تعتبر اللغة العربية بناءً معمارياً دقيقاً، تشكل الأفعال فيه الأعمدة التي تحمل المعاني وتحدد مسار الجمل. ومن أهم المباحث التي تشغل بال الدارسين وعشاق اللغة هي قضية التمييز بين اللازم والمتعدي من الأفعال. هذه القضية ليست مجرد تصنيف نحوي، بل هي مفتاح لفهم كيفية اكتمال المعنى في الجملة العربية. هل يكتفي الفعل بفاعله ليمنحنا معنىً تاماً؟ أم أن طاقة الفعل تتجاوز الفاعل لتبحث عن مفعول به أو أكثر لتستقر الجملة؟.
![]() |
| شرح اللازم والمتعدي من الأفعال |
في هذا المقال المفصل، وبناءً على القواعد الأصيلة، سنبحر في أعماق هذا الباب النحوي، لنفرق بدقة بين النوعين، ونستعرض الأفعال التي تنصب مفعولين أو ثلاثة، مع توضيح الفروق الدقيقة التي تغير عمل الفعل بناءً على معناه، مدعّمين الشرح بنماذج إعرابية تطبيقية.
أولاً: الفعل اللازم (الاكتفاء بالفاعل)
مفهوم اللزوم في اللغة
الفعل اللازم هو الفعل الذي يتسم بـ "القناعة" النحوية؛ فهو يكتفي بمرفوعه (الفاعل) لإتمام الفائدة، ولا يحتاج إلى مفعول به منصوب ليقع عليه الحدث. عندما نستخدم فعلاً لازماً، فإن الحدث يبدأ من الفاعل وينتهي عنده أو يتعلق به دون أن يتجاوزه إلى غيره.
سمات الجملة المشتملة على فعل لازم
في الجمل التي تتصدرها أفعال لازمة، نلاحظ غياب المفعول به تماماً. قد تأتي بعد الفاعل مكملات للجملة، مثل الجار والمجرور أو الظرف، ولكنها لا تعرب مفعولاً به. لنتأمل الأمثلة التالية لفهم هذا المفهوم:
- "يحافظُ المؤمنُ على صلاته":
- الفعل: يحافظ.
- الفاعل: المؤمن.
- هل يوجد مفعول به؟ لا. عبارة (على صلاته) جار ومجرور متعلقان بالفعل. هنا اكتمل المعنى (الحفاظ وقع من المؤمن) دون الحاجة لذكر مفعول به.
- "يعطفُ الأغنياءُ على الفقراء":
- الفعل يعطف لزم فاعله الأغنياء، واكتفى به لإيصال المعنى المقصود من الرحمة والشفقة، وجاء الجار والمجرور لتوضيح الوجهة فقط.
القاعدة الذهبية: كل فعل يكتفي بفاعله ولا ينصب مفعولاً به هو فعل لازم. وليس في الجملة المشتملة على فعل لازم مفعول به إطلاقاً.
ثانياً: الفعل المتعدي (تجاوز الفاعل)
تعريف التعدي
على النقيض تماماً، يأتي الفعل المتعدي. وهو الفعل الذي لا يكتفي بفاعله، بل "يتعداه" (أي يتجاوزه) ليصل إلى اسم آخر (المفعول به) ليقع عليه فعل الفاعل. إذا حذفت المفعول به من جملة الفعل المتعدي، يظل المعنى ناقصاً ومبتوراً، وتظل نفس السامع تتشوق لمعرفة "ماذا حدث؟" أو "على من وقع الفعل؟".
درجات التعدي في العربية
ليس كل الأفعال المتعدية على درجة واحدة من القوة؛ فبعضها يكتفي بمفعول واحد، وبعضها يتطلب مفعولين، وبعضها يصل إلى ثلاثة مفاعيل. وفيما يلي تفصيل لهذه الدرجات:
1. أفعال تنصب مفعولاً به واحداً
وهي الفئة الأوسع انتشاراً في اللغة، حيث يحتاج الفعل إلى مفعول به واحد لتكتمل الصورة. ومن الأمثلة التوضيحية:
- "إنَّ اللهَ يجزِي المتصدقينَ": الفعل (يجزي) تعدى الفاعل المستتر (هو) لينصب المفعول به (المتصدقين).
- "رفعَ اللهُ السمواتِ بغير عمد": الفعل (رفع) لم يكتفِ بلفظ الجلالة (الله)، بل احتاج إلى (السموات) كمفعول به لبيان الشيء المرفوع.
- "يحترمُ الناسُ المخلصينَ": المعنى لا يتم بـ "يحترم الناس" فقط، بل يجب ذكر "المخلصين".
2. أفعال تنصب مفعولين (المبحث الأكثر دقة)
هذا النوع من الأفعال يمثل قمة الدقة في التعبير العربي، وينقسم إلى قسمين رئيسيين بناءً على العلاقة بين المفعولين:
القسم الأول: أفعال تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر
هذه الأفعال تدخل في الأصل على جملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر، فتنسخ حكم الرفع فيهما، وتجعل المبتدأ مفعولاً به أول، والخبر مفعولاً به ثانياً. وتنقسم هذه الأفعال بحسب دلالتها المعنوية إلى ثلاثة أنواع:
- أفعال الرجحان (الظن): وتفيد ترجيح وقوع الخبر، وهي:
- ظن: ظننتُ الجوَّ معتدلاً.
- حسب: حسبتُ الامتحانَ سهلاً.
- خال: خلتُ الطريقَ قصيراً.
- زعم: زعمَ العدوُّ الأرضَ خاليةً.
- أفعال اليقين: وتفيد التأكد والاعتقاد الجازم بوقوع الخبر، وهي:
- رأى (القلبية): رأيتُ الصدقَ منجياً.
- علم: علمتُ الحقَ منتصراً.
- وجد: وجدَ التلميذُ العلمَ نافعاً.
- أفعال التحويل: وتفيد تحويل الشيء من حال إلى حال أخرى، ومنها:
- جعل: جعلتُ الكتابَ صديقاً.
- صيّر: صيّر الخبازُ الدقيقَ خبزاً.
- حوّل: حوّل المصنعُ القطنَ نسيجاً.
اختبار الحذف: في هذا النوع، إذا حذفت الفعل والفاعل، تعود الجملة إلى أصلها الاسمى. مثال: (علمتُ الحقَ واضحاً) -> نحذف (علمتُ) -> (الحقُّ واضحٌ) "جملة مفيدة".
القسم الثاني: أفعال تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر
وهي أفعال تفيد العطاء والمنح، وتنصب مفعولين، لكن ليس بينهما علاقة إسنادية (مبتدأ وخبر). ومن أشهرها:
- منح: منحَ اللهُ الإنسانَ عقلاً.
- أعطى: أعطى الغنيُّ الفقيرَ مالاً.
- كسا: كسا الربيعُ الأرضَ خضرةً.
- ألبس: ألبسَ الإيمانُ صاحبَه وقاراً.
اختبار الحذف: لو حذفنا الفعل والفاعل في جملة (أعطى الغني الفقير مالاً)، يتبقى لدينا (الفقيرُ مالٌ). هذه الجملة غير مفيدة ولا يصح الإخبار بالمال عن الفقير، مما يثبت أن المفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
3. أفعال تنصب ثلاثة مفاعيل
تصل اللغة إلى ذروة التعدي مع أفعال تنصب ثلاثة مفاعيل. هذه الأفعال غالباً ما تفيد الإخبار والإعلام، ومنها: (أعلم - أرى - أنبأ - نبأ - أخبر - خبّر).
مثال توضيحي: "أعلمتُ التلميذَ الامتحانَ سهلاً".
- أعلمت: فعل وفاعل.
- التلميذَ: مفعول به أول.
- الامتحانَ: مفعول به ثانٍ.
- سهلاً: مفعول به ثالث.
فروق دقيقة: متى يتحول الفعل من مفعولين إلى مفعول واحد؟
من أسرار العربية أن الفعل الواحد قد يختلف عمله النحوي باختلاف معناه السياقي. ونخص بالذكر هنا فعلين هامين:
1. الفعل "رأى"
- رأى القلبية (اليقينية): بمعنى "علم وأيقن". هذه هي التي تنصب مفعولين.
مثال: رأيتُ الحقَ منتصراً. (أيقنت بانتصار الحق، وليس رؤية بالعين). - رأى البصرية: بمعنى "أبصر وشاهد بالعين". هذه تنصب مفعولاً به واحداً فقط، وما يأتي بعدها (إذا كان مشتقاً) يعرب "حالاً".
مثال: رأيتُ الطائرَ محلقاً.
(الطائر: مفعول به، محلقاً: حال منصوبة، لأن الرؤية هنا بصرية حقيقية).
2. الفعل "علم"
- إذا جاء بمعنى "اليقين والاعتقاد"، نصب مفعولين (كما في أفعال القلوب).
مثال: علمتُ الصدقَ منجياً. - إذا جاء بمعنى "المعرفة والإدراك" (ضد الجهل)، نصب مفعولاً به واحداً.
مثال: علمتُ الخبرَ (أي عرفته).
نماذج إعرابية تطبيقية وتدريبات
لترسيخ هذه القواعد، دعونا نستعرض نماذج إعرابية كاملة مستوحاة من التطبيقات النحوية، لنرى كيف تؤثر هذه الأفعال في بنية الجملة وعلامات الإعراب.
النموذج الأول: ظننتُ المسلماتِ صائماتٍ
| الكلمة | إعرابها |
|---|---|
| ظننتُ | فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، والتاء ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. (وهو من أفعال الرجحان التي تنصب مفعولين). |
| المسلماتِ | مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. |
| صائماتٍ | مفعول به ثانٍ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم. |
النموذج الثاني: يكسو اللهُ العظامَ لحماً
| الكلمة | إعرابها |
|---|---|
| يكسو | فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة (من أفعال المنح التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر). |
| اللهُ | لفظ الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. |
| العظامَ | مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. |
| لحماً | مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. |
النموذج الثالث: أعطى المديرُ الجوائزَ للفائزين
لاحظ هنا ملاحظة هامة وردت في التطبيقات: الفعل (أعطى) ينصب مفعولين.
المفعول الأول: محذوف تقديره (الطلاب) أو (المتسابقين).
الجوائزَ: مفعول به ثانٍ.
وهذا يدل على مرونة اللغة، حيث يجوز حذف المفعول الأول إذا فهم من السياق، ويبقى الفعل متعدياً لمفعولين في طبيعته.
إن إتقان باب [اللازم والمتعدي من الأفعال] يعد ركيزة أساسية لكل من يرغب في كتابة عربية سليمة وفصيحة. فالتفريق بين ما يلزم فاعله وما يتعداه، ومعرفة الأفعال التي تتطلب أكثر من مفعول، يجنب الكاتب الوقوع في الأخطاء التركيبة الشائعة. تذكر دائماً أن الفعل اللازم يكتفي بالفاعل، والمتعدي يتجاوزه، وأن أفعال الظن واليقين والتحويل تدخل على الجملة الاسمية فتنسخها، بينما أفعال المنح والعطاء تنصب مفعولين لا يشكلان جملة اسمية مستقلة. هذا الفهم العميق يمنحك القدرة على صياغة جمل محكمة المعنى والبناء.
