هل سألت نفسك يوماً وأنت تقرأ أبياتاً للمتنبي أو لامرؤ القيس: كيف استطاع هؤلاء القوم أن يصيغوا كلاماً يجري على الألسنة مجرى الماء العذب، موزوناً بميزان دقيق لا يختل أبداً؟ هل هو سحر؟ أم هي موهبة فطرية بحتة؟ الحقيقة أن وراء هذا الجمال الموسيقي علماً رياضياً دقيقاً، وهندسة صوتية محكمة، أطلق عليها الخليل بن أحمد الفراهيدي اسم "علم العروض".
![]() |
| دليلك الشامل لتعلم علم العروض وبحور الشعر العربي من الصفر |
في هذا الدليل التعليمي الشامل، لن نكتفي بسرد القواعد، بل سنقوم معاً بفك شفرة الشعر العربي. سنتعامل مع الكلمات لا كمعانٍ في القاموس، بل كنغمات موسيقية ومقاطع صوتية. سنفتح معاً كتاب "علم العروض" من صفحات التاريخ، ونبسطه بأسلوب يجعل الطالب والمعلم يرى فيه متعة عقلية لا مجرد واجب دراسي. استعدوا لرحلة شيقة في عالم الأوزان والبحور.
المدخل إلى علم العروض: الفلسفة والنشأة
علم العروض هو "ميزان الشعر". وكما أن للنحو ميزاناً يضبط أواخر الكلمات لتمييز الفاعل من المفعول، فإن للعروض ميزاناً يضبط "نغم" البيت الشعري كاملاً لتمييز الشعر الموزون من المكسور، والشعر الأصيل من الدخيل. وقد وضع قواعد هذا العلم العالم العبقري الخليل بن أحمد الفراهيدي (توفي سنة 174هـ)، الذي استمع إلى إيقاع الطرق على النحاس، فاستلهم منه فكرة أن الشعر العربي يسير وفق أنظمة إيقاعية محددة، حصرها في خمسة عشر بحراً، ثم جاء تلميذه "الأخفش" فتدارك عليه بحراً واحداً (المتدارك أو الخبب)، لتكتمل الدائرة بستة عشر بحراً.
دراسة هذا العلم ليست ترفاً، بل هي ضرورة لمن أراد أن يقرأ الشعر قراءة صحيحة، فكم من بيت يُقرأ خطأً فيختل معناه، ولا يصححه إلا معرفة وزنه.
الدستور الأول: الكتابة العروضية (قانون الصوت)
أعزائي الطلاب، لكي تنجحوا في تقطيع الشعر، عليكم أولاً "نسيان" قواعد الإملاء التي تعلمتموها في المدارس مؤقتاً. في علم العروض، هناك قاعدة ذهبية واحدة تحكمنا: "ما يُنطق يُكتب، وما لا يُنطق لا يُكتب". نحن هنا مهندسو صوت، ولسنا كتاباً. الحرف الذي يقرع سمعك نثبته، والحرف الذي يسقط من لسانك نسقطه من الكتابة، حتى لو كان مكتوباً في المصحف أو الدواوين.
ولنطبق هذا الدستور، إليكم القواعد التفصيلية للكتابة العروضية كما وردت في منهجنا:
أولاً: ما يُزاد في الكتابة (حروف ننطقها ولا نكتبها إملائياً)
- التنوين: هو في الحقيقة نون ساكنة تلحق آخر الأسماء. فكلمة (عِلْمٌ) نكتبها عروضياً (عِلْمُنْ).
- الحرف المشدد: الشدة عبارة عن حرفين أدغما في بعضهما؛ الأول ساكن والثاني متحرك. كلمة (مَدَّ) نكتبها (مَدْدَ)، وكلمة (فَهَّمَ) تصبح (فَهْهَمَ).
- أسماء الإشارة: في كلمات مثل (هذا، هؤلاء، ذلك، الله)، ننطق ألفاً لا نكتبها. في العروض نعيد الاعتبار لهذه الألف، فنكتب: (هاذا، هاؤلاء، ذالك، اللاه).
- إشباع الحركة: غالباً ما نشبع حركة الحرف الأخير في الشطر الأول (العروض) والشطر الثاني (الضرب) حتى يتولد منها حرف مد. فإذا انتهى البيت بكلمة (الكتبِ) بكسر الباء، نكتبها (الكتبي) بالياء، وإذا كانت (الحكمُ) بالضم، نكتبها (الحكمو) بالواو.
ثانياً: ما يُحذف في الكتابة (حروف نكتبها ولا ننطقها)
- همزة الوصل: إذا جاءت في وسط الكلام ودرجه، فإنها تسقط لفظاً. مثال: (واسمع) نكتبها (وسمع)، و(ابن) إذا سبقت بكلام مثل (يا ابن) تُكتب (يبن).
- اللام الشمسية: هي اللام التي تُكتب ولا تُنطق ويُشدد الحرف بعدها. مثال: (والشمس). هنا نحذف همزة الوصل واللام الشمسية ونفك تشديد الشين، فتصبح الكتابة العروضية: (وشْشَمْس).
- حروف العلة عند التقاء الساكنين: إذا انتهت كلمة بحرف مد (ساكن) وبدأت الكلمة التالية بساكن، يحذف حرف المد. مثال: (في البيت). الياء في "في" ساكنة، واللام في "البيت" ساكنة (بعد حذف همزة الوصل)، فنحذف الياء وتصبح: (فلبيت).
الأبجدية الموسيقية: الحركات والسكنات
بعد الكتابة العروضية، نقوم بترجمة الحروف إلى "رموز". الأمر أشبه بالشفرة (Code).
- الحرف المتحرك (فتحة، ضمة، كسرة) نرمز له بخط مائل أو عصا (/).
- الحرف الساكن (السكون، حروف المد، النون الناتجة عن التنوين) نرمز له بدائرة صغيرة أو سكون (0).
من تجمع هذه الحركات والسكنات، تتكون لدينا وحدات صوتية تسمى "التفاعيل"، وهي القوالب التي يُصب فيها الشعر.
المصطلحات الفنية للبيت الشعري
قبل الدخول إلى البحور، يجب أن نتفق على "خريطة" البيت الشعري ومسميات أجزائه، لنتحدث لغة واحدة:
- الشطر: هو نصف البيت. الشطر الأول يسمى (الصَّدْر)، والشطر الثاني يسمى (العَجُز).
- العَرُوض: (بفتح العين) هي التفعيلة الأخيرة في الشطر الأول.
- الضَّرْب: هو التفعيلة الأخيرة في الشطر الثاني.
- الحَشْو: هو كل تفعيلات البيت ما عدا العروض والضرب.
جولة معمقة في بحور الشعر العربي
الآن، وقد امتلكنا الأدوات، دعونا نستعرض أهم البحور الشعرية، مفاتيحها، وتطبيقات عملية عليها كما وردت في المصادر العروضية الموثقة.
1. بحر الطويل (بحر الفخامة)
هو أكثر البحور استخداماً في الشعر العربي القديم، يتسم بالوقار وطول النفس، ولا يأتي إلا تاماً (لا يُجزأ).
وزنه وتفعيلاته:
يتكون من تكرار تفعيلتي (فعولن مفاعيلن) أربع مرات في كل شطر (مع جواز قبض مفاعيلن لتصبح مفاعلن).
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ... فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن
مثال تطبيقي:
قال الشاعر: أراكَ عَصِيَّ الدَمْعِ شيمَتُكَ الصَبْرُ
- الكتابة العروضية: أراك عصيي د دمع شيمتك ص صبرو
- الرموز: //0/ / //0/0/0 //0/ / //0/0/0
- التفعيلات: فعولُ مفاعيلن فعولُ مفاعيلن
لاحظ أن (فعولن) جاءت (فعولُ) بحذف النون، وهذا تغيير جائز يسمى "القبض".
2. بحر البسيط (بحر الانبساط)
هو بحر يجمع بين اللين والشدة، وتتوالى فيه الحركات والسكنات بانسيابية.
وزنه:
مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن ... مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن
مفتاحه للحفظ: إن البسيط لديه يُبسط الأملُ.
مثال:
يا حارِ لا أرمينْ منكم بداهيةٍ ... لم يلقها سوقةٌ قبلي ولا ملكُ
- التقطيع: مستفعلن فاعلن مستفعلن فعِلن (لاحظ تحول فاعلن الثانية إلى فعِلن //0/ وهذا زحاف مشهور يسمى "الخبن").
3. بحر الكامل (بحر الحماسة)
سمي كاملاً لأنه كملت حركاته، وهو بحر شديد الموسيقى والحماسة.
وزنه:
متفاعلن متفاعلن متفاعلن ... (مكررة في الشطرين)
التغييرات الشائعة:
تفعيلة (مُتَفَاعِلُنْ ///0//0) قد يسكن ثانيها فتصبح (مُتْفَاعِلُنْ /0/0//0) وتنقل إلى (مُسْتَفْعِلُنْ). هذا التغيير يسمى "الإضمار" وهو كثير الوقوع وحسن.
مثال:
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
عند تقطيعه ستجد (متفاعلن) تتراوح بين الحركة والسكون في الحرف الثاني.
4. بحر الوافر (بحر الرقة)
بحر لين رقيق، يكثر في الغزل والرثاء.
وزنه:
مفاعلتن مفاعلتن فعولن ... مفاعلتن مفاعلتن فعولن
تفعيلة (مُفَاعَلَتُنْ //0///0) تتميز بـ "الوتد المجموع" في وسطها. وغالباً ما يدخلها "العصب" وهو تسكين الحرف الخامس فتصبح (مُفَاعَلْتُنْ //0/0/0) التي تشبه (مفاعيلن).
5. بحر الرجز (حمار الشعراء)
سمي بذلك لسهولة النظم عليه، وكان العرب يرتجزونه في الحروب والحداء.
وزنه:
مستفعلن مستفعلن مستفعلن ... (مكررة في الشطرين)
مثال:
في أبحر الأرجاز بحر يسهل ... مستفعلن مستفعلن مستفعلن
6. بحر الخفيف
خفيف على اللسان، رشيق الحركة.
وزنه:
فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن ... (في كل شطر)
مثال:
يا خفيفاً خفت به الحركات ... فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن
7. بحر المتقارب
بحر متقارب الأجزاء (التفعيلات)، يعطي إيقاعاً سريعاً متلاحقاً.
وزنه:
فعولن فعولن فعولن فعولن ... (ثماني مرات في البيت)
مثال:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
- التقطيع: فعولن فعولن فعولن فعولن.
البحور المموزجة والقصيرة
بالإضافة إلى البحور السبعة الشهيرة السابقة، هناك بحور أخرى تشكل نسيج الشعر العربي، سنمر عليها لنكمل الصورة:
- بحر المديد: (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن). وهو بحر قليل الاستعمال نسبياً.
- بحر الهزج: يعتمد على تكرار (مفاعيلن) مرتين في كل شطر. (على الأهزاج تسهيل .. مفاعيلن مفاعيلن).
- بحر الرمل: بحر غنائي عذب، وزنه (فاعلاتن) ثلاث مرات في كل شطر. (رمل الأبحر ترويه الثقات .. فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن).
- بحر السريع: سريع النطق، وزنه (مستفعلن مستفعلن فاعلن).
- بحر المنسرح: (مستفعلن مفعولات مستفعلن). يتميز بوجود تفعيلة (مفعولاتُ) الصعبة.
- بحر المضارع: (مفاعيلن فاعلاتن).
- بحر المقتضب: (مفعولات مستفعلن).
- بحر المجتث: (مستفعلن فاعلاتن).
- بحر المتدارك (الخبب): (فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن). ويتميز بإيقاعه الراكض الذي يشبه وقع حوافر الخيل (تك تك تك تك).
الزحافات والعلل: سر التنوع الموسيقي
قد يتساءل الطالب: "هل يجب أن تكون التفعيلة صماء جامدة لا تتغير؟". الإجابة هي لا، وإلا لأصبح الشعر مملاً ورتيباً كالآلة. هنا يأتي دور "الزحافات والعلل" التي تمنح الشاعر حرية فنية:
1. الزحاف:
هو تغيير "خفيف" يحدث في (ثواني الأسباب)، أي في الحروف غير الأساسية في التفعيلة. ميزته أنه غير لازم، فإذا استخدمه الشاعر في بيت، لا يلزمه استخدامه في باقي القصيدة.
مثال: (مستفعلن) قد تصبح (متفعلن) بحذف السين (الساكن الثاني)، وهذا يسمى "الخَبْن".
2. العلة:
هو تغيير "جذري" يحدث غالباً في (الأوتاد)، ويقع في العروض (آخر الشطر الأول) والضرب (آخر الشطر الثاني). ميزته أنه لازم، فإذا اختار الشاعر علة معينة في مطلع القصيدة، وجب عليه الالتزام بها حتى آخر بيت.
مثال: حذف آخر التفعيلة تماماً أو زيادة حرف عليها.
نصائح عملية لإتقان التقطيع العروضي
يا طلاب العلم، العروض علم تطبيقي لا نظري. لا يمكنك تعلم السباحة بقراءة كتاب عنها، وكذلك العروض. إليكم وصفتي السحرية للإتقان:
- ابدأ بالسماع: قبل أن تمسك القلم، اقرأ البيت بصوت عالٍ ومنغم. حاول أن تطرق بيدك على الطاولة مع كل مقطع صوتي. الأذن هي الحكم الأول.
- التدريج: ابدأ بالبحور الصافية (التي تتكرر فيها تفعيلة واحدة) مثل الكامل (متفاعلن) والمتقارب (فعولن) والرجز (مستفعلن). فهي أسهل في اكتشاف النغم.
- الكتابة الدقيقة: لا تتهاون في كتابة الرموز (//0/0). خطأ واحد في حركة أو سكون قد ينقلك من بحر إلى آخر أو يوهمك بكسر غير موجود.
- حفظ المفاتيح: لقد وضع صفي الدين الحلي مفاتيح (أبيات شعرية) لكل بحر تجمع اسمه ووزنه. حفظ هذه المفاتيح يغنيك عن استذكار التفعيلات المجردة. مثال: (طويلٌ له دون البحور فضائلُ ... فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيل).
خاتمة: العروض حارس اللغة والجمال
في ختام رحلتنا، أتمنى أن يكون هذا "البعبع" المسمى بالعروض قد تحول في أعينكم إلى صديق أليف. إن هذا العلم ليس مجرد طلاسم ورموز، بل هو النظام الذي حفظ للشعر العربي هيبته عبر القرون، ومنع الدخلاء من إفساد ذائقتنا السمعية. دراسة العروض تنمي فيك الذائقة الموسيقية، وتجعلك تتذوق جماليات النص الشعري بوعي وعمق، فتميز بين الرقص الرشيق للكلمات وبين التعثر الثقيل.
تذكروا دائماً أن الشاعر يكتب بإحساسه، والعروضي يفسر بعلمه. فلا تجعلوا القواعد حاجزاً بينكم وبين الاستمتاع، بل اجعلوها جسراً للوصول إلى مكامن الجمال. ابدؤوا اليوم بتقطيع بيت واحد، وستجدون أن الموسيقى ستنساب من بين أصابعكم.
