يُعد أسلوب الاستفهام واحداً من أكثر الأساليب البلاغية حيوية وتأثيراً في اللغة العربية. فهو البوابة التي يعبر منها المتكلم من دائرة "الإخبار" إلى فضاء الإنشاء الطلبي الرحب. ورغم أن التعريف المنطقي للاستفهام هو "طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً من قبل"، إلا أن الدراسات البلاغية العميقة تكشف لنا أن هذا الأسلوب نادراً ما يتوقف عند وظيفته المعرفية الساذجة في النصوص الأدبية الراقية.
![]() |
| أسلوب الاستفهام في البلاغة العربية: أدواته وأسراره البلاغية |
بل يتحول إلى أداة طيعة في يد البليغ، يُشكلها كيف يشاء ليعبر عن الألم، أو الفخر، أو الإنكار، أو التشويق، متجاوزاً بذلك حدود السؤال والجواب إلى آفاق المعاني النفسية والشعورية.
أدوات الاستفهام ودلالاتها اللغوية
لفهم أسلوب الاستفهام، يجب أولاً الإحاطة بأدواته التي وضعها أهل اللغة. تنقسم هذه الأدوات إلى قسمين رئيسيين: الحروف (وهما الهمزة وهل) والأسماء (بقية الأدوات). ولكل أداة دلالة خاصة وموضع لا يسده غيرها:
-
1. (ما) لغير العاقل:
تستخدم للسؤال عن حقيقة الشيء أو صفته، وعادة ما يكون المسؤول عنه غير عاقل. وقد ورد في القرآن الكريم خروجها للسؤال عن "الصفة" أو "الماهية" حتى في حق الذات الإلهية كما في حكاية فرعون: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}، حيث لم يسأل عن الذات بل عن الصفة والماهية، لأنه كان جاحداً بوجود إله غيره.
-
2. (مَنْ) للعاقل:
تختص بالسؤال عن الجنس العاقل. ومن شواهدها قوله تعالى: {فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى}.
-
3. (أيّ) للتمييز:
تستخدم لطلب تعيين أحد المتشاركِينَ في أمر ما، وتمييزه عن غيره. كما في قوله تعالى: {أَيُّكُم يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا}.
-
4. (كم) للعدد:
يُسأل بها عن الكمية أو العدد، كقوله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ}.
-
5. (كيف) للحال:
تختص بالسؤال عن الهيئة والحال. ومنه قوله تعالى: {فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.
-
6. (أين) للمكان:
أداة ظرفية تستفهم عن الموقع والمكان.
-
7. (أنّى):
تأتي بمعانٍ متعددة حسب السياق، فقد تكون بمعنى "كيف" كما في قوله تعالى: {أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}، وقد تكون بمعنى "من أين" كما في قوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا}.
-
8. (متى) و(أيّان) للزمان:
تستخدم "متى" للزمان مطلقاً، أما "أيّان" فتختص بالزمان المستقبل، وتستعمل غالباً في مواضع التفخيم والتهويل، مثل السؤال عن يوم القيامة: {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ}.
الأغراض البلاغية للاستفهام (خروجه عن مقتضى الظاهر)
في المقامات الأدبية والقرآنية، كثيراً ما ينسلخ الاستفهام عن معناه الأصلي (طلب المعرفة). فالمتكلم قد يكون عالماً بالجواب، لكنه يطرح السؤال لغرض بلاغي ونفسي يؤثر في السامع. وفيما يلي تفصيل لأهم هذه الأغراض:
1. النفي
يخرج الاستفهام للنفي إذا صحت إقامة أداة النفي (مثل "لا" أو "ما" أو "ليس") مقام أداة الاستفهام واستقام المعنى. والغرض هنا هو نفي الحكم بأسلوب يثير الانتباه.
المثال: قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}. المعنى: ما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
وقول الشاعر:
هل الدهرُ إلا غمرةٌ وانجلاؤها ... وشيكاً وإلا ضيقةٌ وانفراجها؟
2. الإنكار
ويكون عندما ينصب السؤال على فعل لا يرتضيه المتكلم، ويقصد به استقباح الفعل وتوبيخ فاعله، سواء كان إنكاراً للتكذيب (بمعنى هذا لم يقع) أو للتوبيخ (بمعنى هذا وقع وكان لا ينبغي أن يقع).
المثال: قوله تعالى موبخاً عبدة الأصنام: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ}. الاستنكار هنا ينصب على فعل العبادة لشيء مصنوع باليد.
3. التقرير
الغرض منه حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بما يعرفه، وغالباً ما يأتي الاستفهام التقريري متبوعاً بنفي (الاستفهام المنفي).
المثال: قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، وقول جرير مفتخراً: "أَلَسْتُمْ خَيرَ مَن رَكِبَ المَطَايَا...". فهو لا يسألهم إن كانوا خيراً أم لا، بل يقرر حقيقة فضلهم ويحملهم على الاعتراف بها.
4. التعظيم
يستخدم لرفع شأن المسؤول عنه وإظهار عظمته أو قوته، بحيث يبدو وكأنه شيء تفوق صفاته حدود الإحاطة.
المثال: قول الشاعر:
أَضَاعُوني وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا ... لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ؟
فالسؤال بـ "أي فتى" هنا ليس للتعيين، بل لتفخيم شأن الفتى المُضَاع.
5. التحقير
عكس التعظيم، حيث يهدف السؤال إلى التقليل من شأن المسؤول عنه والاستهانة به.
المثال: قول المتنبي في معرض الهجاء أو التهديد:
مَنْ لِلْمَحَافِلِ وَالْجَحَافِلِ وَالسُّرَى ... فَقَدَتْ بِفَقْدِكَ نَيِّراً لَا يَطْلُعُ؟
وكذلك قول الشاعر مهدداً خصمه ومقللاً من شأن وعيده:
فَدَعِ الْوَعِيدَ فَمَا وَعِيدُكَ ضَائِرِي ... أَطَنِينُ أَجْنِحَةِ الذُّبَابِ يَضِيرُ؟
6. التوبيخ والتقريع
يحمل معنى اللوم الشديد والتأنيب على فعل مذموم أو قول غير لائق.
المثال: قول الشاعر:
أَتَعُدُّ مَآثِرَ لِغَيْرِكَ فَخْراً ... وَسَنَاؤُهَا فِي سَالِفِ الْأَزْمَانِ؟
7. التعجب
عندما يثير الأمر الدهشة والاستغراب، يخرج الاستفهام لغرض التعجب.
المثال: قول كُثَيِّر عزة:
فَيَا عَجَبًا لِلْقَلْبِ كَيْفَ اعْتِرَافُهُ ... وَلِلنَّفْسِ لِمَا وُطِّنَتْ كَيْفَ ذَلَّتِ؟
وكذلك قول المتنبي مخاطباً الحمى: "أَبِنْتَ الدَّهْرِ عِنْدِي كُلُّ بِنْتٍ ... فَكَيْفَ وَصَلْتِ أَنْتِ مِنَ الزِّحَامِ؟"
8. التمني
يستخدم عندما يكون المطلوب شيئاً محبوباً ولكنه متعذر الحصول أو بعيد المنال، فيأتي الاستفهام تعبيراً عن الرغبة المستحيلة.
المثال: قوله تعالى على لسان الكفار: {فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا}. هم يعلمون أنه لا شفعاء، ولكنهم يتمنون.
9. التحسر
يأتي الاستفهام لإظهار الحزن والأسى على ما فات أو على واقع مرير.
المثال: قول البارودي في رثاء زوجته:
هَلْ بِالطُّلُولِ لِسَائِلٍ رَدُّ ... أَمْ هَلْ لَهَا بِتَكَلُّمٍ عَهْدُ؟
10. الاستبطاء
عندما يطول انتظار أمر مرجو، يستخدم الاستفهام للتعبير عن نفاد الصبر واستبطاء وقوع الحدث.
المثال: قول البهاء زهير في الشوق:
يَا أَنْعَمَ النَّاسِ بَالاً إِلىَ مَتَى ... فِيكَ أَشْقَى؟
وكذلك قوله: "وَحَتَّامَ أَبْقَى فِي الْعَذَابِ وَأَمْكُثُ؟"
11. التشويق
الغرض منه إثارة فضول المخاطب وشد انتباهه لمعرفة الجواب، وغالباً ما يكون الجواب فيه خير عظيم.
المثال: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.
إن دراسة أسلوب الاستفهام في البلاغة العربية تكشف لنا عن مرونة هذه اللغة وقدرتها الفائقة على تصوير الدقائق النفسية. فالأدوات التي وضعت في الأصل لطلب العلم، تحولت بفضل السياق والقرائن إلى أدوات فنية تعبر عن التعظيم، والتحقير، واليأس، والأمل. ولا يدرك هذه المعاني إلا من أوتي حظاً من الذوق الأدبي وتأمل في سياقات الكلام ومقاماته.
