ما هي صيغ المبالغة؟
أهلاً بكم أبنائي الطلاب وزملائي المعلمين في رحلة جديدة وممتعة في رحاب لغتنا العربية الجميلة. اليوم، سنتناول موضوعاً شيقاً يمنح لغتنا طعماً خاصاً وقوة في التعبير، وهو درس "صيغ المبالغة".
![]() |
| شرح مبسط لصيغ المبالغة | أوزانها الخمسة وإعرابها |
دعونا نبدأ بمثال بسيط يقرب لنا الصورة. حينما يقوم شخص بالصوم، نقول عنه "صائم"، وهذا هو (اسم الفاعل) الذي عرفناه سابقاً. ولكن، ماذا لو كان هذا الشخص يكثر من الصوم؟ هل تكفي كلمة "صائم" للتعبير عن كثرة فعله؟
بالطبع لا، هنا نستخدم كلمة أقوى تدل على الكثرة والمبالغة فنقول: إنه "صَوَّام". إذن، صيغ المبالغة هي أسماء تشتق من الأفعال لتدل على من فعل الفعل بكثرة، أو لبيان المبالغة في الوصف.
الأوزان الخمسة الشهيرة لصيغ المبالغة
عزيزي الطالب، لكي تميز صيغ المبالغة بسهولة، عليك أن تدرك أن لها أوزاناً قياسية محددة في لغتنا العربية. هذه الأوزان هي بمثابة "القوالب" التي نزن عليها الكلمات. وهي خمسة أوزان رئيسية يجب عليك حفظها جيداً:
- 1. فَعَّال (بفتح الفاء وتشديد العين):
وهو وزن يدل على كثرة القيام بالفعل بقوة.
أمثلة: صَوَّام (كثير الصوم)، قَوَّام (كثير القيام)، غَفَّار (كثير المغفرة). - 2. فَعُول (بفتح الفاء وضم العين):
من الأوزان الشائعة جداً في الاستخدام اليومي والقرآني.
أمثلة: جَهُول (شديد الجهل)، ظَلُوم (كثير الظلم)، شَكُور (كثير الشكر). - 3. فَعِيل (بفتح الفاء وكسر العين):
يستخدم هذا الوزن غالباً للصفات التي تدل على الثبوت والدوام مع المبالغة.
أمثلة: قَدِير، رَحِيم، عَلِيم، بَصِير. - 4. مِفْعَال (بكسر الميم وسكون الفاء):
وهذا الوزن غالباً ما يأتي من الأفعال التي يتكرر حدوثها من الشخص كعادة له.
أمثلة: مِفْرَاح (كثير الفرح)، مِقْدَام (كثير الإقدام والشجاعة)، مِعْطَاء (كثير العطاء). - 5. فَعِل (بفتح الفاء وكسر العين):
وهو وزن خفيف على اللسان ويدل على اليقظة وسرعة البديهة أو الصفة الملازمة.
أمثلة: حَذِر (شديد الحذر)، فَطِن (شديد الذكاء)، يَقِظ.
شواهد من القرآن الكريم والأدب
لترسيخ هذه الأوزان في أذهانكم، دعونا نتأمل كيف استخدم القرآن الكريم والشعر العربي هذه الصيغ لإيصال المعنى بدقة وبلاغة متناهية:
أولاً: من القرآن الكريم
تأمل قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [سورة إبراهيم: 34].
لاحظ الكلمتين (ظَلُوم) على وزن "فَعُول"، و(كَفَّار) على وزن "فَعَّال". الآية هنا لا تنفي الظلم أو الكفر مرة واحدة، بل تثبت كثرة حدوث ذلك من الإنسان.
وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [سورة الزمر: 53].
فكلمة (الغَفُور) على وزن "الفَعُول"، و(الرَّحِيم) على وزن "الفَعِيل"، للدلالة على سعة مغفرة الله ورحمته التي لا تنتهي.
وقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} [سورة طه: 82].
كلمة (غَفَّار) على وزن "فَعَّال".
ثانياً: من الشعر والأمثلة العربية
نقول في وصف الشخص الحكيم والنبيه: "القاضي فَطِنٌ لما يقوله الخصمان". (فَطِن على وزن فَعِل).
كما يجمع الشاعر عدة صفات للمبالغة في بيت واحد حين يصف شجاعة الرجل وكرمه وعدم خوفه من تقلبات الدهر، مستخدماً صيغاً مثل "قَتُول" و"صَئُول" على وزن فَعُول.
كيف نُعرب صيغ المبالغة؟
من الأسئلة التي تتبادر إلى ذهن الطالب دائماً: "كيف أعرب هذه الكلمات؟". الإجابة أبسط مما تتخيل.
صيغ المبالغة ليست موقعاً إعرابياً بحد ذاتها، بل هي نوع من الكلمات (مشتقات). تُعرب صيغ المبالغة حسب موقعها في الجملة، فقد تكون مبتدأ، أو خبراً، أو فاعلاً، أو مفعولاً به، أو مجرورة، تماماً كأي اسم آخر.
نموذج للإعراب:
لنأخذ الجملة التالية: "كُنْ عَطُوفاً عَلَى المُحْتَاجِينَ".
- كُنْ: فعل أمر ناقص ناسخ مبني على السكون، واسمه ضمير مستتر تقديره (أنت).
- عَطُوفاً: خبر "كُنْ" منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. (لاحظ أن "عطوفاً" صيغة مبالغة على وزن "فَعولاً"، لكننا أعربناها خبراً لكان).
- عَلَى المُحْتَاجِينَ: جار ومجرور.
تدريبات عملية لتعزيز الفهم
لا يكتمل التعلم إلا بالتطبيق. إليك عزيزي الطالب هذه التدريبات، حاول حلها بنفسك قبل التأكد من الإجابة، مستعيناً بما شرحناه.
س1: استخرج صيغ المبالغة من الآيات الكريمة التالية واذكر وزن كل منها:
- قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10].
- قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم: 10-11].
- قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55].
- في الآية الأولى: غَفَّارًا على وزن (فَعَّالًا).
- في الآية الثانية: حَلَّاف، هَمَّاز، مَشَّاء كلها على وزن (فَعَّال).
- في الآية الثالثة: حَفِيظ و عَلِيم كلاهما على وزن (فَعِيل).
س2: حول اسم الفاعل في الجمل التالية إلى صيغة مبالغة:
- الطالب فاعلٌ للخير. (نقول: الطالب فَعَّالٌ للخير).
- المؤمن شاكرٌ نعم الله. (نقول: المؤمن شَكُورٌ نعم الله).
- الرجل صابرٌ على البلاء. (نقول: الرجل صَبُورٌ على البلاء).
همسة أخيرة
تذكر دائماً أن "صيغ المبالغة" هي أدوات تلوين في يدك ككاتب ومتحدث، تستخدمها عندما تريد أن تضفي على الوصف طابع القوة والكثرة. اللغة العربية دقيقة جداً، والفرق بين "غافر" و"غفّار" ليس مجرد حروف، بل هو فرق في سعة المغفرة وتكرارها. تدرب على استخدام هذه الأوزان (فَعَّال، مِفْعَال، فَعُول، فَعِيل، فَعِل) في كتاباتك اليومية لتصبح "لَبِقاً" و"فَطِناً" في لغتك.
