تشكل الجملة الفعلية النواة الحركية في لغتنا العربية، وتعتمد في بنائها على ركنين أساسيين: الفعل والفاعل. ولكن، عندما نغوص في أعماق البناء النحوي، نكتشف أن الأفعال تتباين في "قوتها النحوية" ومدى تأثيرها على الكلمات التي تليها. بعض الأفعال تكتفي بذاتها وبفاعلها لتكوين مشهد متكامل، بينما تشعر أفعال أخرى بالنقص والجوع، فلا يكتمل معناها إلا بافتراس "مفعول به" واحد أو أكثر. من هنا، ينبثق التقسيم الأكثر أهمية في علم النحو: الفعل اللازم والفعل المتعدي.
![]() |
| الدليل الشامل لإتقان قواعد الفعل اللازم والمتعدي في النحو العربي |
في هذا الدليل المعرفي الشامل، سنفكك شفرات هذين النوعين، ونضع بين يديك القواعد، والعلامات، والأسرار التي تمكنك من التفريق بينهما في لمح البصر، مع استعراض أقسامها ونماذج إعرابها بدقة متناهية.
ما هو الفعل اللازم؟ (التأصيل النحوي والدلالة)
الفعل اللازم هو الفعل القنوع الذي يكتفي برفع الفاعل لتكوين جملة مفيدة تامة المعنى، ولا يحتاج أبداً إلى نصب مفعول به. سُمي "لازماً" لأنه يلتزم حد الفاعل ولا يتعداه إلى غيره. عندما نستخدم فعلاً لازماً، فإن الحدث أو الفعل يقع من الفاعل ويستقر فيه، ولا يقع على شيء آخر خارجي.
لتوضيح ذلك، تأمل جملة: نامَ الطفلُ. هنا الفعل (نام) رفع الفاعل (الطفل)، واكتمل المعنى تماماً في ذهن السامع. نحن لا نحتاج إلى إضافة مفعول به لنفهم ماذا حدث. ومن أشهر الأفعال اللازمة في اللغة العربية التي تدل على السجايا والغرائز والطبائع والألوان والعيوب: (حَسُنَ، قَبُحَ، شَجُعَ، جَبُنَ، طالَ، قَصُرَ، حَمُرَ، اخْضَرَّ، عَرِجَ، مَرِضَ، قَعَدَ، جَلَسَ، ذَهَبَ).
ما هو الفعل المتعدي؟ (مفهوم التجاوز والتأثير)
على النقيض تماماً، نجد الفعل المتعدي. وهو الفعل القوي الذي لا يكتفي بالفاعل، بل يتجاوزه (يتعداه) ليوقع تأثيره على اسم منصوب يُسمى المفعول به، وذلك لإتمام معنى الجملة. بدون المفعول به، تظل الجملة المتعدية مبهمة ومعلقة، وتترك السامع في حيرة يتساءل عن بقية الحدث.
على سبيل المثال، إذا قلت: شَرِبَ المريضُ... وسكتَّ، فإن المعنى ناقص. سيتبادر إلى الذهن فوراً سؤال: ماذا شرب؟ هل شرب الماء؟ أم الدواء؟ أم العصير؟ لذلك يحتاج الفعل (شرب) إلى مفعول به ليُزيل الإبهام، فنقول: شَرِبَ المريضُ الدواءَ. هنا تجاوز الفعل حد الفاعل ونصب مفعولاً به.
طرق سحرية للتفريق بين الفعل اللازم والمتعدي بكل سهولة
يواجه الكثير من الدارسين والكُتّاب تحدياً في تحديد نوع الفعل داخل السياق. بصفتنا خبراء في بنية اللغة، نضع بين يديك اختبارين ذهبيين وحاسمين يقطعان الشك باليقين في ثوانٍ معدودة:
1. اختبار إضافة "هاء الغائب" (الضمير المتصل)
هذا هو المعيار الأقوى والأكثر شيوعاً عند النحاة. القاعدة تقول: الفعل المتعدي يقبل الاتصال بـ (هاء الغائب) التي تعود على المفعول به، بينما الفعل اللازم يرفضها تماماً ويفسد معناه إذا اتصلت به.
- تطبيق على فعل متعدٍ: نأخذ الفعل (كَتَبَ). هل نستطيع أن نقول (كَتَبَهُ)؟ نعم، المعنى مستقيم (الدرسُ كتبه الطالب). إذن هو فعل متعدٍ.
- تطبيق على فعل لازم: نأخذ الفعل (نامَ). هل نستطيع أن نقول (نامَهُ)؟ مستحيل، التركيب خاطئ لغوياً. إذن هو فعل لازم.
- أمثلة إضافية للقياس: ضَرَبَ (ضَرَبهُ - متعدٍ)، فَرِحَ (فَرِحَهُ - خطأ، فهو لازم)، سَمِعَ (سَمِعَهُ - متعدٍ)، خَرَجَ (خَرَجَهُ - خطأ، فهو لازم).
2. صياغة سؤال بـ "ماذا" (الاستفهام المباشر)
الفعل المتعدي دائماً ما يكون إجابة منطقية لسؤال يبدأ بـ "ماذا + الفعل + الفاعل". إذا كان السؤال منطقياً وله إجابة، فالفعل متعدٍ. وإذا كان السؤال ركيكاً ولا يصح، فالفعل لازم.
- الفعل (قَرَأَ): ماذا قرأ محمد؟ (قرأ محمد الكتاب). سؤال منطقي، إذن الفعل متعدٍ.
- الفعل (جَلَسَ): ماذا جلس محمد؟ سؤال غير منطقي ولا معنى له. إذن الفعل لازم.
أقسام الفعل المتعدي في اللغة العربية (التصنيف الشامل)
لا تتوقف قوة الأفعال المتعدية عند حد واحد، بل تتفاوت في قدرتها على نصب المفاعيل. تنقسم الأفعال المتعدية إلى ثلاثة أقسام رئيسية يجب الإلمام بها لإتقان الإعراب:
أولاً: أفعال تتعدى إلى مفعول به واحد (وهي الغالبية العظمى)
وهي الأفعال التي تكتفي بنصب مفعول به واحد ليتم معنى الجملة. وهذا القسم يضم آلاف الأفعال في لغة الضاد. من أمثلتها: (أَكَلَ، شَرِبَ، فَهِمَ، حَفِظَ، زَرَعَ، صَنَعَ، رَسَمَ).
مثال: حَفِظَ الطالبُ القصيدةَ. (القصيدة: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة).
ثانياً: أفعال تتعدى إلى مفعولين
وهنا ننتقل إلى مستوى أعلى من الأفعال، حيث يحتاج الفعل إلى مفعولين اثنين لكي يستقر المعنى. وينقسم هذا النوع بدوره إلى شقين دقيقين:
1. أفعال تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر (ظن وأخواتها):
هذه الأفعال تدخل على الجملة الاسمية (المبتدأ والخبر)، فتنسخ حكمهما، وتجعل المبتدأ مفعولاً به أول، والخبر مفعولاً به ثانياً. وتنقسم من حيث المعنى إلى:
- أفعال اليقين (تفيد التأكد الجازم): رأى (القلبية وليست البصرية)، عَلِمَ، وَجَدَ، دَرَى، أَلْفَى. مثال: وَجَدْتُ الصبرَ مفتاحاً للفرج. (الصبرَ: مفعول به أول، مفتاحاً: مفعول به ثانٍ. وأصلهما: الصبرُ مفتاحٌ).
- أفعال الرجحان (تفيد الشك مع الميل لليقين): ظَنَّ، حَسِبَ، زَعَمَ، خَالَ، عَدَّ. مثال: ظَنَّ التلميذُ الامتحانَ سهلاً.
- أفعال التحويل (تفيد تحول الشيء من حالة لأخرى): جَعَلَ، صَيَّرَ، اتَّخَذَ، رَدَّ، تَرَكَ. مثال: جَعَلَ النجارُ الخشبَ باباً.
2. أفعال تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر (أفعال المنح والمنع):
هذه الأفعال تُعطي وتأخذ، وتعمل في اسمين لا يصح أن يشكلا بمفردهما جملة اسمية. من أشهرها: (أَعْطَى، مَنَحَ، وَهَبَ، كَسَا، أَلْبَسَ، مَنَعَ، سَأَلَ).
- مثال: كَسَا الربيعُ الأرضَ خضرةً. (الأرضَ: مفعول به أول، خضرةً: مفعول به ثانٍ). لو حذفنا الفعل والفاعل وقلنا "الأرضُ خضرةٌ"، المعنى غير مستقيم كمبتدأ وخبر، وهذا هو الفرق الجوهري عن القسم السابق.
ثالثاً: أفعال تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل
هذا هو أقصى درجات التعدي في اللغة العربية، حيث يبلغ الفعل من القوة ما يجعله ينصب ثلاثة مفاعيل متتالية لإيصال فكرة مركبة. هذه الأفعال محصورة ومعدودة، وهي: (أَرَى، أَعْلَمَ، أَنْبَأَ، نَبَّأَ، أَخْبَرَ، خَبَّرَ، حَدَّثَ).
مثال تطبيقي: أَعْلَمَ القائدُ الجنودَ المعركةَ قريبةً.
- الجنودَ: مفعول به أول منصوب.
- المعركةَ: مفعول به ثانٍ منصوب.
- قريبةً: مفعول به ثالث منصوب.
كيف نحول الفعل اللازم إلى فعل متعدٍ؟ (أسرار التعدية)
تتميز اللغة العربية بمرونة صرفية مذهلة. يمكنك بلمسات بسيطة على بنية الفعل اللازم أن تحوله إلى فعل متعدٍ يمتلك القدرة على نصب المفاعيل. يُعرف هذا في علم الصرف والنحو بـ "أسباب التعدية"، وأهمها ثلاث طرق:
1. التعدية بزيادة الهمزة (همزة التعدية)
تتم بإضافة همزة قطع في أول الفعل الماضي اللازم، فيتحول وزنه من (فَعَلَ) إلى (أَفْعَلَ).
- الفعل اللازم: خَرَجَ زيدٌ.
- الفعل المتعدي: أَخْرَجَ الحارسُ زيداً. (أضفنا الهمزة فاحتاج الفعل إلى مفعول به وهو "زيداً").
- أمثلة أخرى: جَلَسَ (أَجْلَسَ)، حَضَرَ (أَحْضَرَ)، نَزَلَ (أَنْزَلَ).
2. التعدية بالتضعيف (تشديد عين الفعل)
ويقصد بها تضعيف الحرف الأوسط من الفعل (تشديده)، فيتحول وزنه من (فَعَلَ) إلى (فَعَّلَ).
- الفعل اللازم: فَرِحَ الناجحُ.
- الفعل المتعدي: فَرَّحَ المعلمُ الناجحَ. (التضعيف هنا نقل الفعل لحالة التعدي فنصب مفعولاً به).
- أمثلة أخرى: صَعُبَ (صَعَّبَ)، كَرُمَ (كَرَّمَ)، نَزَلَ (نَزَّلَ).
3. التعدية بحروف الجر (الجار والمجرور)
وهي طريقة يتوصل بها الفعل اللازم إلى المفعول به عن طريق حرف جر. ويُسمى المجرور هنا "مفعولاً به غير صريح".
- المثال الأول: ذَهَبْتُ بمحمدٍ. (الباء حرف جر، ومحمد اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً لأنه مفعول به غير صريح للفعل ذهب). وتساوي في المعنى (أذهبتُ محمداً).
- المثال الثاني: رَغِبْتُ عن الشيءِ (بمعنى تركته)، ورَغِبْتُ في الشيءِ (بمعنى أردته).
نماذج إعرابية تطبيقية لا غنى عنها
لترسيخ هذه المفاهيم، لا بد من التطبيق الإعرابي. إليك نماذج معربة بالتفصيل لتكون مرجعاً دقيقاً لك:
النموذج الأول: (فعل لازم) - طارَ العصفورُ عالياً.
- طارَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح الظاهر على آخره (وهو فعل لازم).
- العصفورُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
- عالياً: ظرف مكان (أو مفعول مطلق نائب عن المصدر) منصوب وعلامة نصبه الفتحة. (لاحظ أنه لا يوجد مفعول به).
النموذج الثاني: (فعل متعدٍ لمفعولين) - أَعْطَى الغنيُّ الفقيرَ مالاً.
- أَعْطَى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر (وهو فعل متعدٍ لمفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر).
- الغنيُّ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
- الفقيرَ: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
- مالاً: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
النموذج الثالث: (فعل لازم متعدٍ بالهمزة) - أَسْعَدَ الخبرُ الأمةَ.
- أَسْعَدَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح (مزيد بالهمزة للتعدية، أصله سَعِدَ).
- الخبرُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
- الأمةَ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
إن إدراك الفروق الدقيقة بين الفعل اللازم والمتعدي ليس مجرد ترف أكاديمي، بل هو المفتاح الحقيقي لفهم تركيب الجملة العربية، وصياغة نصوص قوية، متماسكة، وخالية من الركاكة. من خلال تطبيق اختباري "هاء الغائب" و"ماذا"، ومعرفتك بآليات التعدية بالهمزة والتضعيف، ستصبح قادراً على تشريح أي نص عربي، واستخراج مفاعيله بدقة المكتشف ومهارة الخبير اللغوي.
