مدخل إلى علم البيان - سحر الكلام الحقيقي والكلام المجازي
أهلاً بك عزيزي القارئ والطالب النجيب في رحلة فكرية ممتعة نبحر فيها داخل محيط لغتنا العربية الزاخر بالدرر. هل تساءلت يوماً ما الذي يجعل نصاً أدبياً يخلد في الذاكرة بينما يُنسى نص آخر بمجرد قراءته؟ السر لا يكمن فقط في المعلومات التي يحملها النص، بل في "كيفية" تقديم هذه المعلومات. هنا يبرز أمامنا أحد أهم المباحث في علم البلاغة، وهو التمييز الدقيق والذكي بين الكلام الحقيقي والكلام المجازي.
![]() |
| الكلام الحقيقي والمجازي | شرح مبسط وأمثلة شاملة |
إن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل المباشر والجامد، بل هي ريشة فنان يرسم بها المتحدث لوحات بيانية تأسر الألباب. ولعل أول خطوة يخطوها الطالب نحو تذوق البلاغة هي إدراك أن الكلمة العربية كائن حي، قد يسكن في منزله الأصلي (الحقيقة)، وقد يسافر ليعيش في منزل آخر (المجاز) لغرض جمالي وبلاغي بديع. دعونا نفكك هذه المفاهيم بأسلوب مبسط وعميق، مستندين إلى ما ورد في منهجنا الدراسي الموثق، لنفهم كيف تتحول الكلمات العادية إلى صور نابضة بالحياة.
أولاً: الجوهر والفرق.. ماذا نعني بالحقيقة والمجاز؟
لكي نضع أقدامنا على أرض صلبة، يجب أن نحدد بدقة ما المقصود بهذين المصطلحين اللذين يشكلان عماد "علم البيان".
1. الكلام الحقيقي (الأصل الثابت)
هو استعمال اللفظ في المعنى الذي وُضع له أصلاً في اللغة، دون أي تلاعب أو تخييل. فعندما تنطق بالكلمة، يتبادر إلى ذهن السامع معناها المباشر والمتعارف عليه في المعاجم. تخيل معي هذا المثال البسيط الذي ورد في النصوص التعليمية: عندما نقول «بكت الفتاة». هنا، كلمة "بكت" استُعملت في معناها الأصلي البيولوجي، وهو نزول الدمع من العين حزراً أو ألماً. هذا هو الكلام الحقيقي؛ لا يحتاج إلى تأويل، ولا يحمل خيالاً، بل يقرر واقعاً مشاهداً وملموساً.
2. الكلام المجازي (التحليق في الخيال)
هنا تبدأ المتعة البلاغية. الكلام المجازي هو استعمال اللفظ في معنى "غير" المعنى الذي وُضع له في أصل اللغة. ولكن، انتبه عزيزي الطالب، هذا الانتقال ليس عشوائياً، بل يحكمه شرطان أساسيان:
- العلاقة: يجب أن يكون هناك رابط يبرر انتقال اللفظ من معناه الأصلي إلى المعنى الجديد.
- القرينة: لابد من وجود دليل (لفظي أو عقلي) يمنع السامع من إرادة المعنى الأصلي، ويقول له: "توقف، أنا لا أقصد المعنى الحرفي".
لنأخذ المثال المقابل لما سبق: «بكت السماء». هل السماء تملك عيوناً ومشاعر لتبكي؟ بالطبع لا. إذن، العقل هنا يتدخل ويقول إن المعنى الحرفي مستحيل (وهذه هي القرينة). فماذا نقصد؟ نقصد "نزل المطر". لقد استعرنا لفظ البكاء للمطر لوجود علاقة "المشابهة" في السقوط والسيلان. هذا هو جوهر [الكلام الحقيقي والكلام المجازي]؛ فالأول تقرير للواقع، والثاني تصوير له.
ثانياً: المجاز المرسل.. عندما تتعدد العلاقات
في الكلام المجازي، إذا كانت العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى الجديد "غير المشابهة"، فإننا نسمي هذا النوع "المجاز المرسل". وسمي مرسلاً لأنه أُطلق ولم يُقيد بعلاقة التشبيه وحدها، بل له علاقات كثيرة ومتشعبة تكشف عن ثراء اللغة. دعونا نستعرض أهم هذه العلاقات كما وردت في المتن، ونشرح كيف يفكر البليغ عند استخدامها:
1. السببية (ذكر السبب وإرادة المسبَّب):
قد يذكر المتحدث "السبب" ولكنه يريد في الحقيقة "النتيجة" أو المسبَّب. مثال ذلك قولنا: «لفلانٍ يَدٌ عندي». في الواقع، اليد الجارحة ليست هي المقصودة، بل المقصود هو "النعمة" أو "الفضل". ولأن اليد هي الآلة والسبب الحقيقي في تقديم العطاء، أُطلق السبب (اليد) وأُريد المسبَّب (النعمة).
2. المسبَّبة (ذكر النتيجة وإرادة السبب):
وهي عكس الحالة السابقة. تأمل قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾. هل السماء تمطر أرغفة خبز أو أموالاً (الرزق)؟ لا، هي تمطر "ماءً". ولكن لما كان المطر هو السبب المباشر في خروج النبات والرزق، سُمي المطر رزقاً. هنا ذكر القرآن النتيجة (الرزق) وأراد السبب (المطر) لعلاقة المسبَّبة.
3. الكلية (ذكر الكل وإرادة الجزء):
وهي من أساليب المبالغة الرائعة. مثال ذلك قوله تعالى في وصف حال المنافقين: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾. الإنسان لا يستطيع إدخال كامل إصبعه في أذنه، بل يدخل "الأنملة" (طرف الإصبع). ذكر القرآن "الكل" (الأصابع) ليدل على شدة إغلاقهم لآذانهم ورفضهم لسماع الحق، والمقصود هو "الجزء".
4. الجزئية (ذكر الجزء وإرادة الكل):
قد نطلق الجزء ونحن نريد الكل لأهمية هذا الجزء. كقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. التحرير يقع على "الإنسان" كاملاً (العبد)، وليس على رقبته فقط. ولكن ذكرت "الرقبة" لأنها رمز العبودية والملك، فبتحريرها يحرر الإنسان كله.
5. اعتبار ما كان (النظر للماضي):
وهي تسمية الشيء بما كان عليه سابقاً. مثل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾. اليتيم شرعاً هو من فقد والده وهو دون البلوغ، ولكن دفع المال يكون بعد البلوغ والرشد (حيث يزول وصف اليتم). سماهم الله "يتامى" باعتبار ما كانوا عليه تذكيراً بحقهم وشقائهم السابق.
6. اعتبار ما سيكون (النظر للمستقبل):
تسمية الشيء بما سيؤول إليه. كقوله تعالى على لسان أحد الفتيين: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. هو يعصر "عنباً"، ولكنه سماه "خمراً" باعتبار ما سيتحول إليه العصير في المستقبل.
7. المحلية (ذكر المكان وإرادة من فيه):
كقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾. النادي هو مكان الاجتماع، ولا يُدعى المكان، بل يُدعى "من في النادي" (القوم والعشيرة). أطلق المحل (النادي) وأراد الحالَّ فيه.
8. الحالية (ذكر الحال وإرادة المكان):
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. النعيم هو "حالة" من السعادة، وليس مكاناً. ولكن المقصود أنهم في "الجنة" (المكان) الذي هو مقر النعيم. ذُكر الحال وأُريد المحل.
9. الآلية (ذكر الآلة وإرادة أثرها):
كقوله تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. اللسان هو آلة الكلام، والمقصود هنا "الذكر الحسن" والثناء الطيب. سُمي الذكر لساناً لأن اللسان هو الآلة التي تنتجه.
ثالثاً: المجاز العقلي.. هندسة الجملة والإسناد
إذا كان المجاز المرسل تلاعباً في "اللفظ" المفرد، فإن المجاز العقلي هو تلاعب في "إسناد الجملة". هنا، الألفاظ قد تكون مستعملة في معانيها الحقيقية، لكننا نسند الفعل إلى غير فاعله الحقيقي لوجود ملابسة أو علاقة، مع وجود قرينة عقلية تمنع الإسناد الحقيقي.
دعونا نوضح هذا المفهوم الدقيق من خلال العلاقات التي تحكمه:
- السببية في الإسناد: عندما نقول: «بنى الأميرُ المدينةَ». عقلاً، الأمير لم يحمل الحجارة ولم يبنِ بيده (وهذا هو المانع من الإسناد الحقيقي). العمال هم من بنوا. ولكن لأن الأمير هو "السبب" الآمر بالبناء، صح إسناد الفعل إليه مجازاً. ومثله قولنا: "هزم القائدُ الجيشَ"، فالقائد هو سبب الهزيمة بتخطيطه، والجنود هم المباشرون للفعل.
- الزمانية: وهو إسناد الفعل للزمان الذي وقع فيه. كقولنا: «نهارُ الزاهدِ صائمٌ». النهار زمن لا يصوم، بل الزاهد هو الذي يصوم فيه. أُسند الصيام للنهار لأنه الظرف الزماني للفعل. ومثله قول الشاعر: «أبلى الهوى جسدي»، فالهوى شعور لا يبلي، بل مرور الأيام والزمن مع الهوى هو الذي يبلي، أو يمكن اعتباره سببية أيضاً.
- المكانية: إسناد الفعل للمكان. كقولنا: «ازدحمت الشوارعُ» أو «جَرَى النهرُ». الشوارع لا تزدحم بنفسها بل بالناس، والنهر (الخد/المجرى) لا يجري بل يجري الماء فيه. أُسند الفعل للمكان لعلاقة مكانية.
- المصدرية: إسناد الفعل للمصدر. كقولنا: «جَدَّ جِدُّهُ». الفاعل الحقيقي هو الشخص المجد، ولكن أُسند الفعل للمصدر (الجد) للمبالغة والتأكيد.
- المفعولية: إسناد ما حقه أن يسند للفاعل إلى المفعول. مثل قولنا: "عيشة راضية" (في قوله تعالى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ). العيشة لا تَرضى، بل هي "مَرْضية" (يُرضى بها). هنا استعمل اسم الفاعل (راضية) مكان اسم المفعول (مرضية) على سبيل المجاز العقلي.
رابعاً: كيف تميز بذكاء بين الأنواع؟
قد يختلط الأمر على الطالب بين هذه الأنواع، لذا إليك هذه القاعدة الذهبية للتمييز:
- انظر أولاً: هل اللفظ مستعمل في معناه الأصلي؟ إذا نعم، فالكلام حقيقي.
- إذا كان اللفظ في غير معناه الأصلي، فاسأل نفسك: هل العلاقة هي "المشابهة"؟ إذا نعم، فأنت أمام استعارة (وهي نوع من المجاز، سيأتي تفصيله في دروس لاحقة).
- إذا كانت العلاقة "غير المشابهة" (كالسببية، الجزئية، المكانية...)، فانظر إلى التركيب:
- إذا كان التجوز في "لفظ مفرد" استعمل مكان لفظ آخر، فهو مجاز مرسل (مثل: رعينا الغيث - أي النبات).
- إذا كان التجوز في "إسناد الفعل" لغير فاعله الحقيقي (جملة كاملة)، فهو مجاز عقلي (مثل: شابت نواصي الليالي).
كلمة ختامية
إن دراسة [الكلام الحقيقي والكلام المجازي] ليست ترفاً لغوياً، بل هي ضرورة لفهم عمق اللغة العربية وبلاغة القرآن الكريم. هذا الدرس يعلمنا أن خلف كل كلمة ظاهرة عالماً من المعاني الخفية، وأن العرب لم يضعوا هذه القواعد تعقيداً، بل لفتح آفاق واسعة للتعبير عما يجيش في الصدور بأوجز العبارات وأدقها. تدرب دائماً على التقاط هذه الجواهر أثناء قراءتك، وستجد أن للنصوص طعماً آخر عندما تقرؤها بعين البلاغة.
