تتميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات بميلها الفطري إلى الإيجاز والبلاغة، خاصة في المواقف التي تتطلب سرعة في التنبيه أو حثاً قوياً على الفعل. من هنا، نشأ باب عظيم في النحو العربي يخدم هذا الغرض البلاغي بدقة متناهية، وهو باب المفعول به في التحذير والإغراء.
![]() |
| المفعول به في التحذير والإغراء | الدليل النحوي الشامل |
إن فهم هذا الأسلوب لا يقتصر فقط على معرفة كيفية إعراب الكلمات المنصوبة في بداية الجمل، بل يتعداه لفهم المنطق الذي بنيت عليه الجملة العربية. ففي كثير من الأحيان، نجد أسماءً منصوبة لا يسبقها فعل ظاهر، وهنا يأتي دور الطالب الذكي والمثقف النحوي لتقدير المحذوف وفهم السياق.
في هذا المقال التفصيلي، وبناءً على القواعد النحوية الأصيلة المستقاة من المناهج المعتمدة، سنغوص بعمق في أحكام هذا الباب، مفصلين صوره، وحالات حذف عامله (فعله)، وكيفية إعرابه إعرباً نموذجياً لا يترك مجالاً للشك.
أولاً: مفهوم أسلوب الإغراء وأركانه
الإغراء في اللغة هو الحث والتشجيع. أما في اصطلاح النحاة، فهو: تنبيه المخاطب إلى أمر محمود ليفعله أو ليلزمه. العنصر الأساسي في هذا الأسلوب هو (المغرى به)، وهو الاسم الذي نذكر للمخاطب كي يتمسك به، وحكمه الإعرابي دائماً النصب.
ولكن، لماذا النصب؟
لأن هذا الاسم يعرب مفعولاً به لفعل محذوف. هذا الفعل يقدر دائماً بمعنى يتناسب مع السياق، وأشهر تقديراته: "الْزَمْ". فعندما نقول: "الصدقَ"، فالمعنى الحقيقي في ذهن المتكلم هو: "الْزَمْ الصدقَ".
صور الإغراء وأحكامها التفصيلية
يأتي أسلوب الإغراء في اللغة العربية على ثلاث صور رئيسية، ولكل صورة حكم خاص فيما يتعلق بحذف الفعل:
-
1. صورة الإفراد (المفرد):
وهي أن يُذكر "المغرى به" كلمة واحدة غير مكررة ولا معطوفة عليها. في هذه الحالة، يكون الأمر خفيفاً، ولذلك يجوز ذكر الفعل ويجوز حذفه.
مثال: "الاجتهادَ أيها الطالب."
التقدير: الزم الاجتهادَ.
الإعراب التفصيلي: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وفعله محذوف (جوازاً) تقديره "الزم". -
2. صورة التكرار (المكرر):
هنا يلجأ المتكلم إلى تكرار الكلمة نفسها لزيادة التأكيد والتوكيد. وفي هذه الحالة، يصبح حذف الفعل واجباً، فلا يجوز لغةً أن نقول "الزم الصدقَ الصدقَ"، بل نحذف الفعل وجوباً.
مثال: "العملَ العملَ فإنه شرف."
الإعراب التفصيلي:- العملَ (الأولى): مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وفعله محذوف (وجوباً) تقديره "الزم".
- العملَ (الثانية): توكيد لفظي منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
-
3. صورة العطف (المعطوف):
وهي أن نجمع بين صفتين محمودتين بحرف العطف (الواو). وهنا أيضاً يكون حذف الفعل واجباً.
مثال: "الجدَّ والمثابرةَ."
التقدير: (الزم) الجدَّ و(الزم) المثابرةَ.
الإعراب التفصيلي:- الجدَّ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وفعله محذوف (وجوباً) تقديره "الزم".
- الواو: حرف عطف مبني لا محل له من الإعراب.
- المثابرةَ: اسم معطوف على "الجد" منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
ثانياً: مفهوم أسلوب التحذير وخباياه
التحذير هو الوجه المقابل للإغراء، ويعرف بأنه: تنبيه المخاطب إلى أمر مكروه ليتجنبه ويبتعد عنه. الاسم الدال على هذا الأمر المكروه يسمى (المحذّر منه)، وهو أيضاً مفعول به لفعل محذوف.
تتعدد تقديرات الفعل المحذوف في التحذير بحسب السياق، فغالباً ما نقدره بـ: "احْذَرْ"، أو "باعِدْ"، أو "تَجَنَّبْ"، أو "قِ" (من الوقاية).
صور التحذير (التطابق والاختلاف مع الإغراء)
يشترك التحذير مع الإغراء في الصور الثلاث السابقة (الإفراد، التكرار، العطف)، وينفرد بصورة رابعة خاصة به وهي استخدام الضمير "إياك". لنفصل القول:
1. الصور المشتركة (بدون إياك):
- المفرد: مثل "الحفرةَ". (حكم الحذف: جائز). والتقدير: احذر الحفرةَ.
- المكرر: مثل "النارَ النارَ". (حكم الحذف: واجب).
- المعطوف: مثل "البردَ والمطرَ". (حكم الحذف: واجب).
2. الصورة الخاصة (استخدام الضمير "إيّاكَ"):
تعتبر هذه الصورة هي الأشهر والأكثر دقة في باب التحذير. يتم استخدام ضمير النصب المنفصل "إيّا" مع لواحقه (الكاف للمخاطب والمخاطبة والمخاطبين: إياكَ، إياكِ، إياكما، إياكم، إياكنّ). وفي جميع حالات "إياك"، يكون حذف الفعل واجباً.
حالات التركيب مع "إياك" وإعرابها الدقيق:
قد يظن البعض أن "إياك" تأتي على وتيرة واحدة، لكن النحو العربي يظهر لنا تنوعاً ثرياً في تراكيبها:
أ) إياكَ + المحذّر منه (مباشرة دون عاطف):
مثال: "إياكَ الشرَّ".
هنا نعرب الضمير "إياك" مفعولاً به أول، و"الشر" مفعولاً به ثانٍ لفعل محذوف تقديره "أُحذِّركَ".
الإعراب:
- إياك: ضمير منفصل مبني في محل نصب مفعول به أول.
- الشر: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
ب) إياكَ + حرف الجر (من):
مثال: "إياكَ من الكسلِ".
الإعراب:
- إياك: ضمير منفصل مبني في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره "احذر".
- من الكسل: جار ومجرور متعلقان بالفعل المحذوف.
ج) إياكَ + المصدر المؤول (أن + الفعل):
مثال: "إياكَ أن تتهاونَ".
الإعراب:
- إياك: مفعول به (كما سبق).
- أن تتهاون: المصدر المؤول من "أن" والفعل في محل جر بحرف جر محذوف (والتقدير: إياك من التهاونِ).
د) إياكَ + حرف العطف (الواو) - وهي الحالة الأعقد والأهم:
مثال: "إياكَ والنميمةَ".
هذا التركيب يوهم بأنه جملة واحدة، لكنه في التقدير النحوي العميق عبارة عن جملتين. التقدير هو: "احْذَرْ إياكَ، وباعِدْ النميمةَ".
الإعراب النموذجي:
- إياك: ضمير منفصل مبني في محل نصب مفعول به لفعل محذوف وجوباً تقديره "احذر".
- الواو: حرف عطف (لا يعطف مفرداً على مفرد هنا، بل يعطف جملة فعلية محذوفة على جملة فعلية أخرى).
- النميمةَ: مفعول به لفعل محذوف وجوباً تقديره "احذر" أو "اجتنب". (ولا تعرب معطوفاً على الضمير إياك لأن العطف هنا للجمل وليس للمفردات).
قواعد ذهبية في حذف العامل (الفعل)
لتلخيص مسألة حذف الفعل التي كثيراً ما تكون موضع سؤال في الامتحانات، نضع القاعدة التالية:
- الحذف الجائز: في حالة واحدة فقط، وهي (الإغراء أو التحذير بغير إياك) إذا كان الاسم مفرداً. يجوز لك أن تقول: "النارَ" أو "احذر النارَ".
- الحذف الواجب: في ما عدا ذلك، أي في:
- التكرار (الصدقَ الصدقَ).
- العطف (الصدقَ والأمانةَ).
- كل صيغ "إياك" في التحذير.
لطائف نحوية وملاحظات متقدمة
من جماليات هذا الباب أن النحاة قد يجيزون في بعض السياقات العطف بين أسلوبين مختلفين إذا اقتضى المعنى، مع تقدير أفعال مختلفة لكل منهما.
مثال متقدم: قد نجد جملة مثل: "الاجتهادَ والكسلَ".
قد يبدو هذا غريباً، كيف نغري بالاجتهاد ونحذر من الكسل في نفس واحد؟
الإعراب يحل اللغز بتقدير فعلين مختلفين:
- الاجتهادَ: مفعول به لفعل محذوف تقديره "الزم" (إغراء).
- الكسلَ: مفعول به لفعل محذوف تقديره "احذر" (تحذير).
والواو هنا تعطف جملة التحذير على جملة الإغراء. وهذا دليل على مرونة اللغة وقدرتها على استيعاب المعاني المركبة بإيجاز.
الخاتمة: لماذا ندرس هذا الباب؟
إن دراسة [المفعول به في التحذير والإغراء] ليست مجرد تمرين ذهني لحفظ القواعد، بل هي تدريب عملي على استخدام اللغة في وظيفتها الأساسية: التأثير في الآخرين. عندما تستخدم الإغراء، أنت تدفع نحو البناء والخير، وعندما تستخدم التحذير، أنت تحمي وتبعد الأذى.
تذكر دائماً أن "المفعول به" هنا هو البطل الحقيقي للجملة، فقد تصدر المشهد، وأجبر الفعل على الاختفاء (الحذف) لقوة دلالته ووضوح رسالته. إنه درس في القيادة اللغوية، حيث المعنى الأهم هو الذي يتقدم.
نرجو أن يكون هذا الشرح قد أضاء لكم جوانب هذا الموضوع الشيق، وجعل إعرابه يسيراً على ألسنتكم وأقلامكم. لغتكم هويتكم، وفهم أسرارها هو السبيل لامتلاك ناصية البيان.
