أهلاً بكم في هذا المجلس العلمي الذي نخصصه لواحد من أعظم بحور الشعر العربي شأناً، وأعذبها جرساً، وأكثرها طواعية لألسنة الشعراء. حديثنا اليوم لن يكون مجرد سرد لقواعد جافة، بل هو رحلة استكشافية في عمق بحر الكامل. هذا البحر الذي سماه الخليل بن أحمد الفراهيدي بهذا الاسم لكماله في الحركات، فهو يشتمل على ثلاثين حركة في البيت التام، وهو مالم يتوفر في غيره من البحور، مما منحه "الكمال" الإيقاعي.
![]() |
| بحر الكامل | دليل شامل للمفتاح والتفعيلات |
في هذا الدليل المفصل، والمستند كلياً إلى المصادر العروضية الموثقة بين أيدينا، سنقوم بتفكيك هذا البحر تفكيكاً دقيقاً، بدءاً من نواته الأولى (التفعيلة) ومروراً بتغييراته الزحافية المعقدة، ووصولاً إلى نماذج تطبيقية مشروحة بعناية المعلم لطلابه. استعدوا، فالأمر يحتاج إلى أذن موسيقية واعية وتركيز ذهني، وهذا ما أعهده فيكم.
أولاً: الهيكل الأساسي والمفتاح الصوتي
قبل أن نخوض في التفاصيل التقنية، يجب أن نضبط "الدوزان" الخاص بهذا البحر في أذهاننا. لكل بحر مفتاح هو بمثابة "الشيفرة" التي تفتح مغاليقه. ومفتاح بحر الكامل كما وضعه العروضي صفي الدين الحلي هو:
مُتَفاعِلُنْ مُتَفاعِلُنْ مُتَفاعِلُنْ
من خلال هذا المفتاح، ندرك حقيقتين أساسيتين:
- أولاً: أن بحر الكامل في حالته "التامة" يتكون من ست تفعيلات، ثلاث في الشطر الأول (الصدر)، وثلاث في الشطر الثاني (العجز).
- ثانياً: أن الوحدة البنائية الأساسية لهذا البحر هي تفعيلة (مُتَفاعِلُنْ).
ثانياً: التشريح الدقيق لتفعيلة (مُتَفاعِلُنْ) وظاهرة الإضمار
هنا يكمن "سر المهنة" في بحر الكامل. دعونا نضع التفعيلة تحت المجهر. تفعيلة (مُتَفاعِلُنْ) تتكون من ثلاثة متحركات فساكن، ثم متحركين فساكن. ورمزها العروضي هو (///0//0).
هذا التتابع للحركات (مُ تَ فَا) يمنح البحر سرعة وحيوية، تُشبه حركة الفرس. ولكن، هل تبقى التفعيلة هكذا دائماً؟ الإجابة هي: لا. وهنا يدخل أهم مصطلح يجب أن تفهموه في بحر الكامل وهو "الإِضْمار".
ما هو الإضمار؟ ولماذا هو مهم؟
الإضمار هو تغيير (زحاف) يطرأ على التفعيلة بتسكين الحرف الثاني المتحرك. في (مُتَفاعِلُنْ)، الحرف الثاني هو "التاء" المفتوحة. عندما يدخل الإضمار، تسكن التاء، فتتحول التفعيلة من:
مُتَفاعِلُنْ (///0//0) ← (حركة - حركة - حركة - سكون...)
إلى
مُتْفاعِلُنْ (/0/0//0) ← (حركة - سكون - حركة - سكون...)
تنبيه تربوي هام: عندما تصبح التفعيلة (مُتْفاعِلُنْ) بالسكون، فإنها تتطابق صوتياً ووزنياً مع تفعيلة (مُسْتَفْعِلُنْ) الخاصة ببحر الرجز. وهنا يقع الكثير من الطلاب في الحيرة: هل هذا بحر كامل أم رجز؟
والفيصل هو: إذا وجدت تفعيلة واحدة في البيت جاءت كاملة الحركات (مُتَفاعِلُنْ ///0//0)، فاعلم فوراً أنك في بحر الكامل، لأن الرجز لا يمكن أن يتحرك ثانيه الساكن. الإضمار في الكامل جائز وليس واجباً، وتنوع التفعيلات بين السكون والحركة هو ما يعطي الكامل نكهته المميزة.
ثالثاً: صور بحر الكامل التام (التطبيقات العملية)
يأتي بحر الكامل التام (المكون من 6 تفعيلات) على ثلاث صور رئيسية تختلف باختلاف "الضرب" (التفعيلة الأخيرة في البيت)، بينما العروض (التفعيلة الأخيرة في الشطر الأول) تكون غالباً صحيحة. دعونا نفصل هذه الصور كما وردت في منهجنا العروضي:
الصورة الأولى: العروض صحيحة والضرب صحيح
وهي الصورة الأساسية والأقوى، حيث ينتهي البيت بتفعيلة كاملة (مُتَفاعِلُنْ) أو مضمرة (مُتْفاعِلُنْ).
لنتأمل قول الشاعر:
كَفِّي دَعَابَاتِ الجُنُونِ فَمَا بَقِي ... لِهَوَاكِ مَعْنَىً يَرْتَجِيهِ وَيَتَّقِي
التحليل العروضي المفصل:
- الشطر الأول:
- (كَفْ فِي دَعَا): مُتْفاعِلُنْ (/0/0//0) - دخلها الإضمار.
- (بَاتِ لْ جُنُو): مُتَفاعِلُنْ (///0//0) - جاءت سالمة (لاحظوا التاء المتحركة).
- (نِ فَمَا بَقِي): مُتَفاعِلُنْ (///0//0) - العروض صحيحة.
- الشطر الثاني:
- (لِهَوَاكِ مَعْـ): مُتَفاعِلُنْ (///0//0) - سالمة.
- (ـنَى يَرْتَجِيـ): مُتْفاعِلُنْ (/0/0//0) - مضمرة.
- (ـهِ وَيَتَّقِي): مُتْفاعِلُنْ (/0/0//0) - الضرب صحيح (دخلها الإضمار وهو جائز).
الصورة الثانية: العروض صحيحة والضرب مقطوع
هنا نتعرف على مصطلح جديد وهو "القَطْع". القطع في العروض يعني حذف ساكن الوتد المجموع في آخر التفعيلة وتسكين ما قبله.
المعادلة: مُتَفاعِلُنْ (///0//0) ← نحذف النون ونسكن اللام ← تصبح مُتَفاعِلْ (///0/0).
وغالباً ما يُنقل وزنها صوتياً إلى (فَعِلاتُنْ). وإذا دخلها الإضمار تصبح (مُتْفاعِلْ /0/0/0) وتنقل إلى (مَفْعُولُنْ).
المثال التطبيقي:
يقول الشاعر:
وَإِذَا صَحَوْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عَنْ نَدَىً ... وَكَمَا عَلِمْتِ شَمَائِلِي وَتَكَرُّمِي
لاحظوا نهاية البيت (وَتَكَرُّمِي):
الكتابة العروضية: وَتَكَرْ رُ مِي
الرموز: ///0/0
الوزن: مُتَفاعِلْ (مقطوعة).
هذا التغيير في القافية يعطي للقصيدة إيقاعاً حازماً وواضحاً.
الصورة الثالثة: العروض صحيحة والضرب أَحَذّ
"الحَذَذ" هو تغيير أكثر حدة من القطع، حيث يتم حذف الوتد المجموع كاملاً من آخر التفعيلة.
المعادلة: مُتَفاعِلُنْ (///0//0) ← نحذف (لُنْ //0) ← تصبح مُتَفا (///0).
وإذا دخلها الإضمار تصبح مُتْفا (/0/0)، وتنقل عروضياً إلى (فِعْلُنْ).
المثال التطبيقي:
يقول الشاعر:
الخُبْرُ لا يَأْتِيكَ مُتَّصِلاً ... والشَّرُّ يَسْبِقُ سَيْلَهُ المَطَرُ
لننظر إلى كلمة (المَطَرُ) في نهاية البيت:
الكتابة العروضية: لْ مَ طَ رُو (مع إشباع الضمة).
الرموز: /0///0 (هنا يجب الانتباه لما قبلها).
دعونا نقطع العجز كاملاً: والشَّرُّ (مُتْفاعِلُنْ) - يَسْبِقُ سَيْـ (مُتَفاعِلُنْ) - لَهُ لْ مَطَرُو (مُتَفاعِلُنْ)... مهلاً، الضرب هنا جاء مختلفاً في أمثلة أخرى، ولكن الشاهد في "الحذذ" يظهر بوضوح في أبيات مثل:
"لِمَنْ الدِّيارُ بِرَامَتَيْنِ فَعَاقِلِ" ← عاقِلِ (/0//0) = فاعِلُنْ (أحذ مضمر).
الحذذ يسرع وتيرة البيت بشكل ملحوظ.
رابعاً: مجزوء الكامل.. الرشاقة والخفة
لم يكتفِ الشعراء بالكامل التام، بل استخدموا "المجزوء"، وهو ما حُذفت منه تفعيلة العروض وتفعيلة الضرب، ليصبح البيت قائماً على أربع تفعيلات فقط (تفعيلتين في كل شطر).
الوزن: مُتَفاعِلُنْ مُتَفاعِلُنْ ... مُتَفاعِلُنْ مُتَفاعِلُنْ
مجزوء الكامل يتميز بخفته ورشاقته الغنائية، وله صور متعددة أشهرها:
1. المجزوء الصحيح:
وهو أن تكون العروض (التفعيلة الثانية) والضرب (التفعيلة الرابعة) صحيحتين.
مثال: نَسَبِي العُقُولَ بِدَلِّهِ ... وَالطَّرْفَ مِنْهُ إِذَا نَظَرْ
2. المجزوء المذيّل (ظاهرة التذييل):
التذييل هو زيادة حرف ساكن على ما آخره وتد مجموع. تأتي التفعيلة (مُتَفاعِلُنْ) فتصبح (مُتَفاعِلانْ) (/0/0//00).
مثال ورد في التدريبات:
يَا صَاحِ قَدْ أَخْلَفْتُ أَسْـ ... ـمَاءُ مَا كَانَتْ تُمَنْ (مُتَفاعِلُنْ) ... ـنِيكَ مِنْ حُسْنِ الوِصَالْ
كلمة "الوِصَالْ" هنا جاءت بوزن (مُتَفاعِلانْ) بسبب الألف الساكنة واللام الساكنة بعدها، وهذا ما يسمى بالتذييل، وهو شائع جداً في مجزوء الكامل ويعطيه نهاية موسيقية ممتدة وجميلة.
3. المجزوء المُرَفّل (الترفيل):
وهو زيادة سبب خفيف على ما آخره وتد مجموع. تصبح (مُتَفاعِلُنْ) ← (مُتَفاعِلاتُنْ).
مثل: وَلَقَدْ سَبَقْتُهُمُ إِلَيْـ ... ـيَ فَلَمْ تُفِتْنِي بِالغَضَبْ (إذا أشبعنا الباء وأضفنا سبباً).
خامساً: منهجية التقطيع الصحيحة للطالب والمعلم
لضمان التقطيع الصحيح لأي بيت من بحر الكامل، ننصحكم باتباع الخطوات المنهجية التالية:
- الكتابة الصوتية (العروضية): اكتب البيت كما تنطقه لا كما تراه مكتوباً إملائياً. فكك الشدّة إلى حرفين (أول ساكن وثاني متحرك)، واكتب التنوين نوناً ساكنة، واحذف همزة الوصل إذا جاءت في درج الكلام.
- وضع الرموز: ضع رمز الحركة (/) تحت الحرف المتحرك، ورمز السكون (0) تحت الحرف الساكن.
- مراقبة الحرف الثاني: ابدأ بالنظر إلى بداية البيت. هل الحرف الثاني متحرك (///0..)؟ إذاً أنت بلا شك في بحر الكامل (أو الوافر، والفرق في الثالث). أما إذا كان ساكناً (/0/0..)، فلا تتسرع بالحكم بأنه رجز، بل انظر إلى التفعيلات الأخرى في البيت. إذا وجدت تفعيلة واحدة ظهرت فيها التاء المتحركة (///0//0)، فالبيت كله من بحر الكامل وقد دخله الإضمار.
- تحديد القافية: انظر إلى الكلمة الأخيرة وحدد نوع الضرب (صحيح، مقطوع، أحذ، أو مذيل). هذا سيساعدك في ضبط باقي البيت.
إن بحر الكامل ليس مجرد قالب هندسي تُصب فيه الكلمات، بل هو فضاء واسع للتعبير، يتسع للرقة والعذوبة كما يتسع للحماسة والفخر. دراستكم لهذا البحر وفهمكم لتفعيلة (مُتَفاعِلُنْ) وتحولاتها بين الحركة والسكون، سيمنحكم أذناً حساسة تميز الشعر الجيد من المكسور، وتتذوق الجمال الكامن في إيقاع لغتنا العربية.
لا تكتفوا بالقراءة النظرية، فالسر يكمن في الممارسة. خذوا الأبيات التي وردت في الشرح، وأعيدوا كتابتها وتقطيعها بأنفسكم، فالعروض علم لا يستقر في الذهن إلا بالقلم والترديد الصوتي.
