أعزائي الطلاب، ومحبي لغتنا العربية الأصيلة، أهلاً بكم في درس جديد من دروس العروض، ذلك العلم الذي يضبط إيقاع الشعر ويجعلنا نتذوق موسيقاه الخفية. حديثنا اليوم لن يكون عن أي بحر، بل عن بحرٍ خفيف الروح، عذب النغم، طالما تغنى به الشعراء لسهولته وانسيابيته؛ حديثنا عن بحر الهزج.
![]() |
| بحر الهزج | شرح مبسط لمفتاحه وتفعيلاته العروضية |
في هذا المقال المطول، سنقوم بدور المعلم الذي يأخذ بيد طالبه خطوة بخطوة، لنفكك شفرات هذا البحر، ونفهم تفعيلاته، ونطبق عليه عملياً بناءً على القواعد العروضية الدقيقة. دعونا نبدأ الرحلة.
أولاً: لماذا سُمي بالهزج؟ وما هو مفتاحه؟
قبل أن نخوض في الأوزان، يجب أن ندرك طبيعة هذا البحر. الهزج في اللغة يوحي بالتردد والترنم، وهو بحر يكثر استخدامه في الحالات الشعورية التي تتطلب خفة وسرعة. ولكي تضبطوا إيقاعه في أذهانكم ولا يختلط عليكم بغيره، عليكم بحفظ "المفتاح" الخاص به. ومفتاح البحر هو البيت الذي يجمع نغمته وتفعيلاته، يقول المفتاح:
تأملوا هذا المفتاح جيداً، وكرروه نطقاً، ستجدون أن نغمة (مَفاعِيلُنْ) تتكرر بانتظام وسلاسة، وهذا هو جوهر بحر الهزج.
ثانياً: الهيكل البنائي لبحر الهزج
عندما نتحدث عن "الهيكل" أو الوزن، فنحن نعني عدد التفعيلات التي يتكون منها البيت الشعري. بحر الهزج في أصله النظري يتكون من تكرار تفعيلة (مَفاعِيلُنْ) ست مرات (ثلاث في كل شطر). ولكن، وهنا نقطة جوهرية يجب الانتباه لها:
إن بحر الهزج لا يُستعمل عند العرب إلا مجزوءاً. ومعنى "مجزوء" أي أنه حُذفت منه تفعيلة من كل شطر، فأصبح يتكون من أربع تفعيلات فقط (اثنتان في الصدر، واثنتان في العجز). وعليه، تكون الصورة النهائية لوزن بحر الهزج كالتالي:
- مَفاعِيلُنْ مَفاعِيلُنْ *** مَفاعِيلُنْ مَفاعِيلُنْ
تحليل التفعيلة الأساسية (مَفاعِيلُنْ)
لنتعمق قليلاً في هذه التفعيلة. مما تتكون؟ إذا قطعناها صوتياً سنجدها تتألف من:
- وتد مجموع: (مَفا //ه) - حركتان فسكون.
- سببان خفيفان: (عِي /ه) و (لُنْ /ه) - حركة فسكون لكل منهما.
وبالتالي يكون الرمز العروضي للتفعيلة السالمة هو: (//ه/ه/ه).
ثالثاً: التغييرات والزحافات (ما يطرأ على التفعيلة)
هل تبقى التفعيلة (مَفاعِيلُنْ) جامدة دائماً؟ الشعر كائن حي، وقد يطرأ على تفعيلاته بعض التغييرات المقبولة التي تسمى "الزحافات". في بحر الهزج، أشهر تغيير ستواجهونه هو "الكَفّ".
تطبيقاً على (مَفاعِيلُنْ):
- الحرف السابع هو (النون) الساكنة.
- عند حذفه تصبح التفعيلة: (مَفاعِيلُ).
- رمزها العروضي يتحول من (//ه/ه/ه) إلى (//ه/ه/).
هذا التغيير (الكف) جائز وشائع جداً في "حشو" البيت (أي في التفعيلات التي تسبق القافية)، وقد يرد أيضاً في العروض والضرب، وهو يعطي إيقاعاً أسرع للبيت الشعري.
رابعاً: أنواع العروض والضرب في بحر الهزج
عند تحليل القصائد، ننظر دائماً إلى آخر تفعيلة في الشطر الأول (تسمى العروض) وآخر تفعيلة في الشطر الثاني (تسمى الضرب). في بحر الهزج، لدينا عروضة واحدة صحيحة دائماً، ولها ضربان (نوعان من النهايات).
الحالة الأولى: العروض صحيحة والضرب صحيح
في هذا النوع، تأتي التفعيلات في نهاية الشطرين كاملة (مَفاعِيلُنْ). لندرس هذا المثال الوارد في كتب العروض:
عَلَيْها مِنْ دُموعِ الطَّلِّ رَقْراقُ
خطوات التقطيع (تطبيق عملي):
لنكتب البيت كتابة عروضية (حيث نكتب ما يُنطق فقط، ونفكك الحروف المشددة):
1. الشطر الأول: (عَلَيْها مِنْ) (دُموعِ طْطَلْ)
- (عَلَيْها مِنْ): حركاتها وسكناتها هي (//ه/ه/ه). التفعيلة: مَفاعِيلُنْ (سالمة).
- (دُموعِ طْطَلْ): لاحظ فك إدغام الطاء وحذف أل التعريف الشمسية. الرمز: (//ه/ه/ه). التفعيلة: مَفاعِيلُنْ (سالمة).
2. الشطر الثاني: (لِ رَقْراقو)
- هنا نلاحظ التكملة لباقي البيت (لها يَسْعَى أَخُو الوجدِ ويشتاقُ).
- الشاهد هنا أن التفعيلة الأخيرة (الضرب) تأتي بوزن مَفاعِيلُنْ.
ومثال آخر أوضح على الصحة في الضرب:
أَيا مَنْ لامَ في الحُبِّ ... ولَمْ يَعْلَمْ جَوَى قَلْبي
التقطيع:
- أَيا مَنْ لا: (//ه/ه/ه) -> مَفاعِيلُنْ.
- مَ فِلْ حُبْبِ: (//ه/ه/ه) -> مَفاعِيلُنْ. (العروض صحيحة).
- وَلَمْ يَعْلَمْ: (//ه/ه/ه) -> مَفاعِيلُنْ.
- جَوَى قَلْبي: (//ه/ه/ه) -> مَفاعِيلُنْ. (الضرب صحيح).
الحالة الثانية: العروض صحيحة والضرب محذوف
هنا يحدث تغيير في نغمة نهاية البيت. العروض تبقى (مَفاعِيلُنْ)، لكن الضرب يُحذف منه السبب الخفيف الأخير، فتتحول (مَفاعِيلُنْ) إلى (مَفاعِي). وعلماء العروض ينقلون (مَفاعِي) إلى اللفظ المكافئ لها وهو (فَعُولُنْ) لسهولة النطق.
المثال التطبيقي:
ومَنْ كانَ ظَلُوماً ... فَقَدْ باءَ بِخُسْرانْ
التحليل الدقيق:
الشطر الأول (الصدر):
- (وَمَنْ كانَ): الرموز (//ه/ه/). لاحظ هنا غياب النون الساكنة (السابعة). هذه التفعيلة أصابها "الكف"، فوزنها مَفاعِيلُ.
- (ظَلُوماً): الرموز (//ه/ه/ه). التفعيلة مَفاعِيلُنْ (صحيحة). إذن العروض صحيحة.
الشطر الثاني (العجز):
- (فَقَدْ باءَ): الرموز (//ه/ه/). أصابها الكف أيضاً، فهي مَفاعِيلُ.
- (بِخُسْرانْ): الرموز (//ه/ه/ه). لحظة! دعونا نتدقيق في نطق "بِخُسْرانْ". (بِخُسْ / را / نْ). حركتان وسكون، حركة وسكون، سكون.
- التقطيع الصحيح للمثال الوارد في هذا النوع عادة ما ينتهي بوزن (فَعُولُنْ). لنأخذ مثالاً آخر من الكتاب لتوضيح "الحذف" بشكل أدق.
يقول المثال:
أَرَى الدُّنْيا غُروراً ... وَما فِيها غُرورا
الضرب هنا في كلمة (غُرورا). لنقطعها: غُ (/) رو (/ه) را (/ه). الرمز (//ه/ه). هذا يوازي وزن (فَعُولُنْ). هنا حدث الحذف، حيث سقط السبب الخفيف من (مَفاعِيلُنْ) فأصبحت (مَفاعِي) = (فَعُولُنْ).
خامساً: ورشة عمل عروضية (تدريبات وملاحظات)
لإتقان بحر الهزج، لا بد من الممارسة. إليكم مجموعة من الأبيات الشعرية المختارة التي وردت كنماذج، حاولوا تقطيعها بأنفسكم ثم قارنوا إجاباتكم:
1. البيت: "شَجاني دارِسُ الرَّسْمِ ... فَعَيْني دَمْعُها سَجْمُ"
- شجاني دا: (//ه/ه/ه) -> مَفاعِيلُنْ (سالمة).
- رِسُ رْرَسْمِي: (//ه/ه/ه) -> مَفاعِيلُنْ (سالمة).
- فعيني دمـ: (//ه/ه/ه) -> مَفاعِيلُنْ (سالمة).
- ـعُها سَجْمُ: (//ه/ه/ه) -> مَفاعِيلُنْ (سالمة).
- النتيجة: بحر هزج، عروضه صحيحة وضربه صحيح.
2. البيت: "فَطَعْمُ المَوْتِ في أَمْرٍ حَقِيرٍ ... كَطَعْمِ المَوْتِ في أَمْرٍ عَظِيمِ"
- انتبهوا هنا عند التقطيع إلى التقاء السواكن والهمزات.
- (فَطَعْمُ لْمَوْ): مَفاعِيلُنْ.
- (تِ فِي أَمْرِنْ): مَفاعِيلُنْ.
- (حَقِيرٍ): هذه التكملة قد تكون تابعة لبيت آخر أو مجزوءة، لكن الشاهد هو سريان النغمة (مَفاعِيلُنْ) بوضوح.
نصائح ذهبية للطالب المتفوق:
- التنغيم الصوتي: قبل استخدام الورقة والقلم، اقرأ البيت بصوت مسموع وملحن (مَ-فا-عي-لُن). إذا استقام اللحن معك، فأنت في الطريق الصحيح.
- انتبه للزحافات: لا تتوقع دائماً أن تجد (مَفاعِيلُنْ) كاملة. تذكر (مَفاعِيلُ) المكفوفة، فهي تتكرر كثيراً في الهزج ولا تكسر البيت.
- الكتابة العروضية: هي مفتاح الحل. تذكر أن التنوين يُكتب نوناً (ظَلُوماً -> ظَلُومَنْ)، واللام الشمسية تُحذف (الرَّسْم -> رْرَسْم).
بحر الهزج هو بوابة رائعة للدخول إلى عالم العروض؛ فهو بسيط التركيب، واضح النغم، ولطيف الوقع على الأذن. لقد استعرضنا اليوم وزنه المجزوء وجوباً (أربع تفعيلات)، وتعرفنا على عروضه الصحيحة دائماً، وضربيه (الصحيح والمحذوف). وتذكروا دائماً أن العروض ليس مجرد رموز وحسابات، بل هو حس موسيقي ينمو بكثرة القراءة والاستماع للشعر العربي الفصيح.
نأمل أن يكون هذا الشرح قد أزال أي غموض حول هذا البحر، وجعلكم أكثر حماسة لتقطيع أبيات الشعر وتذوق جمالياتها.
