المقابلة في البلاغة
أهلاً بكم مجدداً، أبنائي الطلاب، وزملائي المعلمين، وكل باحثٍ عن مكامن الجمال في لغتنا العربية الخالدة. حديثنا اليوم لن يكون عن مجرد قاعدة نحوية جافة، بل عن "هندسة" فنية رفيعة المستوى، وعن ميزان دقيق يضعه البليغ في كلامه ليخلق توازراً يأسر الألباب. حديثنا عن جوهرة من جواهر "علم البديع"، ألا وهي "المقابلة".
![]() |
| فن المقابلة في البلاغة | شرح مبسط لأنواعها وأمثلة شاملة |
هل تأملتم يوماً في قول العرب القديم: "وبضدها تتميز الأشياء"؟ هذه الحكمة هي الأساس النفسي والجمالي لهذا الفن. فالبياض لا يزداد نُصوعاً إلا بجوار السواد، والراحة لا يُستعذب طعمها إلا بعد تذكر العناء. البلاغة العربية التقطت هذا الخيط النفسي، وحولته من مجرد تضاد عشوائي إلى بناء هندسي منتظم نسميه "المقابلة". دعونا في هذا الدرس الشامل والموسع نغوص في أعماق هذا المحسن البديعي، نحلل شواهده من الكتاب الكريم ومن عيون الشعر العربي، لنفهم كيف يرتب البليغ أفكاره في صفوف متقابلة كأنها جيوش المعاني.
أولاً: المفهوم الدقيق للمقابلة (ما وراء التعريف)
إذا عدنا إلى النصوص البلاغية المعتمدة، نجد أن تعريف المقابلة بسيط في لفظه، عميق في تطبيقه. هي: «أن يُؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يُؤتى بما يقابل ذلك (أي يضاده) على الترتيب».
دعونا نفكك هذا التعريف كأننا في مختبر لغوي:
- "يؤتى بمعنيين أو أكثر": إذن، المقابلة ليست كلمة ضد كلمة (هذا شأن الطباق)، بل هي "جملة" ضد "جملة"، أو سياق كامل ضد سياق آخر. هي معركة بين فريقين، لا بين فردين.
- "على الترتيب": هذا هو الشرط الذهبي. لا يكفي أن تحشد المتضادات عشوائياً. إذا ذكرت (الأول، الثاني، الثالث) في الشطر الأول، يجب أن تذكر أضدادها (ضد الأول، ضد الثاني، ضد الثالث) بنفس الترتيب في الشطر الثاني. هذا النظام هو ما يعطي المقابلة "إيقاعها الهندسي" الذي يطرب الذهن.
ثانياً: فك الاشتباك.. الفرق بين الطباق والمقابلة
هذا السؤال هو الأكثر تكراراً في قاعات الدرس: "يا أستاذ، أليس كلاهما تضاداً؟". نعم، كلاهما يعتمد على التضاد، لكن الفرق يكمن في "الكمية" و"الهيئة":
- الطباق (التضاد المفرد): هو حصول التضاد بين لفظة واحدة وأخرى. مثل (أبيض/أسود)، (ليل/نهار). المعادلة هنا: (1 ضد 1).
- المقابلة (التضاد المُرَكَّب): هي حصول التضاد بين عدة معاني وما يقابلها. المعادلة هنا: (2 ضد 2)، (3 ضد 3)، وتصل حتى (6 ضد 6).
إذن، كل مقابلة هي طباق في الجوهر، ولكن ليس كل طباق مقابلة. المقابلة هي "مجموعة طباقات" رُتبت بنظام دقيق.
ثالثاً: رحلة تطبيقية في أنواع المقابلة
لننتقل الآن من التنظير إلى التطبيق، ولنتذوق معاً درجات المقابلة كما وردت في شواهدنا البلاغية، متدرجين من البساطة إلى قمة التعقيد الفني.
1. مقابلة معنيين بمعنيين (2 ضد 2)
هذا هو الشكل الأبسط والأكثر شيوعاً للمقابلة، ومع بساطته إلا أنه يحمل قوة إقناعية هائلة.
المثال القرآني:
قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾.
تأملوا الترتيب:
1. (يضحكوا) جاء ضدها في الجملة الثانية (يبكوا).
2. (قليلاً) جاء ضدها في الجملة الثانية (كثيراً).
هذا التقابل رسم صورتين متناقضتين لحال المنافقين: ضحك مؤقت في الدنيا، وبكاء دائم في الآخرة. الترتيب هنا جعل المعنى يستقر في النفس ويثير الرهبة.
مثال شعري:
يقول الشاعر: «أَإِعجَاباً فَعِجْبُكَ لِي سُرُورٌ ... وَمَقْتُكَ لِي -وإنْ خَفِيَ- اكْتِئَابُ».
المقابلة هنا بين الحالة الشعورية للمحبوب وأثرها على الشاعر:
- (عجبك/إعجابك) يقابله (مقتك/كرهك).
- (سرور) يقابله (اكتئاب).
صورتان نفسيتان متقابلتان تماماً.
2. مقابلة ثلاثة بثلاثة (3 ضد 3)
هنا يزداد الإيقاع الموسيقي جمالاً، وتتسع رقعة المعنى.
المثال الشعري الخالد لأبي دلامة:
يقول في بيت ساخر يجمع بين المدح والذم في آن واحد:
«ما أحسَنَ الدينَ والدنيا إذا اجْتَمَعَا ... وأقْبَحَ الكُفْرَ والإفْلاسَ بالرَّجُلِ»
دعونا نعد المتضادات:
1. (ما أحسن) ضدها (أقبح).
2. (الدين) ضده (الكفر).
3. (الدنيا) التي ترمز هنا للغنى، ضدها (الإفلاس).
جمع الشاعر في الشطر الأول أسباب السعادة الكاملة (صلاح الدين وسعة الدنيا)، وفي الشطر الثاني أسباب الشقاء الكامل (ضلال الدين وضيق الدنيا). هذا التقابل الثلاثي يجعل القارئ يدرك بوضوح الفرق الشاسع بين الحالين.
3. مقابلة أربعة بأربعة (4 ضد 4)
في هذا المستوى، نرى قدرة اللغة العربية على الإيجاز والإعجاز. ومن أروع الأمثلة القرآنية ما جاء في سورة الليل، حيث رسم الله تعالى طريقين لمصير البشر.
قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
وفي المقابل:
﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
لنحلل هذا البناء المعماري المتقن:
1. (أعطى) تقابل (بخل).
2. (اتقى) تقابل (استغنى) (استغنى عن ربه وعن الطاعة).
3. (صدّق) تقابل (كذّب).
4. (لليسرى) تقابل (للعسرى).
أربعة أفعال وصفات تقابل أربعة أخرى على الترتيب الدقيق. هذا التوازن اللفظي يعكس التوازن في ميزان العدل الإلهي: الجزاء من جنس العمل.
4. مقابلة خمسة بخمسة (5 ضد 5)
وهذا يدل على براعة الشاعر وتمكنه من ناصية اللغة. تأملوا قول المتنبي وهو يصف حاله في زيارة سرية لمحبوبته:
«أَزُورُهُمْ وَسَوَادُ اللَّيلِ يَشْفَعُ لِي ... وَأَنْثَنِي وَبَيَاضُ الصُّبْحِ يُغْرِي بِي»
لنشرح البيت أولاً: الشاعر يذهب لرؤية أحبته ليلاً، فالظلام يسترُه وكأنه "شفيع" يحميه من عيون الوشاة. ثم يعود (ينثني) عند الفجر، والضوء يفضحه وكأنه "يغري" الأعداء به.
التحليل البلاغي (المقابلة):
1. (أزورهم) بمعنى أُقبل، ضدها (أنثني) بمعنى أعود وأدبر.
2. (سواد) ضدها (بياض).
3. (الليل) ضدها (الصبح).
4. (يشفع لي) أي يساعدني، ضدها (يغري بي) أي يحرض عليّ ويكشفني.
(وهناك من يعد المقابلة بين الواو الحالية في الشطرين، لتكون خمسة بخمسة، أو الاكتفاء بالأربعة الظاهرة، وفي كل الأحوال هي لوحة فنية مذهلة).
5. مقابلة ستة بستة (الذروة)
وهذا أقصى ما وصل إليه الشعراء من تكثيف للمعاني المتضادة في بيت واحد، وهو بيت عنترة بن شداد (أو يُنسب لغيره في بعض المصادر) الذي يصف فيه المفارقة العجيبة بين حال الحر وحال العبد:
«عَلَى رَأْسِ عَبْدٍ تَاجُ عِزٍّ يَزِينُهُ ... وَفِي رِجْلِ حُرٍّ قَيْدُ ذُلٍّ يَشِينُهُ»
دعونا نعد معاً هذا الإبداع السداسي:
1. (على) ضد (في) (لأن "على" تفيد الاستعلاء، و"في" تفيد الظرفية والسفول هنا).
2. (رأس) ضد (رِجْل).
3. (عبد) ضد (حُرّ).
4. (تاج) ضد (قيد).
5. (عز) ضد (ذل).
6. (يزينه) ضد (يشينه).
تخيلوا! اثنتا عشرة لفظة في بيت واحد، نصفها يضاد نصفها الآخر بالترتيب التام. هذا البيت يُدرس كنموذج للإعجاز البشري في صياغة المقابلة.
رابعاً: القيمة الفنية للمقابلة (لماذا نستخدمها؟)
قد يسأل سائل: "يا أستاذ، لماذا كل هذا العناء؟ لماذا لا نقول المعنى مباشرة؟". وهنا نصل إلى بيت القصيد. المقابلة ليست زينة شكلية، بل وظيفتها:
- توكيد المعنى وترسيخه: عندما تذكر الشيء وضده، فإنك تحاصر ذهن السامع بالمعنى من جميع جهاته، فلا تترك مجالاً للشك.
- الإمتاع النفسي: النفس البشرية تستمتع بالموازنة. التناظر بين الشطرين يخلق "توازناً صوتياً ودلالياً" يريح النفس ويطرب الأذن.
- الإيجاز والكثافة: بدلاً من شرح طويل لحال المتناقضات، تختصر المقابلة مشهداً كاملاً في كلمات معدودة (كما رأينا في بيت المتنبي).
ختاماً: نصيحة لكل دارس
أعزائي، إن البلاغة هي مفتاح تذوق الجمال. عندما تمرون بمقابلة في نص قرآني أو بيت شعري، لا تكتفوا بتسميتها والمرور عليها. قفوا عندها، وتأملوا كيف اختار الأديب كلماته، وكيف رتبها، وكيف جعل من التضاد وسيلة للإيضاح لا للتعقيد.
حاولوا أنتم أيضاً في كتاباتكم أن تستخدموا هذا الفن، ولكن بحذر وعفوية، فالمقابلة الجميلة هي التي تأتي عفواً دون تكلف، فتزين الكلام كما تزين النجوم السماء.
أتمنى أن يكون هذا العرض قد جعل من "المقابلة" فناً قريباً إلى عقولكم وقلوبكم. دمتم فصحاء، متذوقين، ومحبين للغتكم العربية.
