أسلوب الاستعارة | كيف تفهمه وتحلل المعنى بدقة؟
في رحلة البحث عن الجمال اللغوي وقوة التأثير، يغادر العقل العربي حدود التعبير المباشر والحقيقة اللغوية الجامدة، لينطلق في فضاء المجاز الرحب، وهنا يبرز أسلوب الاستعارة بوصفه درة التاج في علم البيان. إن الاستعارة ليست مجرد تلاعب بالألفاظ، بل هي عملية عقلية ونفسية معقدة تهدف إلى صهر المعاني ببعضها، بحيث يغيب الفارق بين "المشبه" و"المشبه به"، وتتحول اللغة من وسيلة لنقل المعلومات إلى ريشة ترسم صوراً نابضة بالحياة.
![]() |
| أسلوب الاستعارة | كيف تفهمه وتحلل المعنى بدقة؟ |
في هذا المقال الشامل، سنغوص في أعماق الاستعارة كما صورها التراث البلاغي، محللين بنيتها، وأنواعها، وفلسفتها التي تقوم على دعوى الاتحاد وتناسي التشبيه، مستشهدين بروائع الأمثلة من القرآن الكريم والشعر العربي.
جوهر الاستعارة - تعريفها وفلسفة
يُعرّف علماء البيان الاستعارة بتعريف موجز وعميق في آن واحد: "هي تشبيه حُذف أحد طرفيه". هذا التعريف البسيط يحمل في طياته فلسفة بلاغية عظيمة. فبينما يعتمد التشبيه الصريح على المقارنة بين شيئين مع الاعتراف بوجود مسافة بينهما (أنت كالبحر)، تقوم الاستعارة على إلغاء هذه المسافة تماماً.
تقوم الاستعارة على مبدأ "تناسي التشبيه". المتكلم هنا لا يريد أن يقول إن "فلاناً يشبه الأسد"، بل يدعي -ادعاءً فنياً- أن فلاناً هو "أسد" حقيقي، ولذلك يطلق عليه اسم الأسد مباشرة. هذا الادعاء بدخول المشبه في جنس المشبه به هو ما يمنح الاستعارة قوتها الساحرة، حيث ينتقل الذهن من الدلالة الوضعية الأصلية للكلمة إلى دلالة جديدة مجازية، مع وجود "قرينة" (مانعة) تمنع السامع من إرادة المعنى الحقيقي الأصلي.
أركان الاستعارة وتقسيماتها الرئيسية
تنقسم الاستعارة بناءً على "الطرف المذكور" في الجملة إلى قسمين رئيسيين يمثلان جناحي هذا الفن: الاستعارة التصريحية والاستعارة المكنية.
أولاً: الاستعارة التصريحية
وهي النوع الذي يصرح فيه المتكلم بلفظ "المشبه به" (المستعار منه) ويحذف "المشبه" (المستعار له). سميت تصريحية لأننا صرحنا فيها بلفظ المشبه به مباشرة.
من أبرز الشواهد القرآنية قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}.
في هذا النص المعجز، لم يقل الله "لتخرج الناس من الكفر الذي يشبه الظلمات إلى الإيمان الذي يشبه النور". بل حذف "الكفر" (المشبه) وصرح بـ "الظلمات" (المشبه به)، وحذف "الإيمان" (المشبه) وصرح بـ "النور" (المشبه به). الغاية البلاغية هنا هي تجسيد "الكفر" في صورة ظلام حالك يتخبط فيه الإنسان، وتجسيد "الإيمان" في صورة نور ساطع يهدي الحائرين، مما يجعل المعنى العقلي محسوساً ومشاهداً.
ومن الشعر، قول المتنبي يصف دخول رسول الروم على سيف الدولة:
وأقبل يمشي في البساط فما درى ... إلى البحر يسعى أم إلى البدر يرتقي
هنا استعار الشاعر لفظ "البحر" للكريم (الممدوح)، ولفظ "البدر" للرفيع القدر، وصرح بهما وحذف الممدوح، مبالغة في وصف كرمه ورفعته حتى صار بحراً وبدراً حقيقة لا مجازاً في نظر الشاعر.
ثانياً: الاستعارة المكنية
وهي العكس تماماً، حيث يحذف المتكلم "المشبه به"، ولكنه لا يتركه مجهولاً، بل يرمز إليه بذكر شيء من "لوازمه" أو صفاته الخاصة، مع بقاء "المشبه" في الجملة. سميت مكنية لأنه كُني عن المشبه به (أخفي) ورُكز على صفته.
المثال الأشهر قول الهذلي:
وإذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لا تَنْفَعُ
في هذا البيت، شبه الشاعر "المنية" (الموت) بحيوان مفترس أو سبع ضارٍ. لكنه لم يصرح بلفظ "السبع" (المشبه به)، بل حذفه وترك دليلاً عليه وهو "الأظفار". إسناد الأظفار للموت هو استعارة مكنية، حولت الموت من فكرة مجردة مرعبة إلى كائن حي مفترس ينقض على فريسته، مما يثير الرعب ويجسد العجز أمام قدر الله.
آليات عمل الاستعارة - التجسيم والتشخيص
لا يقتصر دور أسلوب الاستعارة على الإيضاح، بل يتجاوزه إلى وظائف جمالية ونفسية تحول طبيعة الأشياء في ذهن المتلقي. من أهم هذه الوظائف:
1. التشخيص
وهو منح الحياة الإنسانية والصفات البشرية لما ليس بإنسان، سواء كان جماداً أو حيواناً أو معنى مجرداً. الاستعارة هنا تبث الروح في الأشياء الصامتة وتجعلها تتكلم وتشعر وتتفاعل.
مثال ذلك قول الشاعر: "أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً". الربيع لا يضحك ولا يختال، لكن الاستعارة شخصته في صورة إنسان سعيد مزهو بنفسه، مما ينقل عدوى الفرح إلى القارئ.
2. التجسيم
وهو إخراج المعاني العقلية المجردة في صور حسية ملموسة (جسمية). العقل البشري يميل بطبعه إلى المحسوسات، والاستعارة هي القنطرة التي تعبر بالمعاني من التجريد إلى التجسيد.
عندما نقول "رمتني الأقدار بسهامها"، فإن "القدر" أمر معنوي غيبي، لكن الاستعارة جعلته رامياً يمسك سهاماً حقيقية (المصائب)، مما يجسد وقع المصيبة وألمها المادي والنفسي.
تحليل نقدي لجماليات الاستعارة
الاستعارة، كما يراها عبد القاهر الجرجاني وغيره من أئمة البلاغة، ليست مجرد لفظة تحل محل أخرى، بل هي تفاعل سياقي كامل. جمال الاستعارة لا يكمن في الكلمة المستعارة بحد ذاتها (مثل "أسد" أو "بدر")، بل في "النظم" وعلاقة الكلمة بما حولها.
لنتأمل قول المتنبي: "ولم أرَ قبلي من مشى البحر نحوه ... ولا رجلاً قامت تعانقه الأسد".
الشاعر هنا يصف ممدوحه الذي يزوره سيف الدولة. لقد استعار "البحر" لسيف الدولة في الكرم، و"الأسد" له في الشجاعة. القيمة الفنية هنا ليست في التشبيه المستهلك (رجل كالأسد)، بل في "المفارقة الحركية": البحر عادة لا يمشي، والأسد عادة لا تعانق الرجال (بل تفترسهم). الاستعارة هنا خلقت عالماً عجائبياً يخضع لقوانين الشاعر، حيث يتحرك البحر ويعانق الأسد، وهذا ما يسمى بـ "التخييل" الذي يثير الدهشة.
الفرق الدقيق بين الاستعارة والكذب
قد يتبادر إلى الذهن سؤال: إذا كانت الاستعارة ادعاءً غير حقيقي، فهل هي كذب؟
يجيب البلاغيون بالنفي القاطع. الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع مع نية إيهام السامع بأنه واقع. أما الاستعارة، فهي تعتمد جوهرياً على وجود "قرينة" (لفظية أو حالية) تنصب دليلاً على أن المتكلم لا يريد المعنى الحقيقي.
عندما يقول الشاعر: "رأيت أسداً يخطب"، فكلمة "يخطب" هي القرينة المانعة من إرادة الحيوان المفترس، لأن الأسود لا تخطب. هذه القرينة هي صمام الأمان الذي يحمي البلاغة من تهمة الكذب، ويحول الكلام إلى فن تصويري راقٍ يعتمد على التأويل.
روائع الاستعارة في تصوير المشاعر
تتجلى عظمة الاستعارة حين تُستخدم للتعبير عن الحالات النفسية المعقدة التي تعجز اللغة التقريرية عن وصفها.
- في وصف الحسرة: يقول الشاعر: "عضّتني أنياب النوائب". المصائب (النوائب) ليس لها أنياب، ولكن الاستعارة المكنية جسدت الألم النفسي في صورة ألم جسدي ناتج عن عضة حيوان، لبيان فداحة الوقع.
- في وصف الفرح: "ابتسمت لك الحياة". الحياة لا ثغر لها لتبتسم، ولكن التشخيص هنا ينقل شعور التفاؤل وانفتاح الآفاق.
- في الهجاء: "وإذا أشار محدثاً فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم". هنا تتحول الاستعارة والتشبيه التمثيلي إلى أداة سخرية لاذعة ترسم كاريكاتيراً ساخراً.
ختاماً، إن أسلوب الاستعارة هو القلب النابض للبلاغة العربية، وهو البرهان الساطع على مرونة هذه اللغة وقدرتها على التجدد. من خلال الاستعارة التصريحية والمكنية، استطاع العربي أن يتجاوز حدود المادة ليعانق المعنى، وأن يكسر قيود الواقع ليسبح في فضاء الخيال. إنها ليست مجرد زخرفة، بل هي وسيلة رؤية، وأداة تفكير، وطريقة فريدة لإعادة صياغة العالم بحيث يصبح الجمال هو الحقيقة الوحيدة الماثلة أمام الأذهان. دراسة الاستعارة هي دراسة لعبقرية الخيال البشري في أسمى تجلياته اللغوية.

تعليقات
إرسال تعليق