أهلاً بكم مجدداً، أبنائي الطلاب وزملائي المعلمين، في محطة جديدة من محطاتنا العروضية. اليوم، نترك الشواطئ المألوفة لندخل في "بحر" له طابع خاص، وهيبة مميزة، ونغمٌ يجمع بين الرصانة والامتداد. حديثنا اليوم عن "بحر المديد".
لماذا سُمي بالمديد؟ يقول العرويكون لأن الأسباب (المقاطع الخفيفة) قد امتدت في أجزائه السباعية، فجعلت له نفساً طويلاً وإيقاعاً ممتداً. وهو من البحور التي قد يجدها الطالب في البداية مركبة، لكن بمجرد أن نمسك بمفتاحه الموسيقي، سيتحول الأمر إلى متعة عقلية وسمعية لا تضاهى.
أولاً: الهيكل البنائي لبحر المديد (الوزن الأصلي)
لكي نضبط أي بحر، علينا أولاً معرفة قالبه الأساسي الذي صبّت فيه العرب أشعارها. يتكون بحر المديد في دائرته العروضية من تكرار تفعيلات محددة ست مرات (ثلاث في الشطر الأول، وثلاث في الشطر الثاني). ومفتاح هذا البحر كما ورد في منهجنا هو:
فاعِلاتُنْ فاعِلُنْ فاعِلاتُنْ *** فاعِلاتُنْ فاعِلُنْ فاعِلاتُنْ
تأملوا معي هذا التكوين: إنه يبدأ بتفعيلة سباعية (فاعلاتن)، ثم ينتقل لتفعيلة خماسية (فاعلن)، ثم يعود للسباعية (فاعلاتن). هذا التناوب بين الطول والقصر هو سر جمال المديد. ولكن، هل يأتي الشعر دائماً بهذا الشكل المثالي "السالم"؟ الإجابة في العروض غالباً تكون: لا. هناك تغييرات تطرأ، وهذا ما سنفصله الآن.
ثانياً: التغييرات والزحافات الشائعة
عند قراءتنا للنصوص الشعرية على هذا البحر، سنلاحظ أن التفعيلات لا تبقى دائماً على صورتها الأصلية. بناءً على ما ورد في الصفحة 201، هناك تغييرات جوهرية يجب الانتباه لها:
- تفعيلة (فاعلاتن): قد يصيبها "الخَبْن"، وهو حذف الحرف الثاني الساكن (الألف)، فتتحول من (/o//o/o) إلى (فَعِلاتُن) ورمزها (///o/o).
- تفعيلة (فاعلن): هذه التفعيلة التي تتوسط الشطر، قد يصيبها أيضاً "الخَبْن" (حذف الألف)، فتصبح (فَعِلُن) ورمزها (///o).
- تغييرات الضرب (نهاية البيت): الضرب في المديد هو المكان الأكثر عرضة للتغيير، فقد يُحذف منه سبب خفيف كامل، فتتحول (فاعلاتن) إلى (فاعلن)، أو يُقصر (بحذف ساكن السبب الخفيف وتسكين متحركه) لتصبح (فاعلات).
ثالثاً: صور بحر المديد (التطبيق العملي)
الآن، لننتقل من النظرية إلى التطبيق. سنقوم بتقطيع الأمثلة الواردة في الكتاب لنرى كيف تتشكل العروض (نهاية الشطر الأول) والضرب (نهاية الشطر الثاني) في حالات مختلفة.
الصورة الأولى: العروض صحيحة والضرب صحيح
في هذه الصورة، تبقى التفعيلات الأخيرة في الشطرين كما هي (فاعلاتن). لننظر إلى المثال الأول في الصفحة 201:
إِنَّما الإِنْسانُ حَيٌّ كَمَيِت ... وَالمَنايا رُصَّدٌ لِلْعِبادِ
خطوات التقطيع والتحليل:
تذكروا قاعدتنا الذهبية: "ما يُلفظ يُكتب، وما لا يُلفظ لا يُكتب".
- الشطر الأول:
الكتابة العروضية: إِنْنَ مَلْإِنْ - سانُ حَيْيُن - كَمَييِتْ
الرموز: (/o//o/o) - (/o//o) - (/o//o/o)
التفعيلات: فاعلاتن - فاعلن - فاعلاتن
(لاحظوا: العروض جاءت "فاعلاتن" صحيحة سالمة). - الشطر الثاني:
الكتابة العروضية: وَلْمَنايا - رُصْصَدُنْ - لِلْعِبادي
الرموز: (/o//o/o) - (/o//o) - (/o//o/o)
التفعيلات: فاعلاتن - فاعلن - فاعلاتن
(لاحظوا: الضرب جاء "فاعلاتن" صحيحاً سالماً).
الصورة الثانية: العروض صحيحة والضرب محذوف
هنا تبقى العروض (فاعلاتن)، لكن الضرب في الشطر الثاني يفقد جزءاً منه ليصبح (فاعلن). المثال من أسفل الصفحة 201:
إِنَّ قَوْمي فاعْلَمي خَيْرُ قَوْمٍ ... فَاسْأَلي الأَقْوامَ عَنْ قَوْمي
التحليل:
- الشطر الأول:
الرموز: /o//o/o - /o//o - /o//o/o
التفعيلات: فاعلاتن - فاعلن - فاعلاتن
(العروض صحيحة). - الشطر الثاني:
الكتابة العروضية: فَسْأَلِ لْأَقْ - وامَ عَنْ - قَوْمي
الرموز: /o//o/o - /o//o - /o/o
التفعيلات: فاعلاتن - فاعلن - فاعلن
(انتبهوا جيداً: الضرب هنا أصبح "فاعلن" /o/o، وهذا ما نسميه الضرب المحذوف).
الصورة الثالثة: العروض والضرب كلاهما محذوفان
في هذه الحالة، يتم تخفيف البيت أكثر، فتتحول العروض والضرب معاً إلى (فاعلن). المثال من الصفحة 202:
حالُ بَيْنَ الجَفْنِ والوَسَنِ ... حائِلٌ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُنِ
التقطيع:
- الشطر الأول: حائِلُنْ بَيْ (فاعلاتن) - نَلْ جَفْ نِ (فاعلن) - وَلْ وَسَني (فاعلن).
العروض هنا جاءت: فاعلن (محذوفة). - الشطر الثاني: حائِلُنْ لَوْ (فاعلاتن) - شِئْ تَ (فاعلن) - لَمْ يَكُني (فاعلن).
الضرب هنا جاء: فاعلن (محذوف).
لاحظوا الخفة التي اكتسبها البيت عندما قصرت تفعيلاته الأخيرة.
الصورة الرابعة: حالة خاصة للضرب (فاعلات)
هناك صورة جميلة ونادرة وردت في الصفحة 202، حيث يأتي الضرب بوزن (فاعلات) أو ما يرمز له بـ (/o//o/). لنرَ المثال:
يا ضَعيفَ العَقْلِ والرَّأْيِ يا مَنْ ... لا يُطيقُ الحَرْبَ يَوْمَ النِّزالِ
عند تقطيع كلمة "النِّزالِ" في آخر البيت:
الكتابة: نْ نِزالي
الرموز: /o//o/o
ولكن مهلاً، انظروا إلى حركة اللام في "النزالِ"، إنها مكسورة مشبعة لتوليد الياء، فتصبح (/o//o/o) أي (فاعلاتن).
تصحيح وملاحظة دقيقة: في بعض نسخ الكتب أو القراءات، قد يأتي الضرب مقصوراً (فاعلاتْ /o//o/) بسكون التاء، وهذا يحدث عند الوقف المقيد. ولكن في المثال المذكور في الكتاب برموزه (صفحة 202)، تم تقطيع العجز كالتالي:
- لا يُطيقُ (فاعلاتن) - حَرْ بَ (فاعلن) - يَوْمَ نْ نِزالْ (فاعلاتْ).
- الرمز الموجود في الكتاب للضرب هو: (/o//o/). وهذا يعني فاعلاتْ.
رابعاً: كيف تميز بحر المديد عن غيره؟
قد يختلط بحر المديد ببحر الرمل أو الخفيف بسبب تشابه التفعيلات (فاعلاتن)، وهنا يأتي دوركم كدارسين أذكياء:
- ابحث عن التفعيلة الوسطى: إذا وجدت النمط (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن)، فهذا هو المديد حصراً. وجود (فاعلن) الخماسية في الوسط هو بصمة المديد.
- البداية: المديد يبدأ بـ (فاعلاتن) أو (فعلاتن)، ولا يبدأ بـ (مستفعلن) أبداً.
خامساً: تدريب للطالب النجيب
حاول الآن أن تمسك ورقة وقلماً، وتقوم بتقطيع البيت التالي الوارد في تدريبات الصفحة 203، مستخدماً الخطوات التي شرحناها:
يا بَعيدَ الدَّارِ عَنْ وَطَنِه ... مُفْرَداً يَبْكي عَلى شَجَنِه
تلميح للمساعدة:
1. اكتب البيت كما تنطقه (يا بَعيدَ دْ دارِ ...).
2. حول الكتابة إلى رموز (/ و o).
3. حاول مطابقة الرموز مع (فاعلاتن فاعلن فاعلن). هل العروض محذوفة هنا؟ وهل الضرب محذوف؟
كلمة أخيرة
إن بحر المديد، رغم قلة دورانه في الشعر الحديث مقارنة ببحور أخرى، يظل شاهداً على فخامة البناء الموسيقي العربي. دراستكم له ليست مجرد حفظ لتفعيلات، بل هي تدريب للأذن على التقاط الإيقاع المتنوع الذي يكسر الرتابة.
تذكروا دائماً: العروض علم صوتي. غنِّ البيت، دندن به، وستجد أن يدك تكتب الرموز وحدها دون عناء. أتمنى أن يكون هذا الشرح قد جعل "المديد" قريباً إلى أذهانكم، وواضحاً في بصائركم.