أهلاً بكم يا طلابي الأعزاء ومحبي لغة الضاد في رحلة جديدة وممتعة إلى قلب الموسيقى الشعرية. دعونا اليوم نفتح معاً باباً ضخماً من أبواب "علم العروض"، لندخل إلى رحاب البحر الذي لطالما وصفه العروضيون بأنه "سيد البحور" وأوسعها صدراً للمعاني الجليلة. حديثنا اليوم عن بحر الطويل.
![]() |
| شرح شامل عن بحر الطويل | تفعيلاته وضوابطه في الشعر العربي |
لعلكم لاحظتم، وأنتم تقرؤون المعلقات السبع أو قصائد المتنبي وأبي فراس الحمداني، أن هناك نغمةً مهيبة، طويلة النفس، تأخذك في رحلة إيقاعية ممتدة لا تنقطع أنفاسها بسرعة. هذا هو بحر الطويل. إنه البحر الذي اختاره فحول الشعراء ليحمل أثقل المعاني وأكثرها وقاراً. تعالوا معي، خطوة بخطوة، لنفكك شيفرة هذا البحر ونفهم هندسته الصوتية كما وردت في كتابنا، بأسلوب مبسط يجعل من التقطيع العروضي متعة ذهنية لا واجباً مدرسياً ثقيلاً.
لماذا سُمي بالطويل؟ وما هو مفتاحه؟
قبل أن نغوص في الرموز، دعونا نتذوق الاسم. سُمي "الطويل" بهذا الاسم لأنه، وببساطة، طويل! فهو يتكون من ثماني تفعيلات كاملة في البيت الواحد (أربع في الصدر، وأربع في العجز)، ولا يُستعمل إلا تاماً، أي لا يُحذف منه شيء ليصبح "مجزوءاً" كما يحدث في بحور أخرى. إنه بحرٌ كامل الهيبة لا يقبل النقصان.
ولكي نضبط إيقاعه في آذاننا، يجب أن نحفظ وزنه الأصلي الذي بنيت عليه القصائد:
هل تشعرون بالمد والجزر في هذا الإيقاع؟ إنه تبادل بين تفعيلة خماسية (فعولن) وتفعيلة سباعية (مفاعيلن). دعونا الآن نحلل هذه التفعيلات كما تظهر في التقطيع.
التفعيلات والتغييرات (الزحافات)
في علم العروض، التفعيلات ليست قوالب جامدة، بل هي كائنات حية تتنفس وتتغير لتعطي للشاعر مساحة من الحرية. في بحر الطويل، لدينا تفعيلتان أساسيتان:
1. تفعيلة (فَعُولُنْ)
ورمزها العروضي: //0/0 (وتد مجموع + سبب خفيف).
ولكن، انتبهوا جيداً، فهذه التفعيلة كثيراً ما يصيبها تغيير يسمى "القَبْض". القبض هو حذف الحرف الخامس الساكن (النون).
فتتحول من (فَعُولُنْ //0/0) إلى (فَعُولُ //0/).
وهذا التغيير "جائز" في حشو البيت، أي أنك سترى (فعولن) و(فعولُ) يتبادلان الأماكن بسلاسة في القصيدة.
2. تفعيلة (مَفَاعِيلُنْ)
ورمزها العروضي: //0/0/0 (وتد مجموع + سببين خفيفين).
وهذه أيضاً تتعرض لـ "القبض" (حذف الخامس الساكن، وهو الياء هنا).
فتتحول من (مَفَاعِيلُنْ //0/0/0) إلى (مَفَاعِلُنْ //0/0/).
وهذا أيضاً شائع جداً في حشو البيت.
هندسة العروض والضرب في البحر الطويل
نعلم أن "العَروض" هي التفعيلة الأخيرة في الشطر الأول، و"الضرب" هو التفعيلة الأخيرة في الشطر الثاني. في بحر الطويل، للضرب والعروض أحكام خاصة يجب أن نركز عليها:
- العَروض (نهاية الشطر الأول): تأتي دائماً "مقبوضة". أي أنك لن تجدها (مفاعيلن) كاملة، بل ستجدها دائماً على وزن (مَفَاعِلُنْ) برمز //0/0/. هذا قانون شبه ثابت في الطويل.
- الضرب (نهاية الشطر الثاني): هنا تتنوع الموسيقى. يأتي الضرب على صور متعددة، أشهرها:
- ضرب صحيح: (مَفَاعِيلُنْ //0/0/0) كما هي.
- ضرب مقبوض: (مَفَاعِلُنْ //0/0/) مثل العروض.
- ضرب محذوف: (مَفَاعِي //0/0) وتكتب عروضياً (فَعُولُنْ).
تطبيقات عملية: هيا نقطع الأبيات!
النظريات جميلة، لكن التطبيق هو الذي يثبت المعلومة. دعونا نأخذ أمثلة من عيون الشعر العربي ونقطعها سوياً كما ورد في منهجنا.
المثال الأول: من رائعة أبي فراس الحمداني
يقول الشاعر:
لنكتبه كتابة عروضية (ما يُنطق يُكتب):
أراك عصيي د دمع شيمتك ص صبرو ... أما لل هوي نهين عليك ولا أمرو
الآن نضع الرموز:
- الشطر الأول:
- أراك عصي: //0/ //0 (فعولُ مفاعلن) -> "فعولن" قُبضت، و"مفاعيلن" قُبضت.
- يد دمع شي: //0/0/0 (مفاعيلن) -> جاءت سالمة.
- متك ص صبرو: //0//0/0 (مفاعلن) -> العروض مقبوضة كما اتفقنا.
- الشطر الثاني:
- أما للهوى: //0/0 //0 (فعولن مفاعلن).
- نهين علي: /0/0//0 (مفاعيلن).
- ك ولا أمرو: //0/0/0 (فعولن - أصلي مفاعي). *تنويه: هنا الضرب جاء (فعولن //0/0) وهو ما يسمى بالمحذوف.*
لاحظوا كيف تماوجت التفعيلات بين (فعولن) و(فعولُ) وبين (مفاعيلن) و(مفاعلن)، هذا التنوع هو سر جمال البحر.
المثال الثاني: حكمة زهير بن أبي سلمى
يقول زهير:
التقطيع:
- سئمت ت: //0/// (فعولُ) -> مقبوضة.
- كاليف ل: /0/0//0 (مفاعيلن) -> سالمة.
- حياة و: //0/// (فعولُ) -> مقبوضة.
- من يعش: /0//0 (مفاعلن) -> العروض مقبوضة.
وهكذا يسير البيت بسلاسة. الشيء الرائع هنا هو أنك بمجرد أن تمسك بأول "فعولن"، ستجد بقية البيت ينساب معك تلقائياً.
المثال الثالث: معلقة امرؤ القيس
لا يمكن الحديث عن الطويل دون ذكر مطلعه الأشهر:
لنجرب تقطيع "قفا نبك من ذكرى":
- قفا نبك: //0/0/ (فعولن).
- من ذكري: /0/0/0 (مفاعيلن).
إنه الوزن القياسي التام. هذا البيت يمثل "المسطرة" التي يمكنكم القياس عليها.
نصائح ذهبية لطلاب العروض
يا أصدقائي، العروض ليس لغزاً، بل هو تدريب للأذن. لكي تتقنوا بحر الطويل، اتبعوا هذه الخطوات:
- ابدأ بـ "فعولن": عندما تشك في بيت أنه من الطويل، حاول أن تقرأ أول كلمتين بنغمة (//0/0) أو (//0/). إذا استقام اللسان، فأنت غالباً في بحر الطويل.
- لا تخف من الزحافات: تذكر أن نقص حرف النون من (فعولن) أو الياء من (مفاعيلن) لا يكسر البيت، بل هو "ملح" القصيدة. لا تبحث عن التفعيلات الكاملة دائماً.
- انتبه للساكنين: العروض لا يعترف بالرسم الإملائي. (الشمس) هي (أش شمس)، و(البيت) هي (ال بيت). فك الحروف المشددة دائماً.
- احفظ المفتاح: كرر دائماً: "طويلٌ له دون البحور فضائلُ ... فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيل". هذا البيت هو بوصلتك إذا ضعت في بحر الأوزان.
في الختام، إن بحر الطويل هو ديوان العرب، وسجل مفاخرهم. دراستكم له ليست مجرد حفظ لتفعيلات (فعولن مفاعيلن)، بل هي تواصل مع إيقاع القلوب التي خفقت قبل مئات السنين. حين تضبط وزن هذا البحر، ستجد نفسك تقرأ الشعر بطريقة مختلفة تماماً؛ ستسمع صليل السيوف في شعر عنترة، وأنين الشوق في شعر قيس، وحكمة الشيوخ في شعر زهير، وكل ذلك عبر نغمات "الطويل".
أتمنى أن يكون هذا الشرح قد أضاء لكم الطريق، وجعل من بحر الطويل صديقاً مألوفاً لا غريباً صعباً. تدربوا على التقطيع، واستمتعوا بموسيقى لغتكم العظيمة.
