تعتبر اللغة العربية من أدق اللغات في تحديد المعاني، ومن بين أساليبها البلاغية والنحوية الهامة يبرز أسلوب الاستثناء كأداة جوهرية لإخراج ما بعدها من حكم ما قبلها. إذا كنت تواجه صعوبة في تحديد نوع الاستثناء أو تخلط بين أحكام "إلا" و"غير" و"سوى"، أو تتساءل متى يجب نصب المستثنى ومتى يعرب حسب موقعه، فإن هذا الدليل سيضع بين يديك القواعد الدقيقة والمبسطة لهذا الأسلوب.
![]() |
| أسلوب الاستثناء | قواعده، أدواته، وإعرابه |
سنشرح لك بالتفصيل أركان أسلوب الاستثناء، وأنواعها، والأحكام الإعرابية لكل أداة، لتتمكن من استخدامها وإعرابها بطلاقة وثقة.
مفهوم أسلوب الاستثناء وأركانه
يقوم أسلوب الاستثناء في جوهره على إخراج اسم يقع بعد أداة الاستثناء من الحكم الذي أطلقناه على الاسم الواقع قبلها. ولتكتمل جملة الاستثناء وتصح، لا بد من توافر ثلاثة أركان رئيسية:
- المستثنى منه: وهو الاسم العام الذي نُخرج منه الجزء المستثنى، ويقع غالباً قبل أداة الاستثناء.
- أداة الاستثناء: هي الكلمة التي تربط بين المستثنى والمستثنى منه وتفيد معنى الإخراج، ولها أنواع (حروف، أو أسماء، أو أفعال).
- المستثنى: هو الاسم الذي يقع بعد أداة الاستثناء مباشرة، وهو الذي يخالف ما قبله في الحكم.
مثال توضيحي: في جملة "قرأتُ القصصَ إلا قصةً"، فإن (القصص) هي المستثنى منه، و(إلا) هي الأداة، و(قصةً) هي المستثنى الذي أخرجناه من حكم القراءة.
أولاً: الاستثناء بـ (إلا) وأحكامه الثلاثة
تُعد "إلا" أمَّ أدوات الاستثناء، ويتوقف إعراب ما بعدها (المستثنى) على نوع الكلام في الجملة، والذي ينقسم إلى ثلاث صور أساسية:
1. الكلام التام المثبت
في هذه الحالة، تكون الجملة خالية من أدوات النفي، والمستثنى منه مذكوراً فيها. الحكم الإعرابي هنا هو وجوب النصب.
المثال: "نجحَ الطلابُ إلا طالباً".
الإعراب: (طالباً) مستثنى منصوب وجوباً وعلامة نصبه الفتحة؛ لأن الكلام تام ومثبت.
2. الكلام التام المنفي
هنا تكون الجملة مبدوءة بأداة نفي (مثل: ما، لا، لم، لن)، مع وجود المستثنى منه. في هذه الحالة يجوز في إعراب ما بعد "إلا" وجهان:
- الوجه الأول: النصب على الاستثناء (جواز النصب).
- الوجه الثاني: الإعراب كـ "بدل" من المستثنى منه، ويتبعه في الإعراب (رفعاً أو نصباً أو جراً).
المثال: "ما أقلعت الطائراتُ إلا طائرةً / أو طائرةٌ".
الإعراب: يجوز أن نقول (طائرةً) مستثنى منصوب، ويجوز أن نقول (طائرةٌ) بدل مرفوع من (الطائرات) لأن المبدل منه مرفوع.
3. الكلام الناقص المنفي (الاستثناء المفرغ)
في هذه الحالة، تُحذف كلمة "المستثنى منه" من الجملة، ويسبق الكلام نفي. هنا تفقد "إلا" عملها في الاستثناء وتصبح أداة حصر فقط، ويعرب ما بعدها حسب موقعه في الجملة وكأن "إلا" والنفي غير موجودين.
المثال: "ما قرأتُ إلا قصةً".
الإعراب: عند حذف النفي والاستثناء (قرأت قصة)، تعرب (قصةً): مفعول به منصوب.
مثال آخر: "ما محمدٌ إلا رسولٌ".
الإعراب: (رسولٌ) خبر للمبتدأ مرفوع.
ثانياً: الاستثناء بـ (غير) و (سوى)
تعتبر "غير" و"سوى" اسمين يفيدان الاستثناء. وهما يأخذان حكم الاسم الواقع بعد "إلا" في الإعراب (أي يُعربان إعراب المستثنى)، بينما يكون الاسم الواقع بعدهما دائماً مضافاً إليه مجروراً.
لإعرابهما، نطبق عليهما نفس الحالات الثلاث الخاصة بـ "إلا":
- تام مثبت: يجب نصبهما. (مثال: "فاز السباحون غيرَ سباحٍ"). تعرب "غيرَ": مستثنى منصوب (أو اسم استثناء منصوب).
- تام منفي: يجوز نصبهما أو إعرابهما بدلاً. (مثال: "ما فاز السباحون غيرُ/غيرَ سباحٍ").
- ناقص منفي: يعربان حسب موقعهما في الجملة. (مثال: "ما فاز غيرُ سباحٍ"). تعرب "غيرُ": فاعل مرفوع.
ملاحظة دقيقة: "سوى" تُعرب بعلامات مقدرة على الألف للتعذر، بينما "غير" تظهر عليها حركات الإعراب.
ثالثاً: الاستثناء بـ (خلا - عدا - حاشا)
تُستخدم هذه الكلمات للاستثناء، ولها حالتان إعرابيتان تعتمدان على دخول "ما" المصدرية عليها:
1. إذا سبقتها "ما" (ما خلا - ما عدا)
إذا دخلت "ما" على "خلا" أو "عدا"، فإنهما يُعربان وجوباً أفعالاً ماضية، ويكون الاسم الواقع بعدهما مفعولاً به منصوباً. والسبب في ذلك أن "ما" المصدرية لا تدخل إلا على الأفعال.
المثال: "أقلعت الطائراتُ ما خلا طائرةً".
الإعراب: (طائرةً) مفعول به منصوب.
2. إذا لم تسبقها "ما" (خلا - عدا)
في حال تجردت هذه الأدوات من "ما"، يجوز فيها وجهان إعرابيان:
- الوجه الأول: اعتبارها أفعالاً ماضية، وما بعدها مفعول به منصوب.
- الوجه الثاني: اعتبارها حروف جر، وما بعدها اسم مجرور.
المثال: "أقلعت الطائراتُ خلا طائرةً / أو طائرةٍ".
الإعراب: يجوز نصب (طائرةً) على أنها مفعول به، ويجوز جر (طائرةٍ) على أنها اسم مجرور بـ "خلا".
تدريبات نموذجية لفهم الاستثناء
لتثبيت المعلومات، إليك بعض النماذج التطبيقية:
- "ما قطفتُ الأزهارَ إلا زهرةً": الكلام تام منفي. يجوز في (زهرة) النصب على الاستثناء، أو النصب على البدلية (لأن المبدل منه "الأزهار" منصوب).
- "لا يرفعُ شأنَ الوطنِ إلا العاملون": الكلام ناقص منفي. نحذف "لا" و"إلا" لنجد الجملة "يرفع شأن الوطن العاملون". إذن (العاملون) فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو.
- "زرتُ المتاحفَ خلا متحفاً / متحفٍ": بما أن "خلا" لم تسبقها "ما"، جاز في "متحف" النصب (مفعول به) أو الجر (اسم مجرور).
بفهمك لهذه القواعد، تكون قد امتلكت مفاتيح أسلوب الاستثناء بالكامل، بدءاً من استخدام "إلا" في سياقاتها المختلفة، ومروراً بـ "غير وسوى" وأحكامهما، وصولاً إلى "خلا وعدا" وحالاتهما الخاصة.
