تتميز لغتنا العربية بأنها لغة "أساليب"، حيث تمتلك طرقاً تعبيرية متنوعة لإيصال المعاني الدقيقة والتأثير في المخاطب. ومن أبرز هذه الأساليب التي نستخدمها في حياتنا اليومية وفي كتاباتنا الأدبية والرسمية ما يُعرف بـ أسلوب الإغراء والتحذير. هذا الأسلوب لا يعد مجرد قاعدة نحوية جامدة، بل هو أداة بلاغية قوية تهدف إلى توجيه السلوك الإنساني، إما بدفعه نحو الخير والفضيلة، أو بمنعه عن الشر والرذيلة.
![]() |
| شرح أسلوب الإغراء والتحذير في النحو العربي |
في هذا المقال الموسع، سنغوص في أعماق هذا الأسلوب لنشرح تعريفاته، صوره المتعددة، أحكامه الإعرابية الدقيقة، ونقدم نماذج تطبيقية شاملة تزيل أي لبس قد يواجه الدارس أو المهتم باللغة العربية.
أولاً: مفهوم أسلوب الإغراء وأركانه
عندما نريد أن نحث شخصاً ما على فعل شيء جيد، أو ندفعه للتمسك بصفة حميدة، فإننا نستخدم "أسلوب الإغراء".
التعريف الدقيق:
هو دعوة المخاطب إلى "أمر محبوب" ليلزمه ويفعله. هذا الأمر المحبوب يسمى في الاصطلاح النحوي (المغرى به). فجوهر هذا الأسلوب هو "الحث" و"الترغيب".
عندما تقول لصديقك: "الصدقَ الصدقَ"، فأنت في الحقيقة تقول له جملة فعلية كاملة تقديرها: (الزم الصدقَ)، ولكن حُذف الفعل بغرض الإيجاز والبلاغة، وبقي الاسم المنصوب ليدل على ذلك الفعل المحذوف.
صور وأشكال أسلوب الإغراء
لا يأتي المغرى به (الصفة المحمودة) على صورة واحدة، بل يتخذ في اللغة العربية ثلاث صور رئيسية، لكل منها طريقة في النطق والكتابة، وهي كالتالي:
1. صورة الإفراد (أن يذكر المغرى به مفرداً)
في هذه الصورة، نذكر الصفة المحمودة أو العمل الجيد مرة واحدة فقط، دون تكرار ودون أن يتبعها معطوف. وهي أبسط صور الإغراء.
- المثال: "الكفاحَ".
- المعنى: الزم الكفاحَ.
- الإعراب: نعرب كلمة "الكفاح" مفعولاً به لفعل محذوف تقديره (الزم)، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
2. صورة التكرار (أن يذكر المغرى به مكرراً)
هنا يلجأ المتكلم إلى تكرار الكلمة نفسها مرتين متتاليتين، وذلك لزيادة التأكيد وترسيخ المعنى في ذهن المخاطب.
- المثال: "الكفاحَ الكفاحَ".
- التحليل: الكلمة الأولى هي المقصودة بالحكم (المغرى به)، أما الثانية فهي تكرار لفظي للأولى.
- الإعراب:
- الكفاحَ (الأولى): مفعول به لفعل محذوف تقديره (الزم) منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
- الكفاحَ (الثانية): توكيد لفظي منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وتتبع المؤكد في الإعراب.
3. صورة العطف (أن يذكر المغرى به معطوفاً عليه)
في هذه الحالة، نجمع بين صفتين محمودتين أو أمرين خيرين باستخدام حرف العطف (الواو)، لنحث المخاطب على الجمع بينهما.
- المثال: "الكفاحَ والصبرَ".
- المعنى: الزم الكفاحَ واحرص على الصبرَ.
- الإعراب:
- الكفاحَ: مفعول به لفعل محذوف تقديره (الزم) منصوب.
- الواو: حرف عطف مبني لا محل له من الإعراب.
- الصبرَ: اسم معطوف منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
ثانياً: مفهوم أسلوب التحذير وأركانه
على النقيض تماماً من الإغراء، يأتي أسلوب التحذير. وهو أسلوب يهدف إلى حماية المخاطب وتنبيهه.
التعريف الدقيق:
هو تنبيه المخاطب إلى "أمر مكروه" ليتجنبه ويبتعد عنه. ويسمى هذا الأمر المكروه (المحذَّر منه). والفعل المقدر في هذا الأسلوب دائماً ما يكون بمعنى "احذر" أو "باعد" أو "تجنب".
صور وأشكال أسلوب التحذير
يتفق أسلوب التحذير مع الإغراء في الصور الثلاث الأولى (الإفراد، التكرار، العطف)، ولكنه ينفرد بصورة رابعة خاصة به وهي استعمال الضمير "إياك". وفيما يلي تفصيل لهذه الصور:
1. صورة الإفراد
ذكر الأمر المكروه كلمة واحدة.
- المثال: "النفاقَ".
- التقدير: احذر النفاقَ.
- الإعراب: مفعول به لفعل محذوف تقديره (احذر) منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
2. صورة التكرار
تكرار اللفظ المكروه للتحذير المشدد.
- المثال: "النفاقَ النفاقَ".
- الإعراب: الأولى مفعول به لفعل محذوف، والثانية توكيد لفظي منصوب.
3. صورة العطف
التحذير من أمرين سيئين مقترنين.
- المثال: "النفاقَ والخداعَ".
- الإعراب: الأولى مفعول به، والثانية اسم معطوف منصوب.
4. صورة استعمال "إياك" (الصورة الخاصة)
ينفرد التحذير بإمكانية استخدام ضمير النصب المنفصل (إياك) وفروعه (إياكِ، إياكما، إياكم، إياكن) لتوجيه التحذير. وتأتي هذه الصورة على عدة أشكال فرعية:
- أ. إياك مع العطف (الأكثر شيوعاً):
المثال: "إياكَ والغدرَ".
هنا يتم التحذير باستخدام الضمير، ثم العطف عليه بالمحذر منه الصريح. - ب. إياك مع الجر بـ "من":
المثال: "إياكَ من الغدرِ".
يأتي المحذر منه مجروراً بحرف الجر "من". - ج. إياك مع المصدر المؤول:
المثال: "إياكَ أن تغدرَ".
يأتي المحذر منه على هيئة فعل مضارع مسبوق بـ "أن" المصدرية.
نماذج إعرابية تطبيقية مفصلة
لفهم النحو فهماً صحيحاً، لا بد من التطبيق الإعرابي. نستعرض هنا نماذج إعرابية كاملة مستقاة من القواعد المشروحة، لتوضيح كيفية التعامل مع الجمل في الامتحان أو الكتابة:
النموذج الأول: إعراب التحذير بـ "إياك"
الجملة: "إياكَ والغدرَ"
- إياك: ضمير نصب منفصل مبني في محل نصب مفعول به لفعل محذوف وجوباً تقديره (أُحذِّر)، والكاف حرف خطاب لا محل له من الإعراب.
- الواو: حرف عطف مبني.
- الغدرَ: مفعول به لفعل محذوف وجوباً تقديره (احذر)، منصوب وعلامة نصبه الفتحة. (أو يعرب: اسم معطوف منصوب وعلامة نصبه الفتحة تبعاً للتيسير في بعض المناهج).
- تنويه هام: يلاحظ أن هذا الأسلوب يتضمن جملتين فعليتين في المعنى: (أحذرك) و (احذر الغدر)، وحذفت الأفعال للاختصار.
النموذج الثاني: إعراب الإغراء (العطف)
الجملة: "الكفاحَ والصبرَ"
- الكفاحَ: مفعول به لفعل محذوف تقديره (الزم)، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
- الواو: حرف عطف.
- الصبرَ: اسم معطوف على (الكفاح) منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
تطبيقات عملية وتدريبات محلولة
بناءً على ما ورد في قسم التدريبات (صفحة 130)، سنقوم بحل وتحليل كيفية صياغة جمل الإغراء والتحذير بشكل صحيح.
التدريب الأول: صياغة أسلوب الإغراء
المطلوب: حث صديقاً لك على التحلي بصفة "نصرة الضعيف" و "الوفاء بالوعد" مستخدماً جميع صور الإغراء.
- صورة الإفراد: "نصرةَ الضعيفِ". (أي: الزم نصرة الضعيف).
- صورة التكرار: "الوفاءَ الوفاءَ بالوعدِ". (تكرار الكلمة للتأكيد).
- صورة العطف: "نصرةَ الضعيفِ والوفاءَ بالوعدِ". (الجمع بين الصفتين).
التدريب الثاني: إكمال الفراغات (تطبيق عملي)
أكمل الجمل التالية بما يناسبها وفقاً للقواعد التي درسناها:
- ..... والأمانة.
بما أن هناك حرف عطف (الواو) وكلمة "الأمانة" (صفة محمودة)، فإن الفراغ يتطلب "مغرى به" معطوفاً عليه. يمكننا القول: "الصدقَ والأمانةَ". - إياك و .....
هذا أسلوب تحذير باستخدام "إياك"، لذا يجب وضع صفة مذمومة. الجواب المناسب: "إياكَ والخيانةَ" أو "إياكَ والكذبَ". - الغيبةَ والنميمةَ .... أسلوب ..
الجملة هنا تحتوي على صفتين مذمومتين (الغيبة، النميمة) منصوبتين. إذن، هذا: "أسلوب تحذير". - الوفاءَ الوفاءَ أسلوب .....
بما أن "الوفاء" صفة محمودة، وقد تكررت، فهو: "أسلوب إغراء".
التدريب الثالث: التحويل بين الأساليب
المطلوب: استعمال كلمة (المروءة) في أسلوب إغراء، وكلمة (الجبن) في أسلوب تحذير، مع استيفاء جميع الصور.
أولاً: المروءة (إغراء):
- مفردة: "المروءةَ يا رجل" (أي الزم المروءة).
- مكررة: "المروءةَ المروءةَ".
- معطوفة: "المروءةَ والشهامةَ".
ثانياً: الجبن (تحذير):
- مفردة: "الجبنَ" (أي احذر الجبن).
- مكررة: "الجبنَ الجبنَ".
- معطوفة: "الجبنَ والتخاذلَ".
- بإياك: "إياكَ والجبنَ".
فوائد بلاغية ونحوية ختامية
في ختام هذا الشرح، يجب أن نعي أن اللغة العربية تميل إلى الإيجاز البليغ. فحذف الفعل في أسلوبي الإغراء والتحذير ليس عبثاً، بل لأن الموقف (موقف النصح أو التنبيه السريع) يقتضي السرعة والاختصار. ذكر الفعل (الزم أو احذر) جائز في حالة الإفراد، ولكنه واجب الحذف في حالات التكرار والعطف واستعمال "إياك"، لأن التكرار أو العطف أو الضمير يسد مسد الفعل ويغني عن ذكره.
إن إتقان هذا الأسلوب لا يساعدك فقط في الحصول على الدرجات النهائية في مادة النحو، بل يمنحك قدرة تعبيرية راقية، تمكنك من صياغة جمل قوية ومؤثرة، وتجعلك تتذوق جماليات اللغة العربية التي أودعها الله في كتابه الكريم وفي لسان العرب.
