المفعول به على الاختصاص
أهلاً بكم زملائي المعلمين وأبنائي الطلاب النجباء. لعلكم لاحظتم يوماً أثناء قراءتكم لنص أدبي رصين، أو حتى في حديثنا اليومي، أننا نستخدم جملاً تبدأ بضمير، ثم تأتي كلمة منصوبة لتوضح المقصود من هذا الضمير، وكأنها تزيح الستار عن غموضه. هذا الأسلوب البليغ في لغتنا العربية ليس مجرد كلمات مصفوفة، بل هو باب دقيق من أبواب النحو يُسمى "أسلوب الاختصاص"، والاسم المنصوب فيه يُعرب "مفعولاً به على الاختصاص".
![]() |
| شرح أسلوب الاختصاص وإعرابه | دليل شامل للطلاب |
في هذا الدرس، سنغوص معاً بهدوء وتدرج لفهم خبايا هذا الأسلوب، مستندين إلى أصولنا النحوية الراسخة، لنفكك هذا التركيب ونفهم كيف نعربه، ولماذا نستخدمه، وما هي صوره المتعددة.
ما هو الاختصاص؟ ولماذا نحتاج إليه؟
دعونا نبدأ من الأساس. الضمائر في لغتنا (أنا، نحن، أنتَ...) غالباً ما تكون عامة ومبهمة إذا جاءت وحدها. عندما أقول: "نحنُ نحبُّ الخيرَ"، فمن المقصود بـ "نحن"؟ هل تقصد نحن البشر؟ أم نحن المعلمين؟ أم نحن الطلاب؟
هنا يأتي دور "الاختصاص". إنه أسلوب نذكر فيه اسماً ظاهراً بعد الضمير لبيان المراد منه. هذا الاسم الظاهر هو الذي نسميه "المختص"، وهو في الحقيقة مفعول به لفعل محذوف وجوباً تقديره "أخصُّ".
تأملوا معي هذا المثال البسيط: "نحنُ - المجتهدينَ - متفوقونَ".
كلمة "المجتهدين" هنا جاءت لتخصص الضمير "نحن"، ولتخبر القارئ أنني "أخصُّ" بحديثي فئة المجتهدين. لذا، نجدها منصوبة بالياء، لا لشيء إلا لأنها مفعول به لفعل مستتر يكمن في نية المتكلم.
الضمائر التي يقع بعدها الاختصاص
ليس كل ضمير يصلح أن نؤسس عليه أسلوب اختصاص. القاعدة هنا محددة ودقيقة:
- ضمير المتكلم: وهو الغالب والأكثر شيوعاً (أنا، نحن). مثال: "أنا - الطالبَ - مجتهدٌ".
- ضمير المخاطب: ويأتي أحياناً (أنتَ، أنتم، أنتما...). مثال: "أنتَ - الكريمَ - محبوبٌ".
- ضمير الغائب: وهنا يجب أن نتوقف؛ فالضمير الغائب (هو، هي، هم...) يمتنع تماماً وجود الاختصاص بعده. فلا يصح لغوياً أن نقول "هو - زيداً - مجتهد" على سبيل الاختصاص.
الأغراض البلاغية: لماذا "نخص" الكلام؟
اللغة العربية لا تضع القواعد عبثاً، فكل حركة إعرابية لها دلالة في المعنى. استخدام المفعول به على الاختصاص لا يأتي فقط لتوضيح الضمير، بل يحمل مشاعر ورسائل ضمنية، منها:
- الفخر: عندما يريد المتكلم الاعتزاز بصفته. مثل: "نحنُ - المجتهدينَ - متفوقونَ". هنا النصب ليس مجرد إعراب، بل هو إبراز لصفة الاجتهاد.
- التواضع: وقد يُستخدم لإظهار الانكسار والمسكنة. مثل: "أنتَ - العبدَ - فقيرٌ إلى رحمة الله". لاحظوا نصب كلمة "العبدَ" لفعل محذوف تقديره (أخصُّ)، لإظهار حالة العبودية والافتقار.
- البيان والتوضيح: وهو الغرض الأساسي لإزالة الإبهام. مثل: "نحنُ - الناجحينَ - نكرهُ الإهمالَ".
صور الاسم المختص (كيف يأتي في الجملة؟)
هذه هي النقطة المحورية في درسنا. الاسم الذي نعربه "مفعولاً به على الاختصاص" لا يأتي على هيئة واحدة، بل له أربع صور يجب أن نتقن تمييزها:
1. أن يكون معرفاً بـ (ال):
وهي الصورة الأكثر وضوحاً. يأتي الاسم مقترناً بـ "ال" التعريفية مباشرة بعد الضمير.
مثال: "نحنُ الشرقيينَ عاطفيونَ".
الإعراب: "الشرقيين" مفعول به منصوب على الاختصاص لفعل محذوف وجوباً تقديره أخص، وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
2. أن يكون مضافاً إلى معرفة:
هنا لا يأتي الاسم معرفاً بـ "ال"، ولكنه يُضاف إلى كلمة فيها "ال".
مثال: "أنا طالبَ العلمِ مجتهدٌ".
الإعراب: "طالبَ" مفعول به منصوب (لفعل محذوف تقديره أخص)، وهو مضاف، و"العلمِ" مضاف إليه مجرور.
3. أن يكون علماً (اسم علم):
قد يأتي المختص اسماً لشخص محدد، ليزيل اللبس عن الضمير.
مثال: "أنا زيداً مجتهدٌ".
الإعراب: "زيداً" مفعول به لفعل محذوف وجوباً تقديره أخص، وعلامة نصبه الفتحة.
4. أن يكون بلفظ "أيها" أو "أيتها":
وهذه الصورة تحتاج لتركيز خاص في الإعراب. هنا نستخدم (أيُّ) للمذكر و(أيَّةُ) للمؤنث، وتلحقهما (ها) للتنبيه.
مثال: "أنا أيُّها الصديقُ مخلصٌ".
كيف نعرب هذا التركيب؟
- أيُّ: مفعول به على الاختصاص مبني على الضم في محل نصب. (لاحظوا الدقة: هو مبني على الضم لفظاً، لكنه في محل نصب مفعول به للفعل المحذوف "أخص").
- ها: حرف للتنبيه لا محل له من الإعراب.
- الصديقُ: الكلمة التي تأتي بعد "أيها" في أسلوب الاختصاص تُعرب بدلاً (أو نعتاً عند بعض النحاة) وتكون مرفوعة تبعاً للفظ "أيُّ".
تطبيق إعرابي شامل
حتى نرسخ القاعدة، دعونا نعرب جملة كاملة تحتوي على الشروط الدقيقة للاختصاص، ولنأخذ مثالاً يجمع بين الضمير والمختص والخبر.
الجملة: "نحنُ - الموقعينَ أدناه - نشهدُ بالحقِّ".
- نحنُ: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ.
- الموقعينَ: مفعول به منصوب على الاختصاص لفعل محذوف وجوباً تقديره (أخصُّ)، وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم. وجملة الاختصاص (أخص الموقعين) هي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب.
- أدناه: ظرف مكان منصوب (متعلق باسم الفاعل "الموقعين")، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
- نشهدُ: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن.
- بالحقِّ: جار ومجرور.
- والجملة الفعلية (نشهد بالحق): في محل رفع خبر للمبتدأ (نحن).
السر في "الفعل المحذوف"
قد يتساءل طالب ذكي: "لماذا نقول إن الفعل محذوف وجوباً؟ لماذا لا نظهره؟".
الجواب يكمن في طبيعة اللغة العربية التي تميل للإيجاز والبلاغة. وجود الضمير (نحن) مع الاسم المنصوب (الموقعين) يغني تماماً عن ذكر الفعل (أخص). لو قلنا "نحن أخص الموقعين..." لصار الكلام ركيكاً وثقيلاً. لذا، أوجب النحاة حذف العامل (الفعل) وبقاء أثره (النصب)، وهذا من أسرار جمال لغتنا.
خلاصة الدرس
إن المفعول به على الاختصاص هو أداة لغوية راقية، تمكننا من تحديد هويتنا أو هوية المخاطب بدقة داخل الجملة، مع إضفاء صبغة من المشاعر كالفخر أو التواضع. تذكروا دائماً أركانه الثلاثة:
- ضمير يسبقه (للمتكلم أو المخاطب).
- فعل محذوف وجوباً (تقديره أخص أو أعني).
- اسم مختص منصوب (أو في محل نصب) يأتي بصور محددة (المعرف بـ أل، المضاف، العلم، أو أيها).
بهذا الفهم العميق، ستتمكنون لا من إعراب هذه الجمل فحسب، بل من تذوق جمالها واستخدامها في كتاباتكم لرفع مستواها البلاغي.
