المصدر الثلاثي والرباعي في اللغة العربية
أعزائي الطلاب، ومحبي لغتنا العربية الجميلة، لعلكم تساءلتم يوماً أثناء قراءتكم لنص أدبي أو كتابتكم لموضوع تعبير عن سر جمال بعض الكلمات التي تعطي للمعنى قوة وعمقاً دون أن ترتبط بزمن معين. هذه الكلمات هي ما نسميه في علم النحو والصرف بـ "المصادر".
![]() |
| المصدر الثلاثي والرباعي | شرح شامل للأوزان بطريقة مبسطة |
إن فهم المصادر، وتحديداً المصادر الثلاثية والرباعية، لا يُعد مجرد درس عابر في المنهج الدراسي، بل هو مفتاح أساسي لامتلاك ناصية البيان. فالمصدر هو أصل المشتقات، وهو "الحدث" مجرداً من الزمن. اليوم، سأصحبكم في رحلة ممتعة ومبسطة - بعيداً عن التعقيد - لنفهم سوياً كيف نزن هذه المصادر وكيف نصوغها ببراعة، مستندين إلى القواعد الأصيلة التي تضبط لساننا العربي.
أولاً: ما هو المصدر؟ ولماذا ندرسه؟
قبل أن نغوص في الأوزان والقواعد، دعونا نتفق على المفهوم الأساسي. المصدر في لغتنا هو اسم يدل على معنى مجرد من الزمن والذات. بعبارة أبسط: هو "الحدث" الصافي.
تأمل معي الفرق بين كلمتي (كتب - كتابة):
- كَتَبَ: فعل دل على حدث (الكتابة) وارتبط بزمن (الماضي).
- كِتَابَة: اسم دل على الحدث فقط، دون أن يخبرنا متى حدث. وهذا هو المصدر.
والمصادر تنقسم بحسب عدد حروف فعلها الماضي إلى أنواع، وسنركز حديثنا هنا على المصادر الثلاثية (التي فعلها الماضي ثلاثة أحرف) والمصادر الرباعية (التي فعلها الماضي أربعة أحرف).
ثانياً: مصادر الأفعال الثلاثية (بين السماع والقياس)
عندما نتحدث عن الفعل الثلاثي، فإننا ندخل عالماً واسعاً ومتشعباً. القاعدة الذهبية التي يجب أن تضعها في ذهنك عزيزي الطالب هي أن غالبية مصادر الأفعال الثلاثية هي مصادر سماعية. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنها لا تخضع لقاعدة صارمة مطردة، بل نعتمد فيها على ما سمعناه عن العرب وما ورد في المعاجم اللغوية.
ومع ذلك، وضع علماء الصرف بعض الأوزان الغالبة التي يمكن الاسترشاد بها، وسأستعرض معكم أشهر هذه الأوزان وأمثلتها لتثبيتها في الأذهان:
أشهر أوزان المصدر الثلاثي:
- فُعُول: مثل الفعل (صَعِدَ) الذي مصدره (صُعُود). لاحظ كيف دل على حركة وانتقال.
- فَعْل: وهو من أشهر الأوزان، مثل الفعل (قَرَعَ) الباب، فالمصدر منه (قَرْع).
- فَعَال: مثل الفعل (حَلَّ) الذي يأتي مصدره على وزن (حَلال)، والفعل (أبى) الذي يدل على الامتناع ومصدره (إبَاء).
- فَعَلَان: وغالباً ما يأتي هذا الوزن مع الأفعال التي تدل على حركة واضطراب، مثل (دَرَجَ) الصبي أي مشى قليلاً، فالمصدر (دَرَجَان)، ومثل (طار) (طيران).
- فِعَالَة: وهذا الوزن غالباً ما يرتبط بالحرف والصناعات أو الولايات والمناصب، مثل الفعل (سَاسَ) الناسَ، فالمصدر (سِيَاسَة).
- فِعْلان: مثل الفعل (حَرَمَ) الذي مصدره (حِرْمَان).
- فَعِيل: ويدل غالباً على سير أو صوت، مثل (رَحَلَ) القوم، فالمصدر (رَحِيل).
إذن، لا توجد قاعدة واحدة تحكم الفعل الثلاثي، بل "السماع" هو الحكم الأول، والممارسة والقراءة هما طريقك لإتقان هذه المصادر.
ثالثاً: مصادر الأفعال الرباعية (القياسية والمنضبطة)
ننتقل الآن إلى الجانب الأكثر انضباطاً وراحة للطلاب، وهو مصادر الأفعال الرباعية. الخبر السار هنا هو أن مصادر الأفعال غير الثلاثية (الرباعية والخماسية والسداسية) هي مصادر قياسية، أي أن لها قوانين ثابتة ومعادلات رياضية لغوية؛ إذا عرفت وزن الفعل، عرفت مصدره فوراً.
دعونا نفصل هذه الأوزان بحسب شكل الفعل الرباعي:
1. إذا كان الفعل على وزن (فَعَّلَ) بتضعيف العين
هنا ننظر إلى آخر الفعل، ولدينا حالتان:
- صحيح الآخر: إذا كان الفعل صحيحاً (لا ينتهي بحرف علة)، يكون المصدر على وزن (تَفْعِيل).
مثال: (فَكَّرَ) الطالب في الحل -> المصدر (تَفْكِير). وكذلك (عَلَّمَ -> تَعْلِيم).
code
Code
download
content_copy
expand_less
- معتل الآخر: أما إذا انتهى الفعل بحرف علة (مثل الياء)، فإننا نحذف ياء المصدر ونعوض عنها بتاء مربوطة في آخره، ليصبح الوزن (تَفْعِلَة).
مثال: (نَمَّى) التاجر ثروته -> المصدر (تَنْمِيَة). وكذلك (رَبَّى -> تَرْبِيَة).
2. إذا كان الفعل على وزن (فَاعَلَ)
وهذا الوزن يدل غالباً على المشاركة، ويأتي مصدره على وزنين قياسيين هما (فِعَال) أو (مُفَاعَلَة).
- مثال: (جَاهَدَ) الأبطال -> المصدر يأتي (جِهَاد) أو (مُجَاهَدَة).
- مثال آخر: (حَاوَرَ) -> (حِوَار) أو (مُحَاوَرَة).
3. إذا كان الفعل على وزن (أَفْعَلَ)
وهذا من أكثر الأوزان شيوعاً، وله أيضًا تفصيل دقيق يعتمد على "عين" الفعل (وسطه):
- الفعل الصحيح: إذا كان الفعل صحيح الوسط، يأتي مصدره بكسر الهمزة وزيادة ألف قبل الآخر على وزن (إِفْعَال).
مثال: (أَكْرَمَ) الرجلُ ضيفه -> المصدر (إِكْرَام). ومثل: (أَخْرَجَ -> إِخْرَاج).
code
Code
download
content_copy
expand_less
- الفعل المعتل الوسط (الأجوف): إذا كان وسط الفعل ألفاً، تحدث تغييرات صرفية؛ حيث تُحذف الألف الأصلية في المصدر ويعوض عنها بتاء مربوطة في آخره، ليصبح الوزن (إِفْعَلَة) (أو إفالة كما يسميه البعض).
مثال: (أَجَادَ) الصانع عمله -> المصدر (إِجَادَة). وكذلك (أَقَامَ -> إِقَامَة)، و(أَعَادَ -> إِعَادَة).
4. إذا كان الفعل على وزن (فَعْلَلَ)
وهو الفعل الرباعي المجرد (جميع حروفه أصلية)، وله وزنان:
- الوزن العام: (فَعْلَلَة).
مثال: (دَحْرَجَ) اللاعب الكرة -> المصدر (دَحْرَجَة).
code
Code
download
content_copy
expand_less
- الوزن الخاص (للمضعف): إذا كان الفعل مضعفاً (أي أن الحرف الأول والثالث من جنس، والثاني والرابع من جنس آخر)، جاز فيه وزنان: (فَعْلَلَة) و (فِعْلَال).
مثال: (زَلْزَلَ) -> المصدر (زَلْزَلَة) أو (زِلْزَال). وكذلك (وَسْوَسَ -> وَسْوَسَة أو وِسْوَاس).
نصائح ختامية لإتقان الدرس
عزيزي الطالب، إن التمكن من صياغة المصادر يمنحك ثقة كبيرة في التعبير والكتابة. تذكر دائماً:
- حدد نوع الفعل أولاً: قبل أن تبحث عن المصدر، عُد بالفعل إلى زمن "الماضي" واحسب عدد حروفه. إذا وجدت "الشدة" (التضعيف) فاعتبرها حرفاً.
- طبق القياس في الرباعي: لا تخمن في الأفعال الرباعية، بل استخدم القوانين التي ذكرناها (أفعل -> إفعال، فعّل -> تفعيل، إلخ).
- تذوق الثلاثي: في الأفعال الثلاثية، اعتمد على ذائقتك اللغوية وكثرة الاطلاع، فالسماع هو سيد الموقف هناك.
إن لغتنا العربية دقيقة البنيان، وكل وزن فيها يحمل جرسًا موسيقيًا ومعنىً دلاليًا خاصًا. أتمنى أن يكون هذا الشرح قد أزال الغموض عن المصادر الثلاثية والرباعية، وجعلها أقرب إلى أذهانكم.
