تتميز اللغة العربية بثرائها البلاغي والتركيب الدقيق الذي يتيح للمتحدث التعبير عن مكنونات نفسه بأوضح العبارات وأدقها. ومن بين هذه الأساليب البديعة التي نستخدمها للتعبير عن استحساننا لأمر ما أو استهجاننا لآخر، يبرز أسلوب المدح والذم. إنه القالب اللغوي الذي نلجأ إليه عندما نريد أن نثني على صفة حميدة ونعلي من شأنها، أو عندما نريد أن نحقر صفة ذميمة وننفر منها.
![]() |
| شرح أسلوب المدح والذم - نعم وبئس وحبذا وإعرابها |
في هذا الدليل المرجعي الشامل، سنقوم بتفكيك هذا الأسلوب إلى عناصره الأولية، ونشرح أحكامه الإعرابية، وصور فاعله المتعددة، مستندين إلى القواعد النحوية الرصينة.
ما هو أسلوب المدح والذم؟ ومم يتكون؟
أسلوب المدح والذم هو جملة إنشائية تُصاغ لغرض خاص؛ إما لمدح شيء يستحق الثناء، أو لذم شيء يستحق الهجاء. ولا يكتمل هذا الأسلوب إلا باجتماع ثلاثة أركان رئيسية لا غنى عن أحدها، وهي:
- فعل المدح أو الذم: وهي أفعال ماضية جامدة وضعت خصيصاً لهذا المعنى (نعم، حبذا للمدح - بئس، ساء، لا حبذا للذم).
- الفاعل: وهو الاسم الذي يقوم بالفعل، وله صور محددة سنفصلها لاحقاً.
- المخصوص بالمدح أو الذم: وهو الاسم الذي نقصده بالحكم، والذي نريد إثبات صفة المدح أو الذم له.
لنتأمل المثال التالي للتوضيح: (نعمَ الصديقُ الكتابُ).
- نعم: فعل المدح.
- الصديق: الفاعل.
- الكتاب: المخصوص بالمدح.
أولاً: أفعال المدح والذم (نعم وبئس)
يعد الفعلان (نِعْمَ) و(بِئْسَ) العمدتين في هذا الباب. "نعم" تفيد إنشاء المدح العام، و"بئس" تفيد إنشاء الذم العام. وقد تلحق بهما "ساء" التي تعمل عمل "بئس" في الذم، كما في قولنا: (ساء الخلقُ الكذبُ). وهذه الأفعال "جامدة"، أي أنها تلزم صورة الماضي فقط، ولا يأتي منها مضارع ولا أمر.
صور فاعل (نعم وبئس)
لا يأتي فاعل "نعم" و"بئس" على صورة واحدة، بل حدد النحاة له أربع صور رئيسية يجب أن يكون عليها، وهي قاعدة جوهرية لضبط الإعراب:
- أن يكون معرفاً بـ (ال):
وهي الصورة الأشهر، حيث يأتي الفاعل اسماً ظاهراً مقترناً بـ "ال" التعريف.
مثال المدح: نعمَ الخلقُ الصبرُ.
مثال الذم: بئسَ الخلقُ النفاقُ. - أن يكون مضافاً إلى المعرف بـ (ال):
هنا يكون الفاعل نكرة، ولكنه اكتسب التعريف من إضافته إلى اسم فيه "ال".
مثال: نعمَ خلقُ المرءِ الصبرُ.
لاحظ أن "خلق" فاعل، و"المرء" مضاف إليه، وكلاهما يمثلان الركن الثاني (الفاعل). - أن يكون ضميراً مستتراً مفسراً بتمييز:
في هذه الحالة، لا يظهر الفاعل في الجملة كاسم معرفة، بل يأتي بعد الفعل اسم نكرة منصوب يعرب "تمييزاً"، ويكون الفاعل ضميراً مستتراً تقديره (هو) أو (هي) يعود على هذا التمييز.
مثال: نعمَ خلقاً الصبرُ.
التقدير: نعم (هو) خلقاً. فكلمة "خلقاً" تمييز منصوب، والفاعل ضمير مستتر. - أن يكون (ما) أو (مَنْ) الموصولتين:
قد يأتي الفاعل اسم موصول، نستخدم (مَنْ) للعاقل، و(ما) لغير العاقل.
مثال للعاقل: نعمَ مَنْ تصادق المتقون.
مثال لغير العاقل: نعمَ ما يتصف به المرءُ الصبرُ.
الأحكام الإعرابية للمخصوص بالمدح والذم
بعد أن تعرفنا على الفعل والفاعل، نأتي للركن الثالث وهو "المخصوص". كيف نعربه؟ للمخصوص مع (نعم وبئس) وجهان إعرابيان جائزان:
- الوجه الأول: أن يعرب مبتدأ مؤخراً مرفوعاً، وتكون الجملة الفعلية التي قبله (المكونة من الفعل والفاعل) في محل رفع خبر مقدم. وهذا هو الإعراب الأشهر.
- الوجه الثاني: أن يعرب خبراً لمبتدأ محذوف وجوباً تقديره (هو) أو (هي) أو (هم) بحسب السياق.
تطبيق إعرابي على جملة: (نعمَ الخلقُ الصدقُ)
- نعم: فعل ماضٍ جامد لإنشاء المدح مبني على الفتح.
- الخلق: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة (والجملة الفعلية في محل رفع خبر مقدم).
- الصدق: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة (أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هو").
ملاحظات هامة حول (نعم وبئس):
1. يجوز أن يتقدم المخصوص بالمدح أو الذم على الفعل (نعم أو بئس). فنقول: (الصدقُ نعمَ الخلقُ). وفي هذه الحالة يعرب "الصدق" مبتدأً واحداً فقط، وتكون الجملة بعده خبراً له.
2. قد تلحق "تاء التأنيث" الفعلين إذا كان الفاعل مؤنثاً، فنقول: (نعمَت الصفةُ الأمانةُ) أو (بئسَت المرأةُ حمالةُ الحطب).
3. يجوز حذف المخصوص بالمدح أو الذم إذا دل عليه دليل في الكلام وفُهم من السياق. مثال قوله تعالى: {نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، والمقصود (نعم العبد أيوب)، فحذف المخصوص (أيوب) للعلم به.
ثانياً: أسلوب (حبذا ولا حبذا)
لتسهيل الأمر وتجنب شروط الفاعل المتعددة، تستخدم اللغة العربية صيغة (حبذا) للمدح، و(لا حبذا) للذم. يمتاز هذا الأسلوب بالسهولة والتركيب الثابت.
مكونات (حبذا):
تتكون هذه الكلمة في الحقيقة من كلمتين:
- حبَّ: فعل ماضٍ جامد للمدح.
- ذا: اسم إشارة مبني في محل رفع فاعل.
أما في (لا حبذا)، فتسبق "لا" النافية الفعل "حب".
إعراب وقواعد (حبذا ولا حبذا):
القاعدة هنا أكثر صرامة وانضباطاً من "نعم وبئس".
- الفاعل: هو دائماً اسم الإشارة (ذا) المتصل بالفعل. لا يتغير ولا تأتي له صور أخرى.
- المخصوص: يأتي بعد (حبذا) أو (لا حبذا) مباشرة، ويعرب دائماً مبتدأ مؤخراً، والجملة قبله خبر مقدم.
- حكم التقديم والتأخير: لا يجوز تقديم المخصوص على (حبذا) أو (لا حبذا) مطلقاً. فلا يصح أن نقول (الصدق حبذا)، بل يجب القول (حبذا الصدقُ).
نموذج إعرابي: (حبذا الكرمُ)
- حبَّ: فعل ماضٍ جامد لإنشاء المدح مبني على الفتح.
- ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع فاعل. (والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر مقدم).
- الكرم: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
نموذج إعرابي: (لا حبذا البخلُ)
- لا: حرف نفي.
- حب: فعل ماضٍ جامد للذم.
- ذا: اسم إشارة فاعل.
- البخل: مبتدأ مؤخر (المخصوص بالذم).
مقارنة سريعة لتثبيت المعلومة
لضمان الفهم العميق، نضع الفروق الجوهرية بين الأسلوبين في النقاط التالية:
- من حيث الفاعل:
- مع (نعم وبئس): له أربع صور (معرف بـ أل، مضاف، ضمير مستتر، ما/من).
- مع (حبذا ولا حبذا): الفاعل ثابت وهو (ذا).
- من حيث ترتيب المخصوص:
- مع (نعم وبئس): يجوز تقديمه وتأخيره (نعم الخلق الصدق / الصدق نعم الخلق).
- مع (حبذا ولا حبذا): يجب تأخيره ولا يصح تقديمه (حبذا الصدق).
- من حيث تمييز النكرة:
- إذا جاء بعد (نعم وبئس) اسم نكرة منصوب، فهو تمييز، والفاعل مستتر (نعم عملاً الاجتهاد).
- لا يأتي التمييز عادةً كفاصل بين حبذا والمخصوص في التركيب الأساسي البسيط.
إن إتقان أسلوب المدح والذم يمنح الكاتب والمتحدث قدرة فائقة على تلوين خطابه وتوجيه المتلقي نحو القيم التي يريد ترسيخها أو محاربتها. سواء اخترت الصيغة المرنة مع "نعم وبئس" التي تتيح لك التفنن في ذكر الفاعل وتقديم المخصوص، أو اخترت الصيغة الموجزة القاطعة مع "حبذا ولا حبذا"، فإنك في الحالتين تمارس لوناً رفيعاً من ألوان البلاغة العربية التي حفظتها لنا قواعد النحو بدقة متناهية.
