تعتبر الأفعال المحرك الرئيسي للجملة العربية، فهي التي تبث الحياة في الأسماء وتحدد زمن وقوع الأحداث. وبينما تتغير أزمان الأفعال بين ماضٍ ومضارع وأمر، يظل الفعل الماضي صاحب المكانة الأبرز في السرد وتوثيق الوقائع التي انقضت. وكثيراً ما يجد الدارسون للغة العربية أنفسهم أمام تساؤلات جوهرية حول ضبط آخر هذا الفعل: متى نضع الفتحة؟ ومتى يلزمنا السكون؟ وهل حقاً يُبنى الفعل الماضي على الضم؟.
![]() |
| بناء الفعل الماضي في النحو- الفتح والضم والسكون مع الأمثلة |
إن فهم "بناء الفعل الماضي" ليس مجرد حفظ لقواعد جامدة، بل هو استيعاب للموسيقى اللغوية التي تحكم اتصال الضمائر بالأفعال. في هذا المرجع الشامل، سنقوم بتفكيك حالات بناء الفعل الماضي تفكيكاً دقيقاً، مستعرضين كل حالة بالأدلة والأمثلة، وموضحين الفروق الدقيقة بين الضمائر المتشابهة التي قد تغير الحركة الإعرابية للفعل، وذلك لضمان إتقانك التام لهذا الباب النحوي الهام.
أولاً: حقيقة الفعل الماضي ومفهوم البناء
قبل أن نتطرق إلى العلامات، يجب أن نرسخ مفهوماً أساسياً ورد في القواعد النحوية، وهو أن الفعل الماضي يدل على "عمل تمّ في الزمن الماضي". ومن أمثلة ذلك قولنا: (عادَ الجيشُ منتصراً) أو (نزلَ القرآنُ باللغة العربية). هذا الزمن المنقضي يمنح الفعل ثباتاً في المعنى، ويقابله ثبات في الشكل الإعرابي.
لماذا نقول "مبني"؟
في النحو العربي، تنقسم الكلمات إلى "معربة" (تتغير حركة آخرها بتغير موقعها) و"مبنية" (تلزم حركة واحدة لا تتغير). الفعل الماضي ينتمي حصرياً إلى فئة المبنيات. فلا يمكن للفعل الماضي أن يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجزوماً، بل هو دائماً "فعل ماضٍ مبني". ومع ذلك، فإن "علامة البناء" نفسها قد تختلف بناءً على "الضيوف" الذين يدخلون على الفعل، ونقصد بهم الضمائر المتصلة.
ثانياً: حالات بناء الفعل الماضي الثلاث
يتحرك آخر الفعل الماضي بين ثلاث حركات بناء رئيسية، وهي: الفتح (وهو الأصل)، والسكون، والضم. وفيما يلي تفصيل دقيق لكل حالة:
1. البناء على الفتح (الحالة الأصلية)
الأصل في الفعل الماضي أن يكون مبنياً على الفتح، وهي الحالة الأكثر شيوعاً وخفة في النطق. ويبقى الفعل على هذا الأصل في الحالات التالية:
أ- إذا لم يتصل به شيء (التجرد):
عندما يأتي الفعل الماضي مجرداً من أي ضمير، تظهر الفتحة واضحة على آخره (إذا كان صحيح الآخر).
أمثلة توضيحية:
- كتَبَ: (كتبَ الطالبُ الدرس). نلاحظ الفتحة على حرف الباء.
- نصَرَ: (نصرَ اللهُ عباده). الفتحة ظاهرة على الراء.
- أقبَلَ: (أقبلَ الصبح).
ب- إذا اتصلت به "تاء التأنيث":
تاء التأنيث هي حرف ساكن يُزاد في آخر الفعل للدلالة على أن الفاعل مؤنث، وهي ليست ضميراً ولا تؤثر في بناء الفعل، فيظل مبنياً على الفتح.
أمثلة توضيحية:
- سعدَتْ: (سعدَتْ سعادُ بنجاحها). الفعل "سعدَ" مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
- فازَتْ: (فازَتْ المتسابقة بالجائزة).
- قرأَتْ: (قرأَت الطالبات الدرس).
ج- إذا اتصلت به "ألف الاثنين":
عندما يُسند الفعل الماضي إلى المثنى عبر "ألف الاثنين"، يظل مبنياً على الفتح.
أمثلة توضيحية:
- الطالبان فهِمَا الدرس: الفعل "فهم" مبني على الفتح، والألف فاعل.
- الرجلان عادَا من السفر: الفعل "عاد" مبني على الفتح.
د- إذا اتصلت به ضمائر النصب (نا المفعولين، كاف الخطاب، هاء الغائب):
عندما تتصل هذه الضمائر بالفعل الماضي، فإنها تعرب مفعولاً به، ويبقى الفعل معها مبنياً على الفتح.
أمثلة توضيحية:
- أعجبَنِي: (أعجبَنِي الكتابُ). الفعل "أعجبَ" مبني على الفتح.
- أكرمَك: (أكرمَكَ المعلمُ).
- ساعدَهُ: (ساعدَهُ صديقُه).
2. البناء على السكون (حالة تخفيف الثقل)
تتغير حركة البناء من الفتح إلى السكون لسبب صوتي، وهو كراهية توالي أربع حركات متحركة في الكلمة الواحدة (أو ما يشبه الكلمة الواحدة عند اتصال الضمير). يحدث البناء على السكون عند اتصال الفعل بـ "ضمائر الرفع المتحركة"، وهي:
أ- تاء الفاعل (المتحركة):
وهي التاء التي تدل على المتكلم أو المخاطب، وتكون حركتها (الضمة، الفتحة، أو الكسرة).
أمثلة توضيحية:
- للمتكلم: (قرأْتُ الكتابَ). لاحظ سكون الهمزة في "قرأْ".
- للمخاطب المذكر: (هل كتبْتَ واجبك؟).
- للمخاطبة المؤنثة: (أنتِ ساعدْتِ أمك).
ب- نون النسوة:
وهي النون الدالة على جماعة الإناث، وعند اتصالها بالماضي يُبنى فوراً على السكون.
أمثلة توضيحية:
- الطالباتُ فهِمْنَ الشرح.
- الأمهاتُ سهِرْنَ على راحة الأبناء.
- الممرضاتُ عالجْنَ المرضى.
ج- نا الفاعلين (الدالة على الفاعل):
وهي الضمير الذي يدل على المتكلمين الذين قاموا بالفعل.
أمثلة توضيحية:
- نحن فهِمْنا الدرس.
- انتصرْنا في المعركة.
- قرأْنا القرآن.
3. البناء على الضم (الحالة الخاصة)
هذه هي الحالة الوحيدة والمميزة التي يُضم فيها آخر الفعل الماضي، وتحدث في سياق واحد فقط.
عند الاتصال بـ "واو الجماعة":
نظراً لأن "الواو" حرف قوي يناسبه الضم قبله، فإن الفعل الماضي يُبنى على الضم عند اتصاله بواو الجماعة.
أمثلة توضيحية:
- الطلابُ كتبُوا الدرس. (الباء مضمومة).
- الجنودُ دافعُوا عن الوطن. (العين مضمومة).
- الشرفاءُ بذلُوا جهدهم. (اللام مضمومة).
- المؤمنون آمنُوا بالله.
ثالثاً: فروق دقيقة لا غنى عنها في الإعراب
لضمان الإعراب الصحيح وعدم الخلط بين الحالات، يجب الانتباه للفروق الجوهرية التالية، والتي تُعد من ركائز الفهم النحوي السليم:
الفرق بين (تاء الفاعل) و (تاء التأنيث)
يقع الكثير من الدارسين في خطأ الخلط بين التاءين، والجدول التالي يوضح الفروق الحاسمة:
- تاء الفاعل:
- تكون متحركة (مضمومة، مفتوحة، مكسورة).
- هي "ضمير" ولها محل من الإعراب (في محل رفع فاعل).
- تجعل الفعل الماضي مبنياً على السكون.
- مثال: ذكرْتُ دروسي.
- تاء التأنيث:
- تكون ساكنة دائماً (وقد تتحرك بالكسر فقط لمنع التقاء الساكنين).
- هي "حرف" لا محل له من الإعراب.
- يبقى الفعل الماضي معها مبنياً على الفتح.
- مثال: ذكرَتْ هند دروسها.
الفرق بين (نا الفاعلين) و (نا المفعولين)
الضمير "نا" قد يأتي فاعلاً أو مفعولاً، وتأثيره على الفعل يختلف تماماً:
- نا الفاعلين (نحن قمنا بالفعل): يُبنى الفعل معها على السكون.
مثال: أكلْنا الطعامَ (نحن من أكل). - نا المفعولين (وقع علينا الفعل): يُبنى الفعل معها على الفتح.
مثال: أعجبَنا شرحُ المعلم (الشرح هو الذي أعجبنا).
رابعاً: نماذج إعرابية تطبيقية
لترسيخ القواعد السابقة، دعونا نستعرض نماذج للإعراب المفصل:
النموذج الأول: (العمالُ أتقنُوا عملهم)
- أتقنُوا: فعل ماضٍ مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة.
- واو الجماعة: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
النموذج الثاني: (قرأْتُ مقالاً مفيداً)
- قرأْتُ: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل.
- التاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل.
النموذج الثالث: (المعلمةُ شرحَتْ الدرسَ)
- شرحَتْ: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء تاء التأنيث حرف مبني لا محل له من الإعراب.
- الفاعل: ضمير مستتر تقديره "هي".
إن إتقان بناء الفعل الماضي يعد البوابة الأولى للدخول إلى عالم النحو العربي الصحيح. تذكر دائماً أن القاعدة بسيطة: انظر إلى الحرف الأخير من الفعل الأصلي (قبل الضمير)، واستمع إلى نطقك له. هل هو مفتوح؟ إذن مبني على الفتح. هل هو ساكن؟ إذن مبني على السكون. هل هو مضموم؟ إذن مبني على الضم. وبهذا الفهم العميق للضمائر (تاء الفاعل، نون النسوة، واو الجماعة، وغيرها) وتأثيرها، ستتمكن من الكتابة والإعراب ببراعة وثقة تامة.
