجْنَ".
- التحليل: نلاحظ أن الفعل أصله "تعالج"، ولكن عند اتصال "نون النسوة" به، سُكِّن حرف الجيم، فأصبح "تُعالِجْـنَ".
- الإعراب: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والنون ضمير متصل في محل رفع فاعل.
وهذه القاعدة عامة ومطردة في كل فعل مضارع اتصلت به هذه النون، سواء جاء في سياق إخبار أو وصف، فتظل حركة السكون ملازمة لآخر الفعل، معبرة عن حالة البناء الراسخة.
الحالة الثانية: بناء المضارع على الفتح
الحالة الثانية من حالات [المضارع المبني] هي البناء على الفتح. ويحدث هذا البناء عندما يتصل الفعل المضارع بـ "نون التوكيد" اتصالاً مباشراً. ونون التوكيد هي حرف لا محل له من الإعراب، يؤتى به لتقوية المعنى وتأكيد حدوث الفعل، وتأتي على صورتين: ثقيلة (مشددة) أو خفيفة (ساكنة).
القاعدة والتحليل
إذا باشرت نون التوكيد الفعل المضارع، فإن الحرف الأخير منه يُبنى على الفتح. وغالباً ما يقع هذا الفعل في جواب القسم لزيادة التأكيد.
شواهد وأمثلة
يمكننا استيعاب هذه القاعدة من خلال الأمثلة التالية:
- المثال الأول: "واللهِ لأُقاوِمَنَّ الفسادَ".
الفعل: "أقاومنَّ".
التحليل: الفعل هنا "أقاوم"، اتصلت به نون التوكيد الثقيلة لتوكيد العزم على مقاومة الفساد. نلاحظ أن حرف الميم (آخر الفعل) قد حُرك بالفتح (أقاومَـنَّ).
الإعراب: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والنون حرف توكيد لا محل له من الإعراب. - المثال القرآني: قال تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (سورة يوسف).
التحليل: في هذه الآية الكريمة اجتمع نوعا نون التوكيد.
1. "لَيُسْجَنَنَّ": اتصلت به نون التوكيد الثقيلة (المشددة)، فبُني الفعل على الفتح.
2. "لَيَكُونًا": اتصلت به نون التوكيد الخفيفة (التي رسمت تنويناً)، وبُني الفعل أيضاً على الفتح.
إن وجود نون التوكيد يخرج المضارع من حالة الرفع (التي هي الأصل) إلى حالة البناء على الفتح، مما يعطي للجملة قوة دلالية تؤكد وقوع الحدث في المستقبل بلا شك.
مقارنة بين المضارع المبني والمعرب
لكي يكتمل الفهم، يجب أن نضع "المضارع المبني" في مقابل "المضارع المعرب". فكما ذكرنا، يُبنى المضارع في الحالتين السابقتين فقط (اتصاله بنون النسوة أو نون التوكيد). أما فيما عدا ذلك، فإن الفعل المضارع يكون معرباً، وتتغير حالته كالآتي:
- الرفع: يرفع المضارع إذا لم يسبقه ناصب ولا جازم. علامة رفعه الضمة الظاهرة (مثل: يحبُ المؤمنُ الخيرَ) أو المقدرة، أو ثبوت النون في الأفعال الخمسة.
- النصب: ينصب إذا سبقته أداة نصب، وأدوات النصب هي: (أنْ، لن، كي، لام التعليل). وعلامة نصبه الفتحة أو حذف النون.
مثال: "اجتهدْ لتعيشَ سعيداً" (اللام هنا لام التعليل، والفعل منصوب). - الجزم: يجزم إذا سبقته أداة جزم، وهي: (لم، لا الناهية، لام الأمر). وعلامة جزمه السكون أو حذف حرف العلة أو حذف النون.
مثال: "لم يفرطْ المجاهدون في حقوق بلادهم".
هذه المقارنة توضح لنا أن "البناء" حالة خاصة واستثنائية للمضارع، تمنحه ثباتاً في الحركة (سكوناً أو فتحاً) بمعزل عن هذه العوامل الخارجية التي تؤثر في الأفعال المعربة.
تطبيقات عملية على المضارع المبني
لنطبق القواعد التي تعلمناها من خلال تحليل نماذج لغوية، لنتأكد من قدرتنا على تمييز المضارع المبني وإعرابه:
تمرين (1): استخرج الفعل المبني
الجملة: "الطبيبات يُعالِجْنَ المرضى بإخلاص".
- الفعل المضارع: يعالجن.
- حالته: مبني.
- سبب البناء: اتصاله بنون النسوة.
- علامة البناء: السكون.
تمرين (2): أدخل نون التوكيد
الجملة: "يدافع الجندي عن وطنه".
- عند توكيد الفعل وتغيير حالته إلى البناء، نقول: "واللهِ لَيُدافِعَنَّ الجنديُّ عن وطنه".
- أصبح الفعل "يدافعَنَّ" مبنياً على الفتح بعد أن كان مرفوعاً بالضمة.
تمرين (3): التفريق بين النونين
قارن بين الفعلين في الجملتين:
- "النساء يشاركْنَ في التنمية".
- "لأشاركَنَّ في التنمية".
في الجملة الأولى، الفعل "يشاركْنَ" مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة. أما في الجملة الثانية، الفعل "أشاركَنَّ" مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد. هذا التمييز الدقيق هو جوهر فهم باب المضارع المبني.
إن إدراك حالات المضارع المبني يمثل ركيزة أساسية في فهم النحو العربي. إنه الباب الذي يخرج فيه الفعل المضارع من تقلبات الإعراب إلى استقرار البناء، وذلك عند اتصاله بنون النسوة فيُبنى على السكون، أو بنون التوكيد فيُبنى على الفتح. من خلال هذه القواعد، نتمكن من ضبط ألسنتنا وأقلامنا، ونفهم الدلالات العميقة للنصوص التي نقرؤها، لا سيما النص القرآني الذي وظف هذه القواعد بأقصى درجات البلاغة والإعجاز.
