أغراض التشبيه | دليل الفهم والتحليل خطوة بخطوة

في فضاء البلاغة العربية، لا يُلقى الكلام جزافاً، ولا تأتي الصور الفنية لمجرد الزخرفة الشكلية. عندما يعمد الأديب أو المتكلم إلى استخدام أسلوب التشبيه، فإنه يسعى لتحقيق غاية محددة وهدف دقيق لا يمكن الوصول إليه بالعبارة المباشرة. هذه الغايات هي ما يُطلق عليه في علم البيان مصطلح أغراض التشبيه. إنها الدوافع العقلية والنفسية التي تحرك صياغة الصورة، وتحدد اختيار المشبه به، وتوجه ذهن المتلقي نحو المعنى المراد إثباته.

أغراض التشبيه
أغراض التشبيه | دليل الفهم والتحليل خطوة بخطوة


في هذا المقال التحليلي، نستند إلى التراث البلاغي الرصين لنستكشف المرامي والأهداف التي من أجلها يُعقد التشبيه، وكيف تتحول هذه الأغراض من مجرد إيضاحات عقلية إلى أدوات للتأثير النفسي والإقناع المنطقي.

فلسفة الغرض في التشبيه - المحور والارتكاز

القاعدة الذهبية في أغراض التشبيه هي أنها تعود في الغالب إلى المشبه (الطرف الأول في المعادلة). فالأصل في التشبيه أننا نريد إثبات صفة للمشبه، أو توضيح حاله، أو رفع شأنه، فنلجأ إلى "المشبه به" كونه الأعرف والأظهر والأقوى في تلك الصفة. لذا، فإن براعة البليغ تكمن في تحديد الغرض أولاً، ثم اختيار المشبه به الذي يحقق هذا الغرض بدقة. وقد حصر البلاغيون هذه الأغراض في محاور رئيسية تتراوح بين الإيضاح العقلي والتحسين النفسي.

الأغراض التفصيلية للتشبيه

يمكن تصنيف أغراض التشبيه إلى أنواع رئيسية، يختص كل منها بوظيفة دلالية محددة:

1. بيان إمكان المشبه

يُلجأ إلى هذا الغرض عندما يسند المتكلم إلى المشبه أمراً مستغرباً أو خارقاً للعادة قد ينكره السامع أو يستبعد حدوثه. هنا يأتي التشبيه ليكون "دليلاً وبرهاناً" على أن هذا الأمر ممكن الحدوث، وذلك بذكر نظير له في الواقع لا يمكن إنكاره.

وهذا الغرض هو السمة البارزة لـ التشبيه الضمني. فالمتنبي مثلاً، حين أراد أن يقول إن الكريم قد يخلو من المال وليس في ذلك عيب، أتى ببرهان طبيعي فقال:
فَالسَّيْلُ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ العَالِي
فهو يشبه (ضمناً) الرجل الكريم بقمة الجبل، والمال بالسيل. وبما أننا نرى بأعيننا أن قمم الجبال لا يستقر عليها الماء لعلوها، فكذلك الكريم لا يمسك المال لفرط جوده. هنا غرض التشبيه هو إثبات "إمكانية" وجود كريم فقير.

2. بيان حال المشبه

يحدث هذا عندما يكون المشبه مبهماً أو غير معروف الصفة لدى المخاطب، فيأتي التشبيه ليحدد طبيعته من خلال قرنه بما هو معروف.

مثال ذلك قول الشاعر في وصف حال الممدوح وتواضعه رغم علو قدره:
كالبدر أفرط في العلو وضوؤه ... للعصبة السارين جد قريب
المشبه هنا (الممدوح) حاله غير واضحة: هل هو مترفع متكبر؟ أم متواضع؟ فجاء التشبيه بالبدر لبيان حاله: فهو عالٍ في السماء (مكانة)، لكن نوره قريب من السائرين (نفعاً وتواضعاً). الغرض هنا هو "توصيف" الحالة بدقة.

3. بيان مقدار حال المشبه

هنا يكون السامع عالماً بصفة المشبه "من حيث المبدأ" (يعرف أنه طويل، أو كريم، أو شجاع)، لكنه يجهل "درجة" هذه الصفة ومقدارها. فيأتي التشبيه لبيان القوة أو الضعف، الزيادة أو النقصان.

مثال ذلك:
كأنك شمس والملوك كواكب
المخاطب يعرف أن الملك (المشبه) عظيم، لكن ما مقدار عظمته؟ التشبيه بالشمس، وتشبيه الآخرين بالكواكب، بيّن مقدار هذه العظمة: هي عظمة تمحو أثر الآخرين كما تمحو الشمس ضوء الكواكب. الغرض هنا "التقدير الكمي والنوعي" للصفة.

4. تقرير حال المشبه

وهو من أهم الأغراض وأكثرها دلالة على البلاغة. المقصود به ترسيخ المعنى في ذهن السامع وتمكينه في نفسه، وغالباً ما يُستخدم عند تشبيه "المعقول" (الشيء المعنوي) بـ "المحسوس" (الشيء المادي).

عندما نقول: "العلم كالنور"، فإن الغرض هو تقرير فائدة العلم وأثره في الإرشاد، لأن النور محسوس والعلم معقول، والمحسوس أثبت في النفس. ومنه قول الشاعر:
إن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يُشعب
الشاعر هنا يريد تأكيد حقيقة صعوبة عودة المودة بعد الكراهية (أمر معنوي)، فشبهها بكسر الزجاجة (أمر حسي). الغرض هو أن يستقر في ذهنك استحالة الإصلاح كما تستقر حقيقة استحالة لحم الزجاج المكسور.

5. تزيين المشبه (التحسين)

هذا غرض "نفسي" بامتياز، يهدف إلى تحريك الرغبة في نفس المخاطب وإثارة إعجابه بالمشبه، حتى لو كان المشبه في الواقع عادياً أو حتى مكروهاً. يتم ذلك عبر تشبيهه بشيء محبوب جداً للنفس أو عظيم القيمة.

مثال: تشبيه وجه أسود (قد لا يُستحسن عند البعض) بـ "مقلة الظبي" أو "سواد المسك". هنا انتقل الذهن من صورة قد تكون منفرة إلى صورة محبوبة وجميلة، مما يزين المشبه في عين السامع.

6. تقبيح المشبه (التهجين)

وهو عكس التزيين، ويهدف إلى تنفير النفس من المشبه وإظهاره في صورة بشعة، وذلك بتشبيهه بشيء مكروه أو مقزز أو حقير.

مثال: إذا أردنا ذم البخل، قد نشبه الشخص البخيل بـ "الصخرة الصماء" التي لا ترشح بماء. أو كقول الشاعر الذي شبه النجوم اللامعة (وهي جميلة عادة) بـ "عيون الأفاعي" أو "بثور الجرب" لإظهار شؤم الموقف أو قسوة الليل. الغرض هنا إسقاط القبح النفسي أو الحسي للمشبه به على المشبه.

ضوابط نقدية في تحقيق أغراض التشبيه

يشير النقاد القدامى، وعلى رأسهم "المبرد" و"ابن رشيق"، إلى أن تحقيق هذه الأغراض مرهون بمدى دقة اختيار أطراف التشبيه. لكي يتحقق الغرض، يجب أن يكون "المشبه به" مستوفياً للشروط التالية:

  • أن يكون أعرف وأشهر: إذا كان الغرض بيان الحال أو المقدار، فلا يصح تشبيه الغامض بما هو أغمض منه. يجب أن يكون المشبه به أوضح عند المخاطب.
  • أن يكون أتم في الصفة: لكي يتحقق التقرير أو التزيين، يجب أن تكون الصفة في المشبه به أقوى وأرسخ. فلا يصح تشبيه الشمس بالسراج في الضياء، لأن السراج أضعف، إلا إذا كان الغرض التشبيه المقلوب للمبالغة.
  • مراعاة السياق النفسي: في أغراض التزيين والتقبيح، العبرة ليست بالحقيقة العلمية، بل بالصورة الذهنية والانفعالية. فقد يُشبه العسل بالقيء للتنفير (تقبيح)، وقد يشبه الموت بالنوم المريح للتهوين (تزيين).

التشبيه المقلوب - خروج عن المألوف لتحقيق المبالغة

من المباحث المتعلقة بأغراض التشبيه ما يُعرف بـ "التشبيه المقلوب". الأصل أن المشبه به هو الأقوى، لكن الأديب قد يعكس الآية فيجعل المشبه هو الأصل والمشبه به هو الفرع.
والغرض من هذا القلب هو "المبالغة في الادعاء". كقول الشاعر:
وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح
هنا جعل وجه الخليفة هو الأصل في النور، والصباح هو الذي يشبهه. الغرض البلاغي هنا ليس مجرد البيان، بل الادعاء بأن وضاءة وجه الممدوح فاقت ضوء الطبيعة وصارت هي المعيار الذي يُقاس عليه.

في الختام، يتبين لنا أن أغراض التشبيه هي البوصلة التي توجه المبدع في اختياره لألفاظه وصوره. التشبيه ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة فعالة لتحقيق أهداف تداولية ونفسية، تتراوح بين الإيضاح العقلي الدقيق، والتأثير العاطفي العميق. إن فهم هذه الأغراض ينقلنا من مجرد القراءة السطحية للنص الأدبي إلى تذوق عبقرية الاختيار، وإدراك لماذا اختار الشاعر "البحر" للجود ولم يختر "المطر"، ولماذا اختار "الأسد" للشجاعة ولم يختر "النمر". كل اختيار وراءه غرض، وكل غرض يكشف عن زاوية رؤية فريدة للكون والحياة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أحدث بنوك الاختبارات النهائية – الصف الخامس – الفصل الأول (جميع المواد)

دمج امتحانات الصف السابع في اللغة الإنجليزية الفصل الدراسي الأول 2025م

دمج امتحانات الصف السابع – الدراسات الاجتماعية (الفصل الأول 2024/2025)