المشتقات في اللغة العربية - هندسة الكلمة وبناء المعنى
أبنائي الطلاب، والزملاء المعلمين، ومحبي لغة الضاد الكريمة.. لعل من أعظم أسرار قوة اللغة العربية هي "الاشتقاق". تخيلوا أن اللغة أشبه بشجرة عملاقة، جذورها هي الأفعال (أو المصادر على رأي بعض النحاة)، ومن هذا الجذر الواحد تتفرع أغصان كثيرة وثمار متنوعة، كل ثمرة لها طعم مختلف ووظيفة محددة، لكنها جميعاً تعود لنفس الأصل. هذا باختصار هو عالم "المشتقات".
![]() |
| المشتقات في اللغة العربية | شرح شامل للأنواع وطرق الصياغة |
في درسنا اليوم، لن نمر على المشتقات مرور الكرام، بل سنغوص في أعماق كل مشتق لنفهم هندسته الدقيقة. كيف نحول "الحدث" إلى "فاعل"؟ وكيف نبالغ في الوصف؟ وكيف نصنع من الفعل "أداة"؟ سنشرح ذلك بأسلوب تعليمي متدرج، يجمع بين دقة القاعدة وسهولة التطبيق، مستندين إلى ما ورد في مراجعنا النحوية الموثوقة.
أولاً: اسم الفاعل (العمدة في المشتقات)
اسم الفاعل هو الاسم الذي نشتقه من الفعل للدلالة على أمرين متلازمين: "الحدث" و"صاحب الحدث" (من قام به). فعندما نقول "كاتب"، فنحن نقصد عملية الكتابة، والشخص الذي يكتب.
1. صياغته من الفعل الثلاثي
الأمر هنا يسير على نسق موسيقي ثابت، وهو وزن (فَاعِل). ولكن، انتبهوا للتغييرات التي تطرأ على حروف العلة:
- الصحيح: مثل (عَلِمَ) و(ضَرَبَ)، نزيد ألفاً بعد الحرف الأول ونكسر ما قبل الآخر، فتصبح: (عَالِم) و(ضَارِب).
- الأجوف (معتل الوسط): إذا كان وسط الفعل ألفاً مثل (قَالَ) أو (بَاعَ) أو (صَامَ)، تقلب هذه الألف إلى "همزة" مكسورة في اسم الفاعل.
أمثلة: صَامَ ⟵ صَائِم، نَامَ ⟵ نَائِم. - الناقص (معتل الآخر): إذا كان الفعل ينتهي بحرف علة مثل (قَضَى) أو (سَعَى) أو (دَعَا)، فإننا نحذف حرف العلة (الياء) في حالتي الرفع والجر إذا كان الاسم نكرة (غير معرف بـ ال وغير مضاف)، ونعوض عنها بتنوين العوض.
فنقول: "جاء قَاضٍ عادلٌ" (رفع)، و"مررتُ بِدَاعٍ إلى الخير" (جر). أما في النصب أو التعريف فتثبت الياء: "رأيتُ قاضياً"، "جاء القاضي".
2. صياغته من غير الثلاثي (الرباعي فأكثر)
هنا نتبع "وصفة" محددة لا تتغير:
- نأتي بالفعل المضارع (استخرج ⟵ يستخرج).
- نبدل حرف المضارعة (الياء) ميماً مضمومة.
- نكسر الحرف ما قبل الأخير.
أمثلة تطبيقية:
- أَخْلَصَ (رباعي) ⟵ يُخْلِصُ ⟵ مُخْلِص.
- انْطَلَقَ (خماسي) ⟵ يَنْطَلِقُ ⟵ مُنْطَلِق.
- اسْتَغْفَرَ (سداسي) ⟵ يَسْتَغْفِرُ ⟵ مُسْتَغْفِر.
ثانياً: صيغ المبالغة (عندما يتجاوز الفعل حده)
اللغة العربية لغة دقيقة الشعور، فاسم الفاعل "صابر" يدل على من صبر، لكن ماذا لو كان صبره عظيماً وكثيراً وتكرر منه؟ هنا لا يكفي اسم الفاعل، بل نلجأ إلى "صيغ المبالغة". وهي أسماء تشتق للدلالة على ذات الشيء الذي يدل عليه اسم الفاعل ولكن مع "الكثرة والمبالغة".
ولها خمسة أوزان قياسية مشهورة يجب أن نحفظها عن ظهر قلب:
- فَعَّال: بتشديد العين، وهي أشهر الصيغ. مثل: (غَفَّار) كثير المغفرة، (تَوَّاب)، (حَمَّاد).
- مِفْعَال: وغالباً ما تشتق من الرباعي، وتدل على الإقدام أو الآلة البشرية. مثل: (مِقْدَام) كثير الشجاعة، (مِعْطَاء) كثير العطاء، (مِضْيَاع) كثير التضييع للوقت.
- فَعُول: مثل: (شَكُور)، (صَبُور)، (غَفُور).
- فَعِيل: مثل: (رَحِيم)، (عَلِيم)، (سَمِيع)، (بَصِير).
- فَعِل: بفتح الفاء وكسر العين، وهي صيغة تدل على اليقظة وسرعة البديهة أو الصفات اللازمة. مثل: (حَذِر)، (فَطِن)، (لَبِق)، (ثَمِل).
ثالثاً: اسم المفعول (الطرف الآخر للمعادلة)
إذا كان هناك "قاتل" فلا بد من وجود "مقتول". اسم المفعول هو المشتق الذي يدل على من وقع عليه فعل الفاعل. وهناك فرق جوهري بينه وبين باقي المشتقات: أنه يُشتق من الفعل المبني للمجهول.
1. من الثلاثي
الأصل أن يأتي على وزن (مَفْعُول). مثل: كُتِبَ ⟵ مَكْتُوب، وشُرِبَ ⟵ مَشْرُوب.
ولكن، انتبهوا للأفعال المعتلة (وهنا يقع الكثير من الطلاب):
- الأجوف (وسطه علة): مثل (قَالَ) أو (بَاعَ). هنا نحذف "واو مفعول" ونرد الألف إلى أصلها.
- (قَالَ) أصل الألف واو (يقول) ⟵ تصبح مَقُول (وليس مقوول).
- (بَاعَ) أصل الألف ياء (يبيع) ⟵ تصبح مَبِيع. - الناقص (آخره علة): مثل (دَعَا) أو (قَضَى). هنا ندغم "واو مفعول" مع حرف العلة ونضع شدة.
- (دَعَا) يَدْعُو ⟵ مَدْعُوّ (أصلها مَدْعُوو).
- (قَضَى) يَقْضِي ⟵ مَقْضِيّ (تقلب واو مفعول ياءً وتدغم).
2. من غير الثلاثي
يشبه اسم الفاعل تماماً (نأتي بالمضارع + ميم مضمومة)، لكن الفرق الوحيد هو: فتح ما قبل الآخر بدلاً من كسره.
- أُخْرِجَ ⟵ مُخْرَج.
- اسْتُعْمِلَ ⟵ مُسْتَعْمَل.
- أُطِيعَ ⟵ مُطَاع (لأن الفتحة تناسبها الألف).
رابعاً: اسما الزمان والمكان
بدلاً من أن نقول "هذا وقت شروق الشمس" أو "هذا مكان لعب الكرة"، أعطتنا العربية قالباً جاهزاً وموجزاً هو "اسما الزمان والمكان". وهما صيغتان تدلان على زمن وقوع الفعل أو مكانه، ويتحددان حسب سياق الجملة.
كيف نصوغهما؟
أ- من الفعل الثلاثي: لهما وزنان فقط:
- مَفْعَل (بفتح العين): وهذا هو الأصل في أغلب الأفعال.
مثل: لَعِبَ ⟵ مَلْعَب، سَعَى ⟵ مَسْعَى، أَوَى ⟵ مَأْوَى.
ويستخدم أيضاً إذا كان الفعل صحيحاً ومضارعه مضموم العين أو مفتوحها (يَدخُل ⟵ مَدْخَل، يَلعَب ⟵ مَلْعَب). - مَفْعِل (بكسر العين): يستخدم في حالتين:
- إذا كان الفعل "مثالاً" (أوله حرف علة) صحيح الآخر، مثل: وَعَدَ ⟵ مَوْعِد، وَقَفَ ⟵ مَوْقِف.
- إذا كان الفعل صحيحاً مكسور العين في المضارع، مثل: جَلَسَ يَجْلِسُ ⟵ مَجْلِس، هَبَطَ يَهْبِطُ ⟵ مَهْبِط.
ب- من غير الثلاثي:
يصاغان بنفس طريقة اسم المفعول تماماً (ميم مضمومة وفتح ما قبل الآخر). والسياق هو الحكم.
مثال: كلمة (مُجْتَمَع).
- "الصباح مُجْتَمَع الطلاب" (اسم زمان).
- "الفناء مُجْتَمَع الطلاب" (اسم مكان).
- "الطلاب مُجْتَمَع بهم" (اسم مفعول).
خامساً: اسم الآلة (أدوات الحضارة)
هو اسم مشتق من الفعل للدلالة على الأداة التي يحدث الفعل بواسطتها. وهو نوعان:
- مشتق (قياسي): وله أوزان قديمة معروفة، وأوزان حديثة أقرها مجمع اللغة العربية لمواكبة المخترعات.
- مِفْعَال: (مِفْتَاح، مِنْشَار، مِحْرَاث).
- مِفْعَل: (مِبْرَد، مِشْرَط، مِصْعَد).
- مِفْعَلَة: (مِكْنَسَة، مِسْطَرَة، مِرْآة "أصلها مِرْأَيَة").
- فَعَّالَة (حديث): (غَسَّالَة، ثَلَّاجَة، شَوَّايَة).
- جامد (سماعي): وهي أسماء آلة ليست مأخوذة من أفعال، ولا وزن لها يقاس عليه، مثل: (قلم، سكين، سيف، رمح، فأس).
سادساً: اسم التفضيل (قمة المقارنة)
عندما نريد أن نفضل شيئاً على آخر لاشتراكهما في صفة وزيادة أحدهما فيها، نستخدم اسم التفضيل على وزن (أَفْعَل)، ومؤنثه (فُعْلَى).
مثل: العلم أَنْفَع من المال. (أنفع: اسم تفضيل، العلم: مُفَضَّل، المال: مُفَضَّل عليه).
شروط صياغته (الشروط السبعة):
لا يصاغ اسم التفضيل مباشرة إلا إذا كان الفعل:
1. ثلاثياً. 2. تاماً (ليس ناقصاً كـ كان). 3. مثبتاً (غير منفي). 4. متصرفاً (ليس جامداً كـ نعم وبئس). 5. مبنياً للمعلوم. 6. قابلاً للتفاوت (الزيادة والنقصان، فلا يصاغ من مات وهلك). 7. ليس الوصف منه على وزن (أفعل) الذي مؤنثه (فعلاء) (أي لا يدل على لون أو عيب مثل حَمِرَ وعَوِرَ).
الحل السحري (المصدر الصريح):
إذا فقد الفعل شرطاً (كأن يكون غير ثلاثي مثل "ازدحم"، أو دالاً على لون مثل "زرق")، نأتي باسم تفضيل مساعد مستوفٍ للشروط (مثل: أكثر، أشد، أعظم) ثم نضع بعده المصدر الصريح للفعل منصوباً على التمييز.
- لا نقول (القاهرة أزحم من الإسكندرية)، بل نقول: القاهرة أكثرُ ازدحاماً.
- لا نقول (السماء أزرق من البحر)، بل نقول: السماء أشدُّ زُرقةً.
كلمة أخيرة وهامة جداً
أعزائي الطلاب، تذكروا دائماً قاعدة ذهبية في التعامل مع المشتقات: المشتقات تُعرب حسب موقعها في الجملة.
كلمة "المشتقات" هي تصنيف "صرفي" (أي يخص بنية الكلمة)، وليست إعراباً. فاسم الفاعل قد يأتي مبتدأ، أو فاعلاً، أو مفعولاً به، أو مجروراً.
مثال: "جاء الكاتبُ" (فاعل مرفوع).
"رأيتُ الكاتبَ" (مفعول به منصوب).
"سلمتُ على الكاتبِ" (اسم مجرور).
أيضاً، المشتقات تُثنى وتُجمع وتُؤنث وتُعرف وتُنكر. فكلمة (المؤمنون) اسم فاعل (مفردها مؤمن)، وكلمة (المرموقات) اسم مفعول (مفردها مرموقة).
إن دراسة المشتقات تمنحك القدرة على توليد المفردات واستخدام الكلمة المناسبة في المكان المناسب، وهي برهان ساطع على عبقرية اللغة العربية التي جعلت من "الجذر" الواحد بستاناً من المعاني.
