يُعد أسلوب النهي أحد الأعمدة الرئيسية في علم المعاني، وهو الشق الثاني المقابل للأمر في باب الإنشاء الطلبي. وإذا كان الأمر طلباً لحصول الفعل، فإن النهي هو طلب للكف عن الفعل أو الامتناع عنه. لكن جمالية اللغة العربية وبلاغتها لا تتوقف عند هذا الحد الوظيفي الجامد؛ فأسلوب النهي يتجاوز دلالته الأصلية ليعبر عن مشاعر وأغراض نفسية وبلاغية دقيقة تختلف باختلاف السياق ومقام المتكلم والمخاطب.
![]() |
| أسلوب النهي في البلاغة العربية: دليلك الشامل للصيغة والأغراض البلاغية |
في هذا المقال، سنستعرض بعمق مفهوم أسلوب النهي، وصيغته الوحيدة في اللغة، وكيف يخرج عن معناه الحقيقي إلى آفاق بلاغية أرحب.
أولاً: الصيغة اللغوية لأسلوب النهي
على عكس أسلوب الأمر الذي يأتي بصيغ متعددة، يتميز أسلوب النهي في اللغة العربية بصيغة تقليدية واحدة ومحددة. تتكون هذه الصيغة من ركنين أساسيين:
- أداة النهي (لا) الجازمة.
- الفعل المضارع المسند إلى المخاطب.
والأصل في هذه الصيغة أن تفيد طلب الكف عن الفعل من الأعلى (المتكلم) إلى الأدنى (المخاطب) على سبيل الاستعلاء والإلزام. ومن الشواهد القرآنية الصريحة على هذا الاستخدام الحقيقي:
- قوله تعالى في حفظ حقوق الأيتام: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. هنا جاء النهي صريحاً وملزماً للكف عن التصرف في مال اليتيم بغير حق.
- قوله تعالى في النهي عن قطع المعروف: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى}.
- وقوله تعالى في تحريم أكل الأموال بالباطل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ}.
ثانياً: الأغراض البلاغية لأسلوب النهي
هنا تكمن عبقرية البلاغة؛ فقد يخرج النهي عن معناه الحقيقي (الإلزام بالكف عن الفعل) إلى معانٍ وأغراض أخرى تستفاد من سياق الكلام وقرائن الأحوال. وفي هذه الحالات، لا يكون المتكلم في مقام الآمر الناهي حقيقة، بل يستخدم صيغة النهي لتلوين الخطاب بصبغة عاطفية أو توجيهية. وفيما يلي تفصيل لأهم هذه الأغراض:
1. الدعاء
يتحقق هذا الغرض عندما يكون النهي موجهاً من الأدنى رتبة إلى الأعلى منزلة، وأوضح مثال على ذلك خطاب العبد لربه، أو خطاب الرعية للملك بلهجة التوقير. في هذه الحالة، لا يُعقل أن يكون النهي للإلزام، بل هو تضرع ورجاء لعدم وقوع المكروه.
ومن شواهد ذلك قول الشاعر مسلم بن الوليد مادحاً وداعياً:
"لا يُعْدَمَنَّكَ حِمَى الإسلامِ من مَلِكٍ ... أَقَمْتَ قُلَّتَهُ من بعدِ تَأْوِيدِ"
فالشاعر هنا لا ينهى الملك، بل يدعو الله ألا يحرم الإسلام من حمايته.
2. الالتماس
ويكون الالتماس عندما يوجه النهي من شخص إلى نظيره المساوي له في الرتبة والمكانة، كأن يخاطب الشاعر صديقه أو نظيره. هنا يخرج النهي عن طابع الأمر العسكري ليصبح طلباً مهذباً بين نديدين.
ومن ذلك قول أبي الطيب المتنبي يخاطب سيف الدولة (على اعتبار المكانة الأدبية أو الود بينهما):
"فَلَا تَبْلُغَاهُ ما أَقُولُ فإنَّهُ ... شُجَاعٌ متى يُذْكَرْ له الطَعْنُ يَشْتَقِ"
فالنهي في "لا تبلغاه" خرج مخرج الالتماس من صاحبيه.
3. التمني
يستخدم النهي للتمني عندما يوجه الخطاب إلى "غير العاقل"، أو عندما يكون المنهي عنه أمراً محبوباً ولكنه بعيد المنال أو مستحيل الحدوث. في هذه الحالة، يعلم المتكلم أن المخاطب لا يملك الإرادة للاستجابة، ولكنه ينفث عن رغباته.
شاهد ذلك قول أبي نواس في مدح الأمين، مخاطباً ناقته:
"يَا نَاقُ لَا تَسْأَمِي أو تَبْلُغِي مَلِكاً ... تَقْبِيلُ رَاحَتِهِ والرُّكْنِ سِيَّانِ"
فالناقة لا تفهم النهي، لذا فالغرض هو تمني الشاعر ألا تكل ناقته حتى تصل إلى الممدوح.
4. الإرشاد
يخرج النهي إلى غرض الإرشاد عندما يحمل في طياته نصيحة وتوجيهاً لمصلحة المخاطب، دون أن يحمل طابع الإلزام القهري، بل هو محض نصح لتهذيب النفس أو السلوك.
ومثاله قول أبي العلاء المعري:
"وَلَا تَجْلِسْ إلى أهلِ الدَّنَايَا ... فإنَّ خَلَائِقَ السُّفَهَاءِ تُعْدِي"
فالشاعر هنا يرشد المخاطب إلى تجنب مرافقة السفهاء لما في ذلك من ضرر عليه.
5. التوبيخ
يأتي النهي للتوبيخ عندما ينهى المتكلمُ المخاطبَ عن فعل هو متلبس به فعلاً، أو عن فعلِ شيءٍ بينما يقوم المخاطب بأسوأ منه، مما يظهر التناقض في سلوكه.
أشهر الشواهد على ذلك قول أبي الأسود الدؤلي:
"لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ"
فالغرض هنا ليس مجرد النهي، بل تقريع المخاطب وتوبيخه على تناقض أقواله مع أفعاله.
6. التيئيس
يقصد به قطع الأمل في نفوس المخاطبين من تحقيق غاية معينة، وإشعارهم بأن جهدهم ضائع لا محالة. يُستخدم هذا الغرض عندما يحاول شخص مساواة نفسه بمن هو أعلى منه قدراً.
ومن ذلك قول الشاعر:
"لَا تَعْرِضَنَّ لِجَعْفَرٍ مُتَشَبِّهاً ... بِنَدَى يَدَيْهِ فلستَ من أَنْدَادِهِ"
فالشاعر ييئس المخاطب من محاولة التشبه بكرم "جعفر"، لأن ذلك ضرب من المستحيل.
7. التحقير
وهو استخدام النهي للتقليل من شأن المخاطب أو المنهي عنه، والسخرية منه.
ومن أبلغ ما قيل في ذلك هجاء المتنبي لكافور الإخشيدي:
"لَا تَشْتَرِ العَبْدَ إلَّا والعَصَا مَعَهُ ... إنَّ العَبِيدَ لَأَنْجَاسٌ مَنَاكِيدُ"
النهي هنا "لا تشتر" ليس نصيحة تجارية، بل هو وسيلة لتحقير المهجو وإهانته.
إن أسلوب النهي في اللغة العربية ليس قالباً جامداً، بل هو أداة مرنة في يد البليغ. فبينما تحافظ الصيغة النحوية (لا + المضارع) على شكلها، يتغير الجوهر والمقصود بحسب السياق. قد يكون النهي دعاءً يرقق القلب، أو توبيخاً يلهب المشاعر، أو تحقيراً يحط من القدر. وفهم هذه الأغراض هو المفتاح لتذوق النصوص الأدبية والبلاغية وفهم مراميها البعيدة.
