المحسنات البديعية - رحلة في عمق الجمال اللغوي
أهلاً بكم يا أحباب اللغة وعشاق البيان.. اليوم، سنفتح معاً باباً من أجمل أبواب لغتنا العربية، وهو باب "علم البديع". لعلكم كطلاب أو حتى كقراء متذوقين، مررتم بعبارات شعرتُم فيها بنغمٍ موسيقي يطرب الآذان، أو بجملٍ متضادة أيقظت عقولكم وأوضحت المعنى بشكلٍ مذهل. هذا السحر ليس محض صدفة، بل هو فنٌّ مدروس يُسمى "المحسنات البديعية".
![]() |
| المحسنات البديعية | دليل شامل للطلاب والمعلمين |
دعونا نتفق بدايةً، قبل أن نخوض في التفاصيل، أن البلاغة ليست مجرد زينة شكلية. البلاغة هي أن يطابق كلامك مقتضى الحال، وعلم البديع هو الأداة التي تجعل هذا الكلام "أنيقاً" ومؤثراً. إنه العلم الذي يبحث في وجوه تحسين الكلام وتزيينه، بشرط أن يكون الكلام في أصله فصيحاً وواضح المعنى.
وينقسم هذا العلم الواسع إلى قسمين رئيسيين، يشكلان جناحي الجمال في النص الأدبي: المحسنات المعنوية (التي تخاطب العقل)، والمحسنات اللفظية (التي تخاطب الأذن). سأكون معكم اليوم مرشداً في هذه الرحلة الممتعة لنفهم كل نوعٍ بعمق، مستندين إلى ما ورد في كتابنا المعتمد.
القسم الأول: المحسنات البديعية المعنوية
في هذا النوع، يكون التركيز منصباً على "تحسين المعنى" أولاً، واللفظ يأتي تبعاً له. هنا نحن نلعب بالأفكار، نضادها، نطابقها، أو نخفيها بذكاء.
1. الطباق (فن التضاد)
الطباق هو أشهر المحسنات وأكثرها شيوعاً، ويعرفه البلاغيون بأنه الجمع بين الشيء وضده في الكلام. لماذا نستخدمه؟ لأن الأشياء تتميز بضدها؛ فالنور لا يُعرف قيمته إلا بالظلام. وينقسم الطباق إلى نوعين دقيقين:
- طباق الإيجاب: وهو أن نذكر الكلمة وعكسها الصريح بشكل مباشر، لا يختلفان سلباً وإيجاباً. ومثال ذلك في قول أبي فراس الحمداني: «أراكَ عصيَّ الدمع شيمتُكَ الصبرُ ... أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ». هنا الجمع بين (نهي) و(أمر) هو طباق إيجاب يوضح شمولية تسلط الهوى. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾.
- طباق السلب: وهنا تكمن الدقة، فهو الجمع بين فعلين من مصدر واحد، أحدهما مثبت والآخر منفي، أو أحدهما أمر والآخر نهي. تأملوا قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. الجمع بين (يعلمون) و(لا يعلمون) هو طباق سلب، لأنه اعتمد على النفي وليس الضد المباشر.
2. المقابلة (توسع في التضاد)
كثير منكم قد يخلط بين الطباق والمقابلة. الفرق بسيط جداً: الطباق يكون بين لفظة ولفظة (واحد ضد واحد)، أما المقابلة فهي أن نأتي بمعنيين أو أكثر، ثم نأتي بما يقابلها (يضادها) على الترتيب. هي "معركة" منظمة بين جملتين.
من أروع الأمثلة ما قاله أحد الشعراء يصف حاله المتناقض مع جاره:
«أُضحكُ الجارَ في سرورٍ ... وأبكي عندما يختفي عن الجار سِرّي»
لنحلل البيت سوياً: (أضحك) تقابلها (أبكي)، و(الجار/العلن) يقابله (سري/الخفاء)، و(سرور) يقابله الحزن المفهوم من البكاء. هذا الترتيب المتقن هو ما نسميه المقابلة.
3. التورية (ذكاء المتكلم)
التورية هي الفن الذي يختبر ذكاء السامع. هي أن يذكر المتكلم لفظاً له معنيان: معنى "قريب" يتبادر إلى الذهن فوراً (وهو غير مقصود)، ومعنى "بعيد" خفي (وهو المقصود). التورية تضفي جواً من الدعابة والذكاء على النص.
خذوا هذا المثال الشعري اللطيف حيث يقول الشاعر:
«أيها المُعرِضُ عنّا ... حَسبُكَ اللهُ تعالى»
عندما تسمع كلمة (تعالى) بعد لفظ الجلالة (الله)، يذهب ذهنك فوراً إلى المعنى القريب وهو العلو والتنزيه. لكن الشاعر "يوري" (يخفي) المعنى البعيد الذي يريده، وهو فعل الأمر (تَعَالَ) أي: أقبِل إلينا ولا تعرض عنا.
4. المبالغة
قد يظن البعض أن المبالغة كذب، لكنها في البلاغة وسيلة لتأكيد المعنى بتصويره في صورة تفوق الواقع. وقد قسمها العلماء إلى ثلاث درجات متفاوتة:
- التبليغ: وهو وصف ما يمكن حدوثه عقلاً وعادةً.
- الإغراق: وهو وصف ما يمكن حدوثه عقلاً، ولكن ليس عادةً (نادر الحدوث). مثل قول الشاعر: «ونُكرِمُ جارَنا ما دام فينا ... ونُتبِعُهُ الكرامةَ حيث مالا».
- الغلو: وهو وصف ما يستحيل حدوثه عقلاً وعادةً. ورغم غرابته، فقد قُبل في الشعر إذا كان يخدم الخيال، كما قال المتنبي يصف جيشاً مدججاً بالسلاح: «يكادُ يجرُّونَ الحديدَ كأنما ... سَرَوْا بجيادٍ ما لَهُنَّ قوائمُ». (أي أن الخيول من كثرة الحديد الذي يغطيها لا تظهر أرجلها، وهذا مستحيل عقلاً لكنه صورة فنية مدهشة).
5. تأكيد المدح بما يشبه الذم (والعكس)
هذا أسلوب ماكر وذكي جداً. تخيل أن تبدأ جملة بأداة استثناء توحي بأنك ستذم، ثم تفاجئ السامع بمدحٍ آخر!
مثل قول النابغة: «ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم ... بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ».
بداية الجملة (لا عيب فيهم غير أن...) توحي بوجود عيب، لكن "الفلول" (الخدوش في السيف) الناتجة عن كثرة القتال هي دليل شجاعة، فكأنه أثبت مدحاً (الشجاعة) على مدح (خلوهم من العيوب).
القسم الثاني: المحسنات البديعية اللفظية
هنا ننتقل من "العقل" إلى "الأذن". المحسنات اللفظية تهتم بجرس الكلمات وموسيقاها، مما يسهل حفظ الكلام ويجعله ممتعاً في السمع.
1. الجناس (تشابه الحروف)
الجناس هو أن تتشابه كلمتان في اللفظ (النطق) وتختلفان في المعنى. وهذا الاختلاف في المعنى شرط أساسي، وإلا صار تكراراً. وهو نوعان:
- الجناس التام: هو ما اتفقت فيه الكلمتان في أربعة أمور: (نوع الحروف، عددها، حركاتها، وترتيبها).
أجمل مثال قرآني: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾. الساعة الأولى تعني "يوم القيامة"، والساعة الثانية تعني "فترة زمنية". تطابق تام في اللفظ واختلاف تام في المعنى. - الجناس الناقص (غير التام): وهو ما اختلفت فيه الكلمتان في واحد من الأمور الأربعة السابقة.
مثال: الاختلاف في نوع الحروف مثل (الخيل) و(الخير). أو الاختلاف في ترتيب الحروف مثل (صَحَائِف) و(صَفَائِـح). هذا التشابه الجزئي يخلق نغمة موسيقية محببة.
2. السجع (موسيقى النثر)
السجع هو توافق الفواصل (نهايات الجمل) في الحرف الأخير، وهو خاص بالنثر ولا يكون في الشعر (في الشعر يسمى قافية). السجع يعطي الكلام إيقاعاً قوياً ويساعد على ترسيخ المعنى.
من أشهر الأمثلة النبوية: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام...». (انتهاء الجمل بحرف الميم). وللسجع أنواع دقيقة ذكرها البلاغيون:
- السجع المُطَرَّف: وهو أن تختلف الفاصلتان في الوزن وتتفقا في حرف الروي (القافية). مثل قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾.
- السجع المُرَصَّع: وهو أرقى الأنواع، حيث تكون كل لفظة في الجملة الأولى مساوية لما يقابلها في الجملة الثانية في الوزن والقافية. مثل: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾.
- السجع المتوازي: وهو أن تتفق اللفظة الأخيرة فقط في الجملتين وزناً وقافية، وباقي الجملة لا يشترط فيه التوافق.
3. مراعاة النظير (التناسب)
رغم أنه يُصنف غالباً ضمن المحسنات المعنوية، إلا أن له وقعاً خاصاً. هو الجمع بين أمر وما يناسبه (دون تضاد). كأن تقول: "أمسكت القلم والقرطاس". فذكر القلم يستدعي ذكر القرطاس (الورق). هذا التناسب يخلق وحدة موضوعية في النص ويمنع تشتت الذهن. ومن أمثلته القرآنية: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾، فالشمس والقمر متلازمان في الكون وفي الذهن.
ختاماً: نصيحة للمعلمين والطلاب
إن دراسة المحسنات البديعية ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة. لا ينبغي للكاتب أو المتحدث أن يتكلف في استخدامها، فالتكلف يذهب بجمال الكلام ويجعله ثقيلاً ومصطنعاً. البلاغة الحقيقية هي التي تأتي عفواً، فتزين المعنى وتبرزه دون أن تطغى عليه.
عندما تقرؤون نصاً أدبياً، حاولوا ألا تكتفوا باستخراج المحسن البديعي وتسميته (هذا طباق، وهذا جناس)، بل اسألوا أنفسكم: لماذا استخدمه الأديب هنا؟ ما الأثر الذي تركه في نفسي؟ هل وضح المعنى؟ هل أثار انتباهي؟ هذه هي الغاية الحقيقية من تذوق البلاغة العربية.
أتمنى أن يكون هذا العرض قد قرب إليكم مفهوم علم البديع، وجعلكم تنظرون إلى نصوص لغتنا الجميلة بعينٍ فاحصة وقلبٍ متذوق.
