عزيزي الطالب، وعزيزي المعلم المربي، أهلاً بكم في رحلة جديدة نبحر فيها سوياً في علوم لغتنا العربية الجميلة. كثيرًا ما يقف أمامنا طلابنا حائرين عند قراءة جملة تبدأ بـ "كم"، متسائلين: هل يريد الكاتب مني إجابة بعدد محدد؟ أم أنه يتعجب من الكثرة والوفرة؟.
![]() |
| دليلك الشامل لإتقان الفرق بين (كم) الاستفهامية و(كم) الخبرية |
هذا الارتباك طبيعي جداً، ولأن النحو هو "ميزان الكلام"، فقد جاء درسنا اليوم ليضع النقاط على الحروف. سنشرح اليوم بأسلوب مبسط وعميق -بعيداً عن التعقيد- الفارق الجوهري بين كم الاستفهامية وكم الخبرية، وكيف يمكنك إعراب ما بعدهما (التمييز) بكل ثقة، مستندين إلى الأمثلة والقواعد الأصيلة.
أولاً: (كم) الاستفهامية.. سؤال يبحث عن رقم
لنتخيل أننا في قاعة محكمة أو فصل دراسي، ونريد معرفة معلومة دقيقة. هنا نستخدم "كم الاستفهامية". إنها أداة فضولية تسأل عن عدد مجهول، وتنتظر منك جواباً محدداً.
سمات (كم) الاستفهامية:
- الغرض منها: السؤال عن العدد، وتحتاج إلى جواب.
- موقعها: تقع في صدر الجملة (أول الكلام).
- علامة الترقيم: نضع في نهاية جملتها علامة الاستفهام (؟).
إعراب تمييزها (الاسم الواقع بعدها):
هنا يكمن السر الذي يميزها عن غيرها. الاسم الذي يأتي بعد كم الاستفهامية يسمى "تمييزاً"، وله حالتان لا ثالث لهما، وسنوضحهما من خلال الأمثلة التي بين أيدينا:
1. الحالة الأصلية: مفرد منصوب
الأصل في تمييز كم الاستفهامية أن يكون مفرداً منصوباً. لاحظ معي المثال التالي:
"كم عالماً حضرَ هذا المؤتمر؟"
(عالماً): تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
ومثال آخر:
"كم ساعةً في اليوم والليلة؟"
(ساعةً): تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
2. الحالة الاستثنائية: الجر (إذا سُبقت بحرف جر)
يجوز جر تمييز كم الاستفهامية في حالة واحدة فقط: إذا دخل حرف الجر على (كم) نفسها. انتبه جيداً، حرف الجر يأتي قبل (كم) وليس بعدها.
"بكم جنيهٍ اشتريتَ هذا القميص؟"
لاحظ هنا دخول الباء على كم (بكم). لذلك كلمة (جنيه) يجوز فيها الجر، فنقول: تمييز مجرور (أو اسم مجرور بحرف الجر المقدر).
ثانياً: (كم) الخبرية.. الإخبار عن الكثرة
على النقيض تماماً، تأتي (كم) الخبرية لا لتسأل، بل لتخبر. إنها أداة بلاغية تفيد "التكثير". عندما تستخدمها، فأنت تقول للمستمع: "إن العدد كثير جداً لدرجة أنني لا أحصيه، بل أتعجب منه".
سمات (كم) الخبرية:
- الغرض منها: الإخبار عن الكثرة، ولا تحتاج إلى جواب.
- موقعها: تقع أيضاً في صدر الجملة.
- علامة الترقيم: نضع في نهاية جملتها علامة التعجب (!) لتدل على التأثر والكثرة.
إعراب تمييزها:
تمييز كم الخبرية دائماً مجرور، ولكنه يأتي على صور متعددة (مفرد أو جمع)، ويجر إما بالإضافة أو بحرف الجر (من). لنتأمل الأمثلة التالية لفهم الصور المختلفة:
1. الإضافة (مفرد أو جمع):
"كم مصنعٍ اشتركوا في التدريب!"
(مصنعٍ): مضاف إليه مجرور (تمييز لكم الخبرية) وعلامة جره الكسرة. هنا جاءت مفردة.
2. الجر بحرف الجر "من" (مفرد أو جمع):
وهذه الصورة شائعة جداً، حيث يأتي حرف الجر "من" بعد (كم) مباشرة.
"كم سفينةٍ أبحرت!" (مجرور بالإضافة)
"كم من سفينةٍ أبحرت!" (مجرور بـ من)
"كم سفنٍ أبحرت!" (جمع مجرور بالإضافة)
"كم من سفنٍ أبحرت!" (جمع مجرور بـ من)
جدول المقارنة الذهبي
لتثبيت المعلومة في ذهنك، إليك هذا الجدول الذي يلخص الفروق الجوهرية التي استخلصناها من دراستنا، وهو مرجعك السريع عند المذاكرة:
| وجه المقارنة | كم الاستفهامية | كم الخبرية |
|---|---|---|
| المعنى | تسأل عن عدد وتحتاج لجواب | تفيد الكثرة ولا تحتاج لجواب |
| التمييز (ما بعدها) | مفرد منصوب (غالباً) | مفرد أو جمع مجرور (دائماً) |
| حروف الجر | قد تُسبق هي بحرف جر (بِكَم؟) | يأتي حرف الجر بعدها (كم مِن..) |
| علامة الترقيم | (؟) | (!) |
كيف تفرق بينهما في الامتحان؟ (خلاصة الخبرة)
عزيزي الطالب، عندما تواجه سؤالاً يطلب منك تحديد نوع "كم"، اتبع هذه الخطوات الذهنية البسيطة:
- انظر إلى الكلمة التي بعد (كم) مباشرة:
- إذا كانت منصوبة (مثل: كتاباً، طالباً)، فهي فوراً استفهامية.
- إذا كانت جمعاً (مثل: رجال، كتب)، فهي فوراً خبرية (لأن تمييز الاستفهامية لا يأتي جمعاً).
- إذا جاء بعدها (من)، فهي خبرية.
- انظر إلى ما قبل (كم):
- إذا سبقها حرف جر (مثل: الباء في "بكم")، فهي استفهامية.
- المعنى العام:
- هل الجملة تحتمل الصدق والكذب؟ (خبرية).
- هل الجملة تتطلب رقماً؟ (استفهامية).
تدريب عملي لفهم أعمق
لنتأمل سوياً هذه الجمل ونطبق ما تعلمناه:
- "كم كتاباً قرأت؟"
كلمة "كتاباً" مفرد ومنصوب ← إذن (كم) استفهامية. - "كم من عالم أخلص في دعوته!"
جاء حرف الجر "من" بعد كم، والكلمة مجرورة ← إذن (كم) خبرية تفيد كثرة العلماء المخلصين. - "كم أطفالٍ حرموا حنان آبائهم!"
كلمة "أطفال" جاءت جمعاً ومجرورة ← إذن (كم) خبرية (لأن تمييز الاستفهامية لا يجمع). - "كم جنديّ حمل روحه على كفه!"
هنا السياق يدل على الفخر والكثرة، والتمييز مفرد مجرور (بالإضافة) ← إذن (كم) خبرية.
ختاماً، إن اللغة العربية لغة دقيقة، والفارق بين الاستفهام والإخبار فيها يغير المعنى تماماً. أتمنى أن يكون هذا الشرح قد أزال أي غموض حول "كم" بنوعيها. تذكر دائماً: (كم) الاستفهامية تريد عدداً، و(كم) الخبرية تريد فخراً وكثرة.
