يُعد أسلوب التقديم والتأخير أحد أدق أبواب البلاغة العربية وأكثرها دلالة على براعة المتكلم وتمكنه من ناصية البيان. إنه ليس مجرد تلاعب بمواقع الكلمات داخل الجملة، أو تغيير عشوائي في رتب الألفاظ، بل هو قانون صارم يحكمه "الذوق البلاغي" وتفرضه مقتضيات المعنى.
![]() |
| أسلوب التقديم والتأخير: هندسة المعاني في البلاغة العربية |
إن القاعدة الذهبية التي تحكم هذا الأسلوب، كما استقرأها علماء البلاغة، هي أن اللفظ "يُقَدَّم في الحية ذو الأهمية". فترتيب الكلمات في الجملة العربية ليس قالباً جامداً، بل هو مرآة تعكس ترتيب المعاني في نفس المتكلم، فما يسبق إلى الخاطر ويملأ النفس بالأهمية، يسبق إلى اللسان بالذكر.
القانون العام: الأهمية هي المعيار
في الأساليب التعبيرية العربية، يجري هذا القانون مجرى الدم في العروق: التقديم للأهمية. فعندما يختار البليغ أن يقدم الفاعل، أو المفعول، أو الجار والمجرور، عن مكانهم الأصلي في النحو، فإنه يفعل ذلك لغرض دقيق يتعلق بتسليط الضوء على هذا العنصر المقدم. وسنستعرض في المحاور التالية الأغراض الرئيسية لهذا الأسلوب كما تتجلى في النصوص القرآنية والشعرية الرفيعة.
الأغراض البلاغية للتقديم والتأخير
1. التخصيص والحصر (في الجار والمجرور)
من أبرز أغراض التقديم، خاصة عند تقديم الجار والمجرور أو الظرف على عامله، هو إفادة "التخصيص" أو "الحصر". ويعني ذلك قصر الحكم على المقدم ونفيه عما سواه.
لنتأمل قوله تعالى: {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}. الأصل في التركيب غير القرآني (تصير الأمور إلى الله)، لكن تقديم الجار والمجرور {إلى الله} أفاد أن مصير الأمور ومرجعها هو إلى الله وحده دون غيره. وكذلك في قوله: {لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ}، فتقديم "له" يفيد أن الملك والحمد مقصوران عليه سبحانه، لا يشاركه فيهما أحد حقيقة.
ومن الشواهد الشعرية البليغة على ذلك قول أبي فراس الحمداني:
"إلى اللهِ أشكُو أننا بِمنازلٍ ... تَحكّمَ في آسادِهِنَّ كِلابُ"
لقد قدم الشاعر "إلى الله" على الفعل "أشكو" لبيان أن شكواه لا تتوجه إلا للخالق، وفيه إعراض عن شكوى الناس، وهو ما يتناسب مع عزة نفس الشاعر ومقامه.
2. تقوية الحكم وتقريره
يأتي التقديم أحياناً لغرض تثبيت المعنى في ذهن السامع ونفي الشك عنه، خاصة في سياق النفي أو الإثبات العقدي.
انظر إلى الدقة المتناهية في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ}. نلاحظ هنا تقديم "بربهم" على الفعل "لا يشركون". هذا التقديم ليس عبثياً، بل جاء لتأكيد نفي الإشراك بالله تحديداً. فلو قال "لا يشركون بربهم" لكان نفياً عاماً، لكن تقديم "بربهم" يصب التركيز على "المُشْرَك به" المنفي، وهو ما يعطي قوة للنص في تنزيه المؤمنين عن الشرك بربهم.
3. الاهتمام بالمقدم والتعجب
قد يكون الغرض من التقديم هو إبراز الاهتمام باللفظ المقدم لغرابته أو للتعجب منه، أو لبيان انصباب المعنى عليه.
مثال ذلك قوله تعالى حكاية عن قوم إبراهيم: {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ}. في هذا التركيب، قُدم الوصف "راغب" (وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل) على الضمير "أنت" (الفاعل). السر البلاغي هنا هو أن "الرغبة عن الآلهة" (أي تركها) هو الأمر المثير للتعجب والإنكار لدى القوم، فكان هو الأهم، ولذلك بدأوا به قبل ذكر الفاعل "أنت". فالانصراف عن الآلهة هو محور الحدث ومناط الإنكار.
4. مراعاة سياق النفي والإنكار (دقة الموضع)
ينبهنا البلاغيون إلى نقطة دقيقة جداً تتعلق بموقع أدوات مثل "غير" أو الهمزة في سياق التقديم. فكل همزة استفهام في معناها أو غيره كالتعجب والإنكار، إذا وليها الفعل كان هو المقصود بالمعنى، وإن وليها الاسم كان هو المقصود.
ففي قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا}، قُدم المفعول به "غير الله" على الفعل "أبغي". والإنكار هنا منصب على اتخاذ "غير الله" رباً، وليس على فعل "البغاء" (الطلب) نفسه. فلو قال "أأبغي غير الله" لكان الإنكار منصباً على الفعل، ولكن لما كان المستنكر هو المفعول (غير الله)، وجب تقديمه ليتسلط عليه الإنكار مباشرة.
تطبيقات وتحليلات من التراث الأدبي
يزخر الشعر العربي والنثر الفني بنماذج تطبيقية تظهر كيف يتلاعب الأدباء بترتيب الكلمات لصياغة المعنى الدقيق:
أ. تقديم الظرف والجار والمجرور
في قول ابن نباتة:
"وَلِي هِمَّةٌ لا تَطْلُبُ المَالَ لِلغِنَى ... وَلَكِنَّهَا مِنْكَ المَوَدَّةَ تَطْلُبُ"
في الشطر الأول قدم "لي" (الجار والمجرور) على المبتدأ "همة" للاختصاص والاعتزاز. وفي الشطر الثاني قدم "منك" و"المودة" على الفعل "تطلب" لحصر الطلب في الممدوح وقصر المطلوب على المودة دون المال.
ب. تقديم المفعول به
في قول الشاعر:
"إِنِّي افْتَجَعْتُ العَبَّاسَ مُمْتَدِحاً ... وَسَيْلَتِي جُودُهُ وَأَشْعَارِي"
نلاحظ هنا التقديم والترتيب الذي يخدم غرض المدح وإظهار الفاجعة.
ج. التقديم في سياق الشكوى
في قول أبي الطيب المتنبي:
"وَمِنْ نَكَدِ الأَيَّامِ عَلَى الحُرِّ ... أَنْ يَرَى عَدُوّاً لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ"
بدأ المتنبي بـ "ومن نكد الأيام" (الخبر المقدم) قبل "أن يرى" (المبتدأ المؤخر المصدر المؤول)، وذلك لتسليط الضوء على حجم المعاناة والنكد أولاً، ولتشويق السامع لمعرفة سبب هذا النكد.
د. التقديم للتعظيم أو التهويل
في قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا}، قُدم الجار والمجرور "مما خطيئاتهم" (وأصل "ما" هنا زائدة للتوكيد) لبيان أن السبب الرئيسي والوحيد لهذا العقاب الشديد هو خطاياهم، وفيه تحذير وتهويل من عاقبة الذنوب.
خلاصة القول
إن أسلوب التقديم والتأخير يثبت أن النحو والبلاغة وجهان لعملة واحدة. فالنحو يحدد الوظيفة (فاعل، مفعول، خبر)، بينما البلاغة تحدد الموقع (مقدم، مؤخر) بناءً على الحالة النفسية للمتكلم والغرض الذي يرمي إليه. وسواء كان الغرض هو التخصيص والحصر، أو التعظيم، أو مجرد العناية والاهتمام، فإن كل كلمة تتقدم عن موضعها تحمل رسالة إضافية لا يمكن للمعنى أن يكتمل بدونها.
