أهلاً بكم أيها الطلاب النجباء والزملاء المعلمون في رحلة لغوية ممتعة. هل تساءلت يوماً لماذا نقول عن الشخص "كريم" ولا نقول "كارِم"؟ ولماذا نستخدم "أحمر" للون بدلاً من "حامِر"؟ إن اللغة العربية، لغة الدقة والجمال، تفرق ببراعة بين الحدث العابر والصفة الثابتة الراسخة. هنا يبرز دور الصفة المشبة باسم الفاعل، ذلك المبحث النحوي الذي يُعطي للوصف ثباتاً وخلوداً.
![]() |
| الصفة المشبة باسم الفاعل | صياغتها، عملها، وأسرارها البلاغية |
في هذا المقال المطول، سنشرح لكم بأسلوب أكاديمي مبسط وشامل كل ما يتعلق بالصفة المشبة، مستلهمين القواعد الأصيلة، لننتقل من مجرد الحفظ إلى الفهم العميق والتذوق اللغوي الرفيع. دعونا نبدأ.
أولاً: مفهوم الصفة المشبة.. لماذا سُميت بهذا الاسم؟
الصفة المشبة هي اسم يُصاغ من الفعل الثلاثي اللازم (الفعل الذي يكتفي بفاعله ولا يحتاج لمفعول به)، والغرض منها هو الدلالة على مَن قام به الفعل أو اتصف به، ولكن على وجه الثبوت والدوام، لا على وجه التجدد والحدوث.
لماذا سُميت "مشبهة"؟
سُميت بذلك لأنها تُشبه اسم الفاعل في عدة أمور:
- تشبهه في دلالتها على "الحدث" و"صاحبه".
- تشبهه في أنها تقبل التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع.
- والأهم، أنها تشبهه في العمل، فهي ترفع فاعلاً كما يرفع اسم الفاعل فاعله (كما سنوضح في قسم الإعراب).
لكن الفارق الجوهري هو "الزمن"؛ فاسم الفاعل يدل على صفة طارئة (مثل: "ضارب" تدل على الضرب الآن أو غداً)، أما الصفة المشبة فتدل على صفة ملازمة لصاحبها (مثل: "طويل"، فالطول صفة لا تتغير بين عشية وضحاها).
ثانياً: أوزان الصفة المشبة وصياغتها القياسية
إن صياغة الصفة المشبة تعتمد بشكل كبير على "السماع" عن العرب، ولكن علماء الصرف وضعوا ضوابط تقريبية لتسهيل الأمر على الدارسين، خاصة للأفعال الثلاثية. ويمكننا تقسيم هذه الأوزان بناءً على المعنى الذي تدل عليه الصفة:
1. ما دلَّ على فرح أو حزن أو مشاعر داخلية (وزن فَعِل)
إذا كان الفعل يدل على شعور نفسي متجدد أو حالة باطنية، تأتي الصفة المشبة غالباً على وزن (فَعِل) بكسر العين. ومن أمثلتها:
- طَرِبَ: فهو طَرِبٌ (تدل على خفة وهزة تصيب الإنسان من الفرح أو الحزن).
- فَرِحَ: فهو فَرِحٌ.
- سَئِمَ: فهو سَئِمٌ (بمعنى ضجر وملول).
- ضَجِرَ: فهو ضَجِرٌ.
- حَذِرَ: فهو حَذِرٌ (من الحذر واليقظة).
2. ما دلَّ على لون أو عيب أو حِلية (وزن أَفْعَل)
هذا الوزن من أشهر أوزان الصفة المشبة وأكثرها استخداماً في الوصف الظاهري. وتكون الصياغة كالتالي:
- للمذكر: على وزن (أَفْعَل).
- للمؤنث: على وزن (فَعْلاء).
- للجمع: على وزن (فُعْل).
أمثلة تطبيقية:
- في الألوان: خَضِرَ الزرعُ، فهو أخضر، والأرض خضراء، والجمع خُضْر. (وكذلك: أحمر/حمراء، أبيض/بيضاء، أسود/سوداء).
- في العيوب (خلقة جسدية): عَوِرَ، فهو أعور، وهي عوراء، وهم عُور. (وكذلك: أعرج/عرجاء، أعمى/عمياء).
- في الحلية (الجمال): كَحِلَ، فهو أكحل، وهي كحلاء. (وكذلك: أدعج/دعجاء).
3. ما دلَّ على خلوّ أو امتلاء (وزن فَعْلان)
تختص اللغة العربية بهذا الوزن لوصف الحالات الجسدية العارضة التي تدل على امتلاء الجوف أو فراغه. وتكون الصياغة:
- للمذكر: على وزن (فَعْلان).
- للمؤنث: على وزن (فَعْلى) (ممنوع من الصرف).
أمثلة تطبيقية:
- في الخلوّ (الفراغ): عَطِشَ، فهو عَطْشان، وهي عَطْشى. (وكذلك: ظمآن/ظمأى، جَوْعان/جَوْعى).
- في الامتلاء: شَبِعَ، فهو شَبْعان، وهي شَبْعى. (وكذلك: رَيَّان/رَيَّا، غَضْبان/غَضْبى - لأن الغضب امتلاء الصدر بالغيظ).
4. أوزان السجايا والطباع (الأوزان السماعية)
إذا كان الفعل الثلاثي لازماً ودل على طبع أصيل أو صفة أخلاقية أو جسدية عامة، فإن الصفة المشبة تأتي على أوزان متعددة تُعرف بالسماع، وأشهرها:
- فَعِيل: مثل: كَرُمَ فهو كريم، بَخُلَ فهو بخيل، قَصُرَ فهو قصير، طَالَ فهو طويل. (وهذا الوزن هو الأكثر شيوعاً في الصفات العامة).
- فَعْل: مثل: شَهُمَ فهو شَهْم، سَهُلَ فهو سَهْل، صَعُبَ فهو صَعْب.
- فُعَال: مثل: شَجُعَ فهو شُجاع.
- فَعَال: مثل: جَبُنَ فهو جَبَان.
- فَعَل: مثل: حَسُنَ فهو حَسَن، بَطُلَ فهو بَطَل.
قاعدة ذهبية للتفريق:
قد يأتي اسم الفاعل والصفة المشبة من نفس الفعل، والفيصل هو المعنى:
إذا قلت: "محمدٌ طاهرُ القلبِ" (صفة ثابتة) -> فهي صفة مشبهة.
إذا قلت: "محمدٌ طاهرٌ غداً" (بمعنى سيتطهر) -> فهنا تعامل معاملة اسم الفاعل.
كما أن كل ما جاء من الفعل الثلاثي بمعنى اسم الفاعل وكان وزنه مغايراً لوزن (فاعل)، فهو صفة مشبهة، مثل: "سيِّد" (من ساد يسود) و "مَيِّت" (من مات يموت).
ثالثاً: عمل الصفة المشبة (الإعراب التطبيقي)
هذا الجزء هو "قلب" الدرس النحوي، وهو ما يُسأل عنه الطلاب غالباً في الامتحانات. الصفة المشبة تعمل عمل فعلها (اللازم)، فترفع الفاعل. ولكن الاسم الذي يأتي بعدها (ويسمى المعمول) له ثلاثة أحوال إعرابية، وتتغير هذه الأحوال بحسب شكل الكلمة (معرفة بـ أل، نكرة، أو مضافة لضمير).
الحالة الأولى: الرفع (أن يكون فاعلاً)
يُعرب الاسم الواقع بعد الصفة المشبة فاعلاً مرفوعاً في حالتين:
- إذا كان مضافاً إلى ضمير يعود على الموصوف.
- إذا قُصد إسناد الصفة إليه إسناداً حقيقياً.
مثال: "رأيتُ رجلاً طَرِباً صوتُهُ".
- طَرِباً: صفة (نعت) لـ "رجلاً" منصوبة، وهي صفة مشبهة.
- صوتُهُ: فاعل للصفة المشبة مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. (لأن الطرب وقع حقيقة في الصوت).
الحالة الثانية: النصب (على التشبيه بالمفعول به أو التمييز)
وهذه حالة دقيقة، ولها صورتان:
- النصب على التمييز: إذا كان الاسم بعدها نكرة.
مثال: "محمدٌ حَسَنٌ خلقاً".
خلقاً: تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة. (لأننا ميزنا جهة الحسن). - النصب على التشبيه بالمفعول به: إذا كان الاسم معرفاً بـ (أل).
مثال: "محمدٌ الحَسَنُ الوجهَ".
الوجهَ: شبيه بالمفعول به منصوب (وهو مصطلح خاص بالصفة المشبة لأن فعلها لازم لا ينصب مفعولاً به حقيقياً، فشبهوه بالمفعول به في اللفظ).
الحالة الثالثة: الجر (بالإضافة)
وهي الحالة الأكثر شيوعاً في الكلام، وتفيد التخصيص.
مثال: "هذا رجلٌ حَسَنُ الصوتِ".
- حَسَنُ: خبر مرفوع (وهو صفة مشبهة)، وهو مضاف.
- الصوتِ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
- فيه ضمير (صوتُهُ) ⬅ فاعل مرفوع.
- نكرة منونة (صوتاً) ⬅ تمييز منصوب.
- معرف بـ أل ومجرور (الصوتِ) ⬅ مضاف إليه.
- معرف بـ أل ومنصوب (الصوتَ) ⬅ شبيه بالمفعول به.
رابعاً: مقارنة هامة بين اسم الفاعل والصفة المشبة
لإزالة أي لبس، نضع لكم هذا الجدول الذهني للمقارنة:
| وجه المقارنة | اسم الفاعل | الصفة المشبة |
|---|---|---|
| الفعل المُصَاغ منه | من اللازم والمتعدي. | من اللازم فقط (في الغالب). |
| الدلالة الزمنية | يدل على الحدوث والتجدد (مؤقت). | تدل على الثبوت والدوام (مستمر). |
| الوزن | قياسي (فاعل) من الثلاثي. | سماعية في الغالب (أفعل، فعلان، فعيل..). |
| الإضافة | يجوز إضافته لمفعوله. | تضاف إلى فاعلها في المعنى. |
نصيحة تربوية
إن دراسة الصفة المشبة باسم الفاعل ليست ترفاً لغوياً، بل هي ضرورة لكل من يريد أن يمتلك ناصية التعبير الدقيق. تذكر عزيزي الطالب، أن النحو العربي هو "علم المعاني" قبل أن يكون "علم الحركات". عندما تختار أن تصف شخصاً بـ "عظيم" (صفة مشبهة) بدلاً من "عاظِم" (اسم فاعل)، فأنت تمنحه صفة العظمة المطلقة التي لا تنفك عنه.
نأمل أن يكون هذا الشرح قد أزال الغموض ووضح الفروق الدقيقة. ندعوكم لتطبيق هذه القواعد في كتاباتكم ومحادثاتكم، فاللغة تحيا بالاستعمال، وتزهو بالفهم الصحيح.
