أهلاً بكم، طلابي النجباء وعشاق لغتنا العربية الخالدة، في درسٍ يُعد بحق "العمود الفقري" لعلم الصرف، وهو درس "المصادر". لعلنا جميعاً نستخدم آلاف الكلمات يومياً دون أن نتوقف لحظة لنسأل: من أين جاءت هذه الكلمة؟ وما هو أصلها؟ وهل لكلمة "استخراج" علاقة بكلمة "خرج"؟ ولماذا نقول "تعليم" ولا نقول "تعلُّم" في بعض السياقات؟
![]() |
| المصادر | رحلة عميقة لاكتشاف أصول الكلمات وأسرار اشتقاقها |
إن الإجابة عن كل هذه التساؤلات تكمن في فهم "المصدر". فالمصدر في لغتنا هو الأساس الذي تنطلق منه المشتقات، هو "الحدث الخام" الصافي، المجرد من أي قيد زماني. فالفعل "كتب" يخبرك أن الكتابة حدثت في الماضي، و"يكتب" يخبرك أنها تحدث الآن، أما "كتابة" فهي تخبرك عن "الحدث" فقط، دون أن تلزمك بوقت محدد. اليوم، سنقوم بتفكيك هذه القواعد المعقدة، وتحويلها إلى نظام منطقي سلس وممتع، يجعلك قادراً على صياغة أي مصدر لأي فعل يواجهك ببراعة وإتقان.
المفهوم الجوهري للمصدر: الفرق بينه وبين الفعل
قبل أن نخوض في بحر الأوزان، دعونا نرسخ مفهوماً محورياً. المصدر الصريح (أو الأصلي) هو اسم يدل على معنى مجرد من الزمن والذات. إنه يمثل "الحدث" فقط. المعادلة البسيطة تقول:
المصدر = حدث - زمن
فكلمة "قراءة" تدل على عملية القراءة، و"استقامة" تدل على الالتزام، و"افتتاح" يدل على البدء، وكلها أسماء تقبل علامات الاسم (مثل ال التعريف والتنوين)، وتدل على حدث مجرد. وينقسم هذا العالم الواسع إلى قسمين رئيسيين بناءً على عدد حروف الفعل في الزمن الماضي: مصادر الأفعال الثلاثية، ومصادر الأفعال غير الثلاثية (الرباعية والخماسية والسداسية).
أولاً: مصادر الأفعال الثلاثية (عالم السماع والتذوق)
عندما نتعامل مع الأفعال التي تتكون من ثلاثة أحرف (مثل: كتَب، صَعِد، رَحَل)، فإننا ندخل في منطقة "حرة" نسبياً، لا تحكمها قوانين صارمة كبقية الأفعال. مصادر الأفعال الثلاثية في أغلبها "سماعية"، أي أننا عرفناها هكذا عن العرب، ونرجع فيها إلى المعاجم اللغوية.
وعلى الرغم من أنها سماعية، إلا أن علماء اللغة رصدوا أوزانًا شائعة تتكرر كثيراً، وسنستعرض أبرزها كما وردت في الأمثلة:
-
1. وزن (فُعُول):
يأتي غالباً للأفعال اللازمة التي تدل على حركة أو انتقال.
مثال: الفعل (صَعِدَ) مصدره (صُعُود). -
2. وزن (فَعْل) بتسكين العين:
وهو من أشهر الأوزان وأكثرها شيوعاً.
مثال: الفعل (قَرَعَ) البابَ، مصدره (قَرْع). -
3. وزن (فَعَال):
مثال: الفعل (حَلَّ) الشيءُ، مصدره (حَلاَل). وكذلك (أبى) مصدره (إباء). -
4. وزن (فَعَلان):
وغالباً ما يدل هذا الوزن على الحركة والاضطراب.
مثال: الفعل (دَرَجَ)، مصدره (دَرَجَان). ومثله (غلى غليان) و(طار طيران). -
5. وزن (فِعَالة):
وهو الوزن المميز لما دل على حرفة أو ولاية أو منصب.
مثال: الفعل (سَاسَ) الناسَ، مصدره (سِيَاسة). ومثله (زرع زراعة) و(صنع صناعة). -
6. وزن (فِعْلان):
مثال: الفعل (حَرَمَ)، مصدره (حِرْمَان). -
7. وزن (فَعِيل):
ويكثر فيما دل على سير أو صوت.
مثال: الفعل (رَحَلَ)، مصدره (رَحِيل).
إذن، القاعدة في الثلاثي هي: ارجع إلى سماعك اللغوي السليم، أو استعن بالمعجم، فليس لها قاعدة واحدة تطرد في الجميع.
ثانياً: مصادر الأفعال الرباعية (الهندسة القياسية المنضبطة)
ننتقل الآن من السماع إلى القياس. مصادر الأفعال غير الثلاثية (بدءاً من الرباعي) تخضع لقوانين صارمة. إذا عرفت وزن الفعل، عرفت مصدره فوراً. الفعل الرباعي له أربعة أوزان مشهورة، ولكل وزن طريقته في صياغة المصدر:
1. الفعل على وزن (أَفْعَلَ)
إذا كان الفعل مبدوءاً بهمزة قطع (أفعل)، فإن مصدره القياسي يأتي على وزن (إِفْعَال). نقوم بكسر الهمزة وإضافة ألف قبل الآخر.
- أَكْرَمَ الرجل ضيفه ← إِكْرَام.
- أَخْرَجَ ← إِخْرَاج.
تنبيه هام (الفعل الأجوف): إذا كان الفعل معتل الوسط (وسطه ألف)، مثل (أَجَادَ، أَدَارَ، أَعَانَ)، لا يمكننا إضافة ألف المصدر لاجتماع ساكنين. الحل؟ نحذف ألف المصدر ونعوض عنها بتاء مربوطة في آخر الكلمة، ليصبح الوزن (إِفْعَلَة).
مثال: أَجَادَ الصانع ← إِجَادَة (وليس إجواد).
مثال: أَعَانَ ← إِعَانَة.
2. الفعل على وزن (فَعَّلَ) المضعف
إذا كان الفعل بتشديد العين (الحرف الثاني)، فإن مصدره القياسي يأتي على وزن (تَفْعِيل).
- فَكَّرَ الطالب ← تَفْكِير.
- هَذَّبَ المعلم ← تَهْذِيب.
تنبيه هام (الفعل الناقص): إذا كان الفعل ينتهي بحرف علة (ألف)، مثل (نَمَّى، رَبَّى)، فإننا نحذف ياء التفعيل ونعوض عنها بتاء مربوطة، ليصبح الوزن (تَفْعِلَة).
مثال: نَمَّى التجارة ← تَنْمِيَة.
مثال: رَبَّى ← تَرْبِيَة.
3. الفعل على وزن (فَاعَلَ)
إذا كان الفعل على وزن (فاعل)، فله مصدران قياسيان: (فِعَال) أو (مُفَاعَلَة). وأحياناً يُستخدم الاثنان معاً.
- جَاهَدَ الأبطال ← جِهَاد أو مُجَاهَدَة.
- حَاوَرَ ← حِوَار أو مُحَاوَرَة.
- نَاضَلَ ← نِضَال أو مُنَاضَلَة.
4. الفعل على وزن (فَعْلَلَ)
إذا كان الفعل رباعياً مجرداً (جميع حروفه أصلية) على وزن (فعلل)، فمصدره (فَعْلَلَة).
- دَحْرَجَ الطفل الكرة ← دَحْرَجَة.
- بَعْثَرَ ← بَعْثَرَة.
وإذا كان الفعل "مضعفاً رباعياً" (أوله وثالثه من جنس، وثانيه ورابعه من جنس)، جاز فيه وزنان: (فَعْلَلَة) و (فِعْلال).
مثال: زَلْزَلَ ← زَلْزَلَة أو زِلْزَال.
مثال: وَسْوَسَ ← وَسْوَسَة أو وِسْوَاس.
ثالثاً: مصادر الأفعال الخماسية والسداسية (قاعدة الحرف الأول)
في الأفعال الخماسية والسداسية، الأمر أسهل بكثير، حيث نعتمد على "بداية الفعل" لتحديد طريقة صياغة المصدر. لدينا حالتان أساسيتان:
1. المبدوء بـ (ألف وصل)
سواء كان خماسياً أو سداسياً، إذا بدأ بألف وصل، فالقاعدة تقول: "نكسر الحرف الثالث، ونزيد ألفاً قبل الحرف الأخير".
- انْهَزَمَ (خماسي) ← الحرف الثالث (الهاء) نكسره، ونضع ألفاً قبل الميم ← انْهِزَام.
- انْتَصَرَ (خماسي) ← انْتِصَار.
- اسْتَغْفَرَ (سداسي) ← الحرف الثالث (التاء) نكسره، ونضع ألفاً قبل الراء ← اسْتِغْفَار.
لفتة فنية (السداسي المعتل): إذا كان الفعل السداسي "أجوف" (قبل آخره ألف)، مثل (اسْتَعَانَ، اسْتَقَامَ)، نطبق نفس قاعدة الرباعي (أقام): نحذف ألف المصدر ونعوض عنها بتاء مربوطة، ليصبح الوزن (اسْتِفْعَالَة).
مثال: اسْتَعَانَ ← اسْتِعَانَة.
مثال: اسْتَقَامَ ← اسْتِقَامَة.
2. المبدوء بـ (تاء زائدة)
هذا خاص بالأفعال الخماسية المبدوءة بتاء. القاعدة في غاية البساطة: "نضم ما قبل الآخر فقط"، ويبقى لفظ المصدر كلفظ الفعل تماماً.
- تَعَلَّمَ (فعل) ← تَعَلُّم (مصدر).
- تَقَدَّمَ ← تَقَدُّم.
- تَدَحْرَجَ ← تَدَحْرُج.
لفتة فنية (المنقوص): إذا كان الفعل الخماسي المبدوء بتاء ينتهي بحرف علة (ألف)، فإن الضمة لا تناسب حرف العلة، لذلك "نكسر ما قبل الآخر ونقلب الألف ياءً".
مثال: تَدَاعَى ← تَدَاعِي (أو تداعٍ).
مثال: تَحَدَّى ← تَحَدِّي (تحدٍ).
مثال: تَمَادَى ← تَمَادِي.
ورشة عمل تطبيقية: كيف تستخرج المصدر بذكاء؟
دعونا الآن نطبق ما تعلمناه عملياً من خلال تحليل نص لغوي، كما ورد في تدريبات الكتاب. اقرأ معي هذه العبارة:
"نحن أبناء مصر، نعتز بوطننا اعتزازاً كبيراً، ونؤدي واجبنا رغبةً في التقدُم، وتحقيقاً للهدف المنشود، ونعم ما نتطلع إليه استغلالُ كلِّ موارد الثروة".
لنستخرج المصادر ونزنها ونذكر أفعالها:
- اعتزازاً: احذف التنوين (اعتزاز). فعله الماضي (اعْتَزَّ). عد الحروف (ا-ع-ت-ز-ز) = 5 حروف. مبدوء بألف وصل. القاعدة: كسر الثالث وزيادة ألف. إذاً هو مصدر خماسي.
- التقدُّم: احذف (ال) التعريف (تقدُّم). فعله الماضي (تَقَدَّمَ). عد الحروف (ت-ق-د-د-م) = 5 حروف. مبدوء بتاء. القاعدة: ضم ما قبل الآخر. إذاً هو مصدر خماسي.
- تحقيقاً: (تحقيق). وزنه (تفعيل). هذا الوزن خاص بالرباعي المضعف. فعله (حَقَّقَ). إذاً هو مصدر رباعي.
- استغلال: فعله الماضي (اسْتَغَلَّ). عد الحروف (ا-س-ت-غ-ل-ل) = 6 حروف. مبدوء بألف وصل. إذاً هو مصدر سداسي.
- رغبة: فعله (رَغِبَ). ثلاثي. إذاً هو مصدر سماعي ثلاثي.
نصائح ذهبية لطلابنا الأعزاء:
- لا تحكم على عدد حروف الفعل من خلال "المصدر"، بل أعد الكلمة دائماً إلى الفعل الماضي المجرد من الضمائر. فكلمة "قتال" مصدر، حروفها أربعة، لكن فعلها "قاتل" رباعي، بينما "كتابة" حروفها خمسة، لكن فعلها "كتب" ثلاثي. العبرة بالماضي.
- انتبه للمصادر التي تنتهي بتاء مربوطة مثل (تنمية، إعانة، استقامة)، فهي غالباً تعويض عن حرف محذوف.
- تذكر أن المصدر يعرب حسب موقعه في الجملة (مبتدأ، فاعل، مفعول مطلق، مضاف إليه...)، فهو اسم كبقية الأسماء.
ختاماً، إن دراسة المصادر تفتح لك آفاقاً واسعة في فهم بنية الكلمة العربية. إنها ليست مجرد قواعد للحفظ، بل هي مفاتيح للفصاحة والبيان. تدرب كثيراً على الوزن والقياس، وستجد أن لسانك وقلمك ينقادان للصواب بشكل تلقائي. وفقكم الله لكل خير، ودمتم حراساً للغة الضاد.
