عندما نتحدث عن البلاغة العربية، فنحن لا نتحدث فقط عن قواعد جافة أو مصطلحات أكاديمية جامدة، بل نحن بصدد الغوص في بحرٍ من الخيال الشعوري الذي يمتلك القدرة على تحويل الكلمة العادية إلى صورة فنية نابضة بالحياة. ومن بين أروع هذه الفنون البديعية التي تبرز عبقرية اللغة العربية، يطل علينا فن المبالغة. هذا الفن الذي طالما أثار الجدل بين النقاد، وأشعل الحماسة في قلوب الشعراء، ليس مجرد وسيلة لتضخيم الأحداث، بل هو أداة نفسية عميقة تعكس رغبة الإنسان في تجاوز حدود الواقع للتعبير عما يجيش في صدره من انفعالات لا تكفيها الكلمات العادية.
![]() |
| فن المبالغة في البلاغة | التبليغ والإغراق والغلو |
في هذا المقال التعليمي المفصل، سنصحبكم في رحلة دقيقة وشاملة داخل أروقة علم البديع، مستندين إلى النصوص والشواهد البلاغية الأصيلة، لنفهم معاً ماهية المبالغة، ولماذا لجأ إليها فطاحل الشعراء كالمتنبي وعمرو بن كلثوم، وكيف صنفها البلاغيون إلى درجات دقيقة تعتمد على معايير "العقل" و"العادة". جهز ذهنك لاستقبال جرعة مكثفة من الجمال اللغوي والتحليل الأدبي.
جوهر المبالغة: التعريف والمفهوم العميق
قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أن المبالغة تعني "الكذب" أو "اختلاق ما ليس موجوداً"، لكن هذا الفهم سطحي جداً ولا يليق بمقام البلاغة. المبالغة في تعريفها الدقيق عند علماء البديع هي: أن يبلغ المتكلم في وصفه لشيء ما (سواء في المدح أو الذم أو الرثاء أو الفخر) حداً يستبعده العقل أو تستغربه العادة، وذلك بهدف التأكيد على "الشدة" في تلك الصفة.
تخيل أنك تريد وصف كريم، فتقول "إنه يعطي الكثير"، هذا كلام عادي (حقيقي). لكن حينما تريد أن تنقل للمستمع شعورك بأن كرم هذا الرجل يفوق التصور، قد تقول: "يكاد السحاب يستحي من كرم يده". هنا أنت لم تكذب، بل نقلت المعنى من دائرة الإخبار العادي إلى دائرة التصوير الشعوري. الغاية هنا ليست إثبات أن السحاب لديه مشاعر خجل، بل إثبات أن كرم الممدوح وصل لدرجة تجعل الطبيعة نفسها تتضاءل أمامه.
وأفضل مثال يوضح هذا المفهوم ما قاله الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم في معلقته الشهيرة، حين أراد أن يصف عزة قبيلته وقوتها، فقال:
دعنا نحلل هذا البيت بعمق: الشاعر هنا يدعي أن ملوك الأرض وجبابرتها يسجدون خضوعاً وهيبةً لطفل من قبيلته لم يتجاوز مرحلة الفطام (أي عمره عامين تقريباً). هل هذا يحدث في الواقع؟ قطعاً لا. هل يقبله العقل؟ من الصعب جداً. لكن الشاعر نجح في إيصال رسالة نفسية مرعبة لخصومه مفادها: "إذا كان هذا حال رضيعنا، فكيف حال رجالنا ومقاتلينا؟". هذا هو جوهر المبالغة: القفز فوق الواقع للوصول إلى الحقيقة الشعورية.
معيارا الحكم: العقل والعادة
قبل أن ندخل في أنواع المبالغة، يجب أن نثبت قاعدة ذهبية يستخدمها البلاغيون للتمييز بين هذه الأنواع. نحن نحكم على الصورة المبالغ فيها بمقياسين:
- المقياس العقلي: هل يمكن للعقل البشري أن يتصور حدوث هذا الشيء ولو نظرياً؟ (الإمكان العقلي).
- المقياس العادي: هل جرت العادة وقوانين الطبيعة التي نعيشها بحدوث هذا الشيء؟ (الإمكان العادي).
بناءً على هذين المقياسين، تنقسم المبالغة إلى ثلاث درجات متفاوتة في القوة والغرابة، وهي: التبليغ، والإغراق، والغلو.
الدرجة الأولى: التبليغ (قمة الممكن)
النوع الأول يسمى "التبليغ". وهو وصف شديد جداً، لكنه يظل ضمن دائرة ما يمكن حدوثه. تعريفه الدقيق: هو ما كان ممكناً عقلاً وممكناً عادةً. أي أن العقل يصدقه، والعادة لا تنكره، وإن كان حدوثه نادراً أو يمثل الحد الأقصى للصفة.
لنأخذ مثالاً رائعاً من شعر ابن الرومي في رثاء ابنه، حيث يصور حالة الحزن القاتلة التي يعيشها:
يشرح الشاعر هنا حالة نفسية معقدة: عادةً، الإنسان المحزون يبحث عن أشياء تسليه وتنسيه همه (سلوة). لكن ابن الرومي يقول إن أي شيء يُفترض أن يكون سبباً للنسيان، يتحول عنده إلى سبب لزيادة الشوق والحزن (الوجد).
هل هذا ممكن؟
عقلاً: نعم، يمكن للعقل تصور ذلك.
عادةً: نعم، يحدث كثيراً أن يرى المفجوع في الأشياء الجميلة ذكرى لفقيده فيزداد ألماً.
لذلك، يُسمى هذا النوع "تبليغاً"؛ لأنه بلغ الغاية في وصف الحزن دون أن يخرج عن حدود المنطق والواقع.
الدرجة الثانية: الإغراق (الخيال الواسع)
نصعد الآن درجة في سلم المبالغة لنصل إلى "الإغراق". وفي هذا النوع يبدأ الشاعر بالخروج عن المألوف. تعريفه: هو ما كان ممكناً عقلاً، ولكنه غير ممكن عادةً. أي أن العقل يستطيع تخيل الصورة ورسمها، لكن قوانين الطبيعة والعادة البشرية تقول إن هذا لا يحدث.
المثال النموذجي هنا هو قول المتنبي يصف جيشاً عظيماً مدججاً بالسلاح، وكيف أن الخيول تسير بصعوبة من ثقل الحديد:
تأمل الصورة المدهشة: يقول المتنبي إن الجيش يزحف ببطء وثقل، والحديد (الدروع والأسلحة) يغطي كل شيء، حتى أنه يغطي أجسام الخيول وينزل ليغطي سيقانها، لدرجة أن الناظر يظن أن هذه الخيول تسير بلا أرجل (قوائم)!
عقلاً: هل يمكن تخيل حصان مغطى بالحديد لدرجة إخفاء أرجله؟ نعم، العقل يقبل الصورة التخيلية.
عادةً: هل يحدث في الحروب أن تختفي قوائم الخيول تماماً وتتحرك وهي كذلك؟ لا، العادة تمنع ذلك لأن الحركة تتطلب ظهور القوائم.
هذا هو الإغراق؛ صورة خيالية بديعة يقبلها الذهن لكن يرفضها الواقع المعاش، وهي تدل على كثافة الجيش ورهبته.
الدرجة الثالثة: الغلو (المستحيل المطلق)
نصل إلى أخطر أنواع المبالغة وأكثرها جرأة، وهو "الغلو". هنا يكسر الشاعر كل القيود. تعريفه: هو ما كان مستحيلاً عقلاً ومستحيلاً عادةً. إنه ادعاء صفات لا يمكن لبشر أن يملكها، أو وصف أحداث تناقض بديهيات العقل.
شاهد جرأة المتنبي (وهو سيد هذا الفن) في مدح رجل بالشجاعة، فيقول:
الشاعر هنا يدعي أن الممدوح لم يكتفِ بالوصول لقمة الشجاعة والعقل (النهى)، بل تجاوزهما بمراحل حتى ظن الناس أن انتصاراته وتدبيره ناتجة عن معرفته بالغيب!
عقلاً وعادةً: علم الغيب صفة إلهية مطلقة، ومن المستحيل عقلياً وشرعياً وعادياً أن يعلم بشر الغيب. ادعاء هذه الصفة لمخلوق هو ضرب من المستحيل المطلق.
هذا النوع يسمى "الغلو"، وقد انتقده بعض البلاغيين بشدة إذا جاء في سياق الجد، لكنهم قبلوه في سياق الشعر والخيال بشرط وجود قرائن تخفف من حدته.
فن ترويض المستحيل: متى يُقبل الغلو؟
هل يعني ذلك أن "الغلو" مرفوض دائماً؟ لا، البلاغة العربية مرنة وذكية. الغلو يصبح مقبولاً، بل ومستحسناً جداً، إذا استخدم الشاعر "أدوات تلطيف" تقرب المعنى من الذهن وتنزع عنه صفة الكذب الصريح. من أشهر هذه الأدوات:
- أفعال المقاربة: مثل "كاد" (بمعنى اقترب ولم يحدث).
- حروف الشرط والامتناع: مثل "لو" و"لولا".
وأعظم مثال على الغلو المقبول والبليغ هو قوله تعالى في سورة النور واصفاً صفاء الزيت في المشكاة:
لنتأمل الآية: الزيت مادة سائلة معتمة أو شفافة، ومن المستحيل عقلاً وعادة أن يصدر الزيت ضوءاً بنفسه دون إشعال نار. لكن البلاغة القرآنية استخدمت لفظة "يكاد". هذه اللفظة نقلت المعنى من "الاستحالة" إلى "الاقتراب الشديد". المعنى هنا: لشدة صفاء هذا الزيت ونقائه، فإنه يبدو وكأنه سيشع نوراً من تلقاء نفسه. هذا غلو، لكنه غلو ساحر ومقبول قرب الصورة للأذهان.
وكذلك قول الشاعر الذي استخدم "كاد" لتلطيف غلوه:
يدعي الشاعر أن الحجر الأسود (ركن الحطيم) يكاد يمسك يد الممدوح لأنه يعرفه من كثرة طوافه وصلاحه. طبعاً الحجر جماد لا يمسك البشر، لكن كلمة "يكاد" جعلت الصورة مقبولة في إطار المدح الديني.
شواهد إضافية للتدبر
لتعميق الفهم، دعونا نستعرض بعض الأبيات التي تضمنت مبالغات ونحلل نوعها:
1. المبالغة في الفخر بالعدد (عمرو بن كلثوم):
يقول إن قبيلته ملأت الأرض اليابسة حتى لم يعد فيها مكان، وملأت سطح البحر بالسفن. هذا "غلو" أو "إغراق" حسب زاوية النظر، لكنه مقبول في سياق الفخر القبلي الذي يعتمد على تضخيم القوة والكثرة.
2. المبالغة في وصف الكرم:
الشطر الثاني فيه مبالغة لطيفة. عادةً يُكرم الضيف وهو مقيم، لكن أن تتبعه الكرامة وتسافر خلفه حيثما رحل، فهذا تصوير بديع لدوام أثر المعروف والجميل الذي لا ينقطع برحيل الشخص.
خاتمة: المبالغة مرآة الشعور لا الواقع
في ختام هذه الجولة البلاغية، يجب أن نرسخ في أذهاننا قاعدة مهمة: الأدب ليس تقريراً صحفياً ملزماً بنقل الواقع كما هو بحذافيره. الأدب هو نقل "للشعور" بالواقع. عندما يستخدم الشاعر المبالغة، هو لا يطلب منك أن تصدق أن الخيول فقدت أرجلها، أو أن الرضيع يحكم الملوك، بل يطلب منك أن تشعر بمدى الرهبة، أو العزة، أو الحزن الذي يعتصر قلبه.
المبالغة هي محاولة اللغة اليائسة والجميلة في آنٍ واحد للحاق بطموح الخيال البشري اللامتناهي. دراسة هذه الأنواع (التبليغ، الإغراق، الغلو) تمنحنا ميزاناً نقدياً، لكن التذوق الفني يظل هو الحكم الأخير في قبول الصورة أو رفضها.
