تتفرد اللغة العربية بأساليب بلاغية دقيقة تمنح المتكلم القدرة على التعبير عن مواقفه الشعورية تجاه الأشياء والأشخاص، ومن أبرز هذه الأساليب أسلوب المدح والذم. وحين نتحدث عن هذا الباب، يتبادر إلى الذهن فوراً الفعلان نِعْمَ وبِئْسَ، اللذان شغلا حيزاً كبيراً في الدرس النحوي والبلاغي القديم. إن هذين اللفظين ليسا مجرد كلمات عابرة، بل هما قطبان تدور حولهما معارك نحوية شيقة بين كبار علماء اللغة، تكشف عن عمق التفكير التحليلي للعقل العربي في تعامله مع النصوص.
![]() |
| نِعم وبِئس | شرح سهل مع أمثلة |
في هذا المقال، سنستعرض التفاصيل الدقيقة لـ نعم وبئس كما وردت في أمهات كتب أسرار العربية، وسنغوص في الجدل القائم حول طبيعتهما، وأدلة الفريقين من النحاة، والوجوه اللغوية والصوتية التي وردت فيهما، لنقدم مرجعاً شاملاً لكل باحث عن دقة البيان.
طبيعة نعم وبئس - الجدل الكبير بين الاسمية والفعلية
لعل القضية الأبرز التي تستوقف الدارس في باب نعم وبئس هي الخلاف الجذري بين المدرستين النحويتين الكبيرتين: مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة. فبينما نتداول نحن اليوم إعرابهما كأفعال بشكل تلقائي، كان لهذا الأمر قصة طويلة من البحث والاستدلال.
مذهب البصريين: فعلية جامدة
ذهب البصريون إلى أن "نعم وبئس" فعلان ماضيان، ولكنهما خالفا بقية الأفعال في عدم التصرف؛ فهما لا يأتي منهما مضارع ولا أمر، وقد جُمّدا لغرض إنشاء المدح أو الذم. وحجتهم في ذلك قوية وتعتمد على الخصائص البنيوية للكلمة في العربية، وأبرز أدلتهم:
- دخول تاء التأنيث الساكنة: من المعروف في قواعد العربية أن الأسماء لا تلحقها تاء التأنيث الساكنة المفتوحة في آخرها، وإنما هي علامة خاصة بالأفعال الماضية (مثل: قامتْ، جلستْ). وبما أن العرب تقول: "نِعْمَت المرأة هند" و"بئست المرأة دعد"، فإن قبول هذه التاء يعد دليلاً قاطعاً لدى البصريين على فعلية الكلمتين.
- البناء على الفتح: الأصل في الأسماء الإعراب، والأصل في الأفعال الماضية البناء على الفتح، وهاتان الكلمتان ملازمتان للفتح إلا لعارض، مما يقوي جانب الفعلية فيهما.
مذهب الكوفيين: اسمية الكلمتين
على الجانب الآخر، خالف الكوفيون هذا الرأي، وذهبوا إلى أن "نعم وبئس" اسمان. ولم يأتِ هذا الرأي من فراغ، بل استندوا إلى شواهد سماعية وردت عن العرب دخلت فيها حروف الجر على هاتين الكلمتين. ومن القواعد المقررة أن حروف الجر من خصائص الأسماء ولا تدخل على الأفعال.
ومن الشواهد التي استدل بها الكوفيون:
- قول بعض العرب: "ألسْتُ بنِعْمَ الجارُ يُؤلفُ بيتُهُ". حيث دخلت الباء (حرف الجر) على "نعم".
- ما حُكي عن أعرابي بُشِّر بمولودة فقيل له: "نِعْمَ المولودة"، فقال: "والله ما هي بِنِعْمَ المولودة"، فأدخل الباء على "نعم".
- قولهم في مثل سائر: "نِعْمَ السيرُ على بِئْسَ العَيْر"، حيث دخلت "على" الجارة على "بئس".
تحقيق الخلاف والرد على أدلة الاسمية
لم يقف البصريون مكتوفي الأيدي أمام شواهد الكوفيين، بل قاموا بتفنيدها بأسلوب تحليلي يعتمد على فكرة "المحذوف المقدر". لقد رأى البصريون أن دخول حرف الجر في الأمثلة السابقة ليس دخولاً حقيقياً على الكلمة (نعم أو بئس) نفسها، بل هو دخول على موصوف محذوف.
ففي قول الأعرابي "ما هي بنعم المولودة"، التقدير عند البصريين هو: "ما هي بمولودةٍ نعم المولودة". هنا، حرف الجر "الباء" دخل في الحقيقة على الاسم المحذوف (مولودة)، وجملة "نعم المولودة" هي صفة لهذا المحذوف. وبحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، توهم البعض أن حرف الجر دخل على الفعل.
واستدل البصريون لصحة تأويلهم هذا بشواهد شعرية أخرى دخلت فيها حروف الجر على كلمات هي أفعال بلا نزاع، مما يؤكد أن الدخول ظاهري فقط. ومن ذلك قول الشاعر:
"واللهِ ما ليلي بِنَامَ صاحِبُهُ"
فكلمة "نام" فعل ماضٍ باتفاق الجميع، ومع ذلك دخلت عليها "الباء". والتقدير هنا: "ما ليلي بليلٍ نام صاحبه". فكما لم تخرج "نام" عن فعليتها بدخول الباء، فكذلك "نعم وبئس" لا يخرجان عن فعليتهما.
شاهد ايضا: أسلوب النهي في البلاغة العربية: دليلك الشامل للصيغة والأغراض البلاغية
اللغات واللهجات الواردة في "نِعْمَ"
من جماليات البحث اللغوي في هذا الباب، استعراض الأوجه الصوتية (اللغات) التي نطقت بها العرب كلمة "نعم". فالأصل الصرفي للكلمة هو "نَعِمَ" بفتح النون وكسر العين (على وزن فَعِلَ)، مثل "شَرِبَ" و"عَلِمَ". ولكن العرب تفننوا في نطقها تخفيفاً وتسهيلاً، فنشأت عنها أربع لغات مشهورة:
- نَعِمَ: وهي اللغة الأصلية، بفتح النون وكسر العين.
- نِعْمَ: بكسر النون وسكون العين، وهي اللغة الأشهر والأكثر استعمالاً، وقد نشأت عن نقل كسرة العين إلى النون بعد سلب حركة النون الأصلية (أو تسكين العين وتغيير حركة النون لاتباع الكسرة).
- نِعِمَ: بكسر النون وكسر العين معاً (إتباع النون لحركة العين).
- نَعْمَ: بفتح النون وسكون العين (تخفيف بقلب الكسرة سكوناً مع بقاء الفتحة).
وقد وردت شواهد شعرية تؤكد هذه التنويعات الصوتية، منها قول الشاعر الذي استخدم صيغة الكسر الكامل (نِعِمَ) للإشارة إلى المدح:
"لا عَهْدَ لي بِنِعِمَ ... "
هذا التنوع يعكس مرونة اللسان العربي وقدرته على اجتراح صيغ متعددة تؤدي نفس الغرض البلاغي.
أركان جملة المدح والذم في ضوء "نعم وبئس"
لا يكتمل الحديث عن "نعم وبئس" دون التطرق إلى كيفية استخدامهما في بناء الجملة. فجملة المدح أو الذم تتطلب أركانًا لا بد من توافرها ليتحقق المعنى المقصود بدقة:
- الفعل: وهو (نعم) للمدح أو (بئس) للذم، وقد اتضح لنا ترجيح فعليتهما.
- الفاعل: فاعل نعم وبئس له أحكام خاصة، فلا يكون أي اسم، بل يجب أن يكون مقترناً بـ "ال" الجنسية التي تفيد الاستغراق والعموم، أو مضافاً إلى ما فيه "ال"، أو ضميراً مميزاً بنكرة. الغرض من ذلك هو جعل المدح أو الذم شاملاً للجنس كله أولاً، ثم تخصيصه.
- المخصوص بالمدح أو الذم: وهو الاسم الذي يُقصد الحكم عليه، ويأتي بعد استيفاء الفعل والفاعل.
عندما نقول: "نِعْمَ الرجلُ زيدٌ"، فإننا في الحقيقة قمنا بعمليتين ذهنيتين في جملة واحدة:
- التعميم: بقولنا "نعم الرجل"، نكون قد مدحنا جنس الرجال كلهم بصفة عامة.
- التخصيص: بقولنا "زيد"، جعلنا زيداً هو المقصود بهذا المدح العام.
هذا الأسلوب البلاغي يفيد المبالغة في المدح، فكأننا نقول إن صفات المدح تفرقت في الرجال ثم تجمعت في زيد، أو أن زيداً قد ساوى الجنس كله في الفضل.
إن التدقيق في باب نعم وبئس يكشف لنا جانباً مشرقاً من تراثنا اللغوي. إنه يظهر كيف أن كلمة واحدة قد تثير جدلاً علمياً رصيناً يكشف عن قوانين اللغة وأسرارها. سواء ملنا إلى رأي البصريين في فعليتهما -وهو الراجح والأقوى دليلاً- أو نظرنا إلى أدلة الكوفيين، فإن النتيجة واحدة: نحن أمام أدوات تعبيرية راقية، جُعلت لخدمة المعنى، وتمكين المتكلم من صياغة المدح والذم في قوالب لغوية محكمة، تجمع بين الإيجاز في اللفظ والمبالغة في المعنى.
إن فهم هذه الدقائق ليس ترفاً نظرياً، بل هو مفتاح لتذوق النصوص العربية العليا، وفي مقدمتها القرآن الكريم والشعر العربي الأصيل، حيث وردت نعم وبئس في مواضع لا يمكن استبدالها بغيرها، لتؤدي وظيفة البيان على أكمل وجه.
