أهلاً بكم، طلابنا النجباء وعشاق العربية، في رحلة عميقة نسبر فيها أغوار لغتنا الجميلة. عندما نقف أمام صرح "علم البلاغة" الشامخ، وتحديداً القسم الأول منه وهو "علم المعاني"، نجد أنفسنا أمام هندسة لغوية دقيقة لا تكتفي بظاهر الإعراب، بل تبحث في وظائف الكلمات وأسرار ترتيبها.
لعلكم تساءلتم يوماً: ما الذي يجعل الجملة "جملة"؟ ما هي الأركان التي إن سقط أحدها انهار المعنى تماماً؟ في النحو، نسمي هذه الأركان (مبتدأ وخبر) أو (فعل وفاعل)، ولكن في البلاغة، نرتدي نظارة أخرى أكثر عمقاً، لنرى الجملة مكونة من قطبين عظيمين هما: [المسند والمسند إليه]. إن فهم هذين المصطلحين ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو الأساس الذي يُبنى عليه كل ما ستدرسونه لاحقاً من تقديم وتأخير، وحذف وذكر، وإيجاز وإطناب.
في هذا المقال المفصل، وبناءً على ما ورد في منهجكم الدراسي المعتمد، سنشرح هذه النظرية بأسلوب المعلم الذي يحرص على أن يخرج طالبه فاهماً لا حافظاً، مستوعباً لا مردداً.
![]() |
| المسند والمسند إليه: شرح مبسط لأركان الجملة |
فلسفة الإسناد: كيف نفكر بلاغياً؟
قبل أن نسرد القواعد، دعونا نفهم "الفكرة". الكلام العربي المفيد يقوم على عملية عقلية تسمى "الإسناد". والإسناد ببساطة هو: "ضم كلمة إلى أخرى ليفيد المعنى".
تخيل أنك قاضٍ في محكمة. لكي تصدر حكماً، تحتاج إلى طرفين: "متهم" (شخص تحكم عليه) و"تهمة أو براءة" (حكم تصدره).
في اللغة، الأمر مشابه تماماً:
1. المسند إليه: هو "المحكوم عليه". هو الشخص أو الشيء الذي نتحدث عنه، ونسند إليه فعلاً أو صفة.
2. المسند: هو "الحكم". هو الفعل الذي وقع، أو الصفة التي أثبتناها، أو الخبر الذي نقلناه.
عندما تقول: "الحياةُ كفاحٌ". عقلك قام بعملية إسناد سريعة؛ فقد حكمت على "الحياة" (مسند إليه) بأنها "كفاح" (مسند). هذه العلاقة هي روح الجملة، وبقية الكلمات (مجرورات، ظروف..) هي مجرد قيود وتكميلات.
الركن الأول: المسند إليه (محور الحديث)
المسند إليه هو الثابت، هو الذات التي يدور حولها الكلام. في البلاغة وعلم المعاني، لا يهمنا موقعه الإعرابي بقدر ما تهمنا وظيفته كطرف "يُسند إليه الحديث". وقد حصر البلاغيون مواضعه في الجملة العربية في الحالات التالية:
1. الفاعل
هذا هو الموضع الأشهر. في الجملة الفعلية، الفاعل هو الذي قام بالحدث أو اتصف به.
مثال: "نجحَ المجتهدُ".
التحليل: الحديث هنا عن "المجتهد"، وقد أسندنا إليه "النجاح". إذن (المجتهد) هو المسند إليه.
2. نائب الفاعل
عندما يُبنى الفعل للمجهول، يحل نائب الفاعل محل الفاعل في كونه محور الحديث.
مثال: "نُصِرَ المظلومُ".
التحليل: المظلوم هو الذي نتحدث عنه، وهو الذي وقع عليه النصر، فهو المسند إليه.
3. المبتدأ (الذي له خبر)
في الجملة الاسمية، المبتدأ هو الأساس الذي نبتدئ به لنخبر عنه.
مثال: "العلمُ نورٌ".
التحليل: كلمة "العلم" هي الموضوع، فهي المسند إليه.
4. ما أصله مبتدأ (أسماء النواسخ)
هذه نقطة يخطئ فيها الطلاب. دخول "كان" أو "إن" لا يغير المعادلة البلاغية. اسم كان واسم إن هما في الأصل مبتدأ، لذا يظلان "مسنداً إليه".
أمثلة:
- "كان الطقسُ جميلاً". (الطقس: مسند إليه).
- "إن النصرَ قريبٌ". (النصر: مسند إليه).
5. المفعول به الأول (في باب ظن وأخواتها)
الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر (ظن، حسب، زعم..)، المفعول الأول فيها كان مبتدأً في الأصل، لذا هو المسند إليه.
مثال: "ظننتُ الامتحانَ سهلاً".
التحليل: أصل الجملة (الامتحانُ سهلٌ). لذا "الامتحان" هو المسند إليه، وإن صار مفعولاً به.
الركن الثاني: المسند (الحكم والحدث)
ننتقل الآن إلى الطرف الآخر، وهو "المسند". هو الصفة، الفعل، أو الخبر الذي نسوقه لنحكم به على المسند إليه. بدونه تظل الجملة معلقة بلا فائدة تامة. ويأتي في المواضع التالية:
1. الفعل التام
أي فعل (ماضٍ، مضارع، أمر) في الجملة هو مسند، لأن الفعل هو حدث نسنده للفاعل.
مثال: "أشرقت الشمسُ".
التحليل: الإشراق هو الحدث المسند للشمس.
2. الخبر
خبر المبتدأ هو الوصف أو الحكم الذي يتمم المعنى.
مثال: "محمد كريمٌ".
التحليل: الكرم هو الصفة التي حكمنا بها على محمد، فكلمة "كريم" هي المسند.
3. ما أصله خبر (أخبار النواسخ)
كما قلنا في المسند إليه، هنا أيضاً خبر "كان" وخبر "إن" هو المسند.
أمثلة:
- "أصبح الطالب نشيطاً". (نشيطاً: مسند).
- "لعل الفرج قريبٌ". (قريب: مسند).
4. المفعول به الثاني (في باب ظن وأخواتها)
لأنه في الأصل كان خبراً.
مثال: "رأيتُ العلمَ نوراً".
التحليل: "نوراً" هي المسند، لأننا أسندنا النورية إلى العلم.
5. المصدر النائب عن فعل الأمر
هذه حالة خاصة وبلاغية رفيعة. أحياناً نحذف الفعل ونذكر المصدر فقط للمبالغة.
مثال: "صيراً جميلاً" (بمعنى: اصبر صبراً).
التحليل: "صبراً" هنا نابت مناب الفعل "اصبر"، فهي المسند.
المشتقات العاملة: عندما يتحول الاسم إلى مسند
من أروع ما في العربية أن بعض الأسماء (المشتقات) تمتلك قوة الفعل، فتعمل عمله وتصبح هي "المسند". وهذا ما ورد تفصيله في نص الإمام علي (ع) في كتابكم.
لنتأمل اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وصيغ المبالغة. هذه الأسماء إذا عملت، فإنها تحتاج إلى مرفوع بعدها (فاعل أو نائب فاعل)، وتكون هي في حكم "المسند".
مثال توضيحي دقيق:
"أقائمٌ الزيدان؟"
- قائمٌ: مبتدأ (اسم فاعل)، لكنه هنا يقوم مقام الفعل (أيقومُ)، لذا فهو (مسند).
- الزيدان: فاعل سد مسد الخبر، وهو الذي أسندنا إليه القيام، لذا فهو (مسند إليه).
تطبيق عملي من خطبة الإمام علي (ع)
ورد في النص البلاغي: "أيها الناسُ المجتمعةُ أبدانُهم، المختلفةُ أهواؤُهم".
دعونا نحلل هذا التركيب البديع لنستخرج الأركان:
1. الجملة: "المجتمعةُ أبدانُهم".
- المجتمعة: اسم فاعل يعمل عمل الفعل (تجتمع). هي الوصف والحكم، إذن هي (مسند).
- أبدانهم: فاعل لاسم الفاعل. هي التي قامت بالاجتماع، إذن هي (مسند إليه).
2. الجملة: "المختلفةُ أهواؤُهم".
- المختلفة: اسم فاعل (مسند).
- أهواؤهم: فاعل لاسم الفاعل (مسند إليه).
هذا التحليل يوضح لكم كيف أن البلاغة تتجاوز الشكل الظاهري للكلمة لتصل إلى وظيفتها المعنوية العميقة.
ما عدا ذلك: القيود والمتعلقات
الآن، وقد حددنا العمودين الرئيسيين (المسند والمسند إليه)، ماذا عن باقي كلمات الجملة؟ المفاعيل (به، فيه، معه، لأجله)، الحال، التمييز، النعت، التوكيد، البدل، والجار والمجرور.
في علم البلاغة، تسمى هذه العناصر بـ "القيود" أو "المتعلقات". لماذا سميت قيوداً؟ لأن الجملة بدونها تفيد حكماً مطلقاً، وعندما نضيفها فإننا "نقيد" المعنى ونحدده.
مثال:
- "كتبَ الطالبُ" (جملة تامة من مسند ومسند إليه، تفيد مطلق الكتابة).
- "كتب الطالبُ الدرسَ مسرعاً" (كلمة "الدرس" قيدت الكتابة بأنها للدرس لا لغيره، و"مسرعاً" قيدت الهيئة).
دراسة هذه القيود تأتي في مرحلة تالية، لكن المهم الآن هو أن تدركوا أنها تدور في فلك الركنين الأساسيين.
الخلاصة: خريطتك الذهنية للإعراب البلاغي
أعزائي الطلاب، لتسهيل الأمر عليكم، احفظوا هذه الخريطة الذهنية البسيطة:
- ابحث عن "المحكوم عليه" (الشخص أو الشيء المتحدث عنه) ← هذا هو المسند إليه (غالباً يكون المبتدأ أو الفاعل).
- ابحث عن "الحكم" (الحدث أو الوصف) ← هذا هو المسند (غالباً يكون الخبر أو الفعل).
- لا تنخدع بدخول (كان وأخواتها) أو (إن وأخواتها)، فالأدوار لا تتغير: الاسم مسند إليه، والخبر مسند.
- انتبه للمشتقات (اسم الفاعل والمفعول) فهي تعمل عمل الفعل وتكون مسنداً.
إن إتقانكم لهذا الباب هو المفتاح الذهبي الذي سيفتح لكم أبواب "أحوال المسند والمسند إليه" التي ستدرسونها لاحقاً، حيث ستتعلمون متى يجب حذف أحدهما، ومتى يجب تقديمه، لأغراض بلاغية ساحرة تزيد المعنى قوة وجمالاً.
نرجو أن يكون هذا الشرح قد أضاء لكم جوانب هذا الموضوع، وحول الجمود النحوي إلى متعة بلاغية تلامس ذائقتكم اللغوية.
