أهلاً بكم يا طلاب العلم ومحبي اللغة العربية في هذا الدرس المتعمق. عندما نتحدث عن العروض، فإننا لا نتحدث عن مجرد معادلات رياضية جافة، بل عن الموسيقى الداخلية التي تضبط إيقاع الشعر العربي. واليوم، نضع تحت المجهر واحداً من أهم وأوسع البحور انتشاراً في ذاكرة الشعر العربي، ألا وهو "بحر البسيط".
![]() |
| شرح بحر البسيط عروضياً | مفتاحه وتفعيلاته بالأمثلة |
هذا المقال ليس مجرد سرد للقواعد، بل هو "محاضرة مكتوبة" تعتمد كلياً على المادة العلمية الموثقة، صممت لتكون مرجعاً يغنيك عن غيره، ويأخذ بيدك من مجرد حفظ التفعيلات إلى إتقان التقطيع العروضي وفهم الفروقات الدقيقة بين الصور المختلفة لهذا البحر.
أولاً: لماذا "البسيط"؟ وما هو وزنه الأصلي؟
يحتل بحر البسيط مكانة خاصة؛ فهو بحر "ممتد"، وتسميته بالبسيط جاءت من "الانبساط"، أي الامتداد في الأسباب (والسبب في العروض هو مقطع صوتي مكون من حرفين). هذا الامتداد يمنحه نفساً طويلاً يناسب القصائد الجادة، والفخر، والوصف الدقيق.
مفتاح البحر وضابطه الصوتي
لكي تضبط إيقاع هذا البحر في ذهنك ولا يختلط عليك بغيره، عليك بحفظ المفتاح العروضي الذي وضعه الخليل بن أحمد، وهو بمثابة "النغمة" المرجعية:
مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ
لاحظ هنا أن البحر يتكون في الأصل من ثماني تفعيلات (أربع في الصدر، وأربع في العجز). التفعيلات تتبادل الأدوار بين تفعيلة سباعية (مُسْتَفْعِلُنْ) وتفعيلة خماسية (فَاعِلُنْ).
ثانياً: التغييرات والزحافات (ما يطرأ على التفعيلات)
الشعر العربي لا يسير دائماً على الوزن المثالي (السالم)، بل تعتريه تغييرات تزيد من جماليته وتمنع الرتابة. في بحر البسيط، وبحسب النصوص الواردة في منهجنا، هناك تغييرات محددة يجب أن تنتبه لها جيداً عند التقطيع:
1. الخَبْن في "مُسْتَفْعِلُنْ"
التفعيلة الأصلية هي (مُسْتَفْعِلُنْ) ورمزها العروضي (/0/0//0). التغيير الأكثر شيوعاً هو "الخَبْن"، وهو حذف الحرف الثاني الساكن (السين).
النتيجة: تصبح التفعيلة (مُتَفْعِلُنْ) ورمزها (///0//0). هذا التغيير جائز وشائع جداً في حشو البيت.
2. الخَبْن في "فَاعِلُنْ"
التفعيلة الثانية هي (فَاعِلُنْ) ورمزها (/0//0). يدخلها الخَبْن أيضاً بحذف الثاني الساكن (الألف).
النتيجة: تصبح التفعيلة (فَعِلُنْ) ورمزها (///0).
تنبيه هام للطلاب: تحول (فَاعِلُنْ) إلى (فَعِلُنْ) في "عروض" البيت (أي التفعيلة الأخيرة من الشطر الأول) هو القاعدة الغالبة في البسيط التام، وليس الاستثناء.
3. الطي (نادر ولكنه وارد)
قد يأتي "الطي" وهو حذف الرابع الساكن (الفاء) من (مُسْتَفْعِلُنْ) فتصبح (مُسْتَعِلُنْ)، ولكن التركيز الأكبر في التطبيقات العملية يكون على "الخَبْن".
ثالثاً: صور "بحر البسيط" في القصيدة العربية
ينقسم استعمال هذا البحر إلى نوعين رئيسيين: التام (بثماني تفعيلات)، والمجزوء (بست تفعيلات). وسنفصل كل نوع بالأمثلة الموثقة.
النوع الأول: البسيط التام
في هذا النوع، تبقى تفعيلات البيت ثمانياً. وله عروض (نهاية الشطر الأول) واحدة، وضربان (نهاية الشطر الثاني).
الصورة الأولى: العروض مخبونة (فَعِلُنْ) والضرب مخبون (فَعِلُنْ)
هذه هي الصورة الأكثر انسيابية، حيث يتطابق الشطران في النهاية. لنقم بتقطيع المثال التالي عروضياً:
التقطيع الصوتي والرموز:
- أُحِلْ لَ سَفْ (مُتَفْعِلُنْ): دخلها الخبن (حذف السين). الرمز: ///0//0
- كُ دَمِي (فَعِلُنْ): دخلها الخبن (حذف الألف). الرمز: ///0
- فِلْ أَشْ هُرِ لْ (مُسْتَفْعِلُنْ): جاءت سالمة. الرمز: /0/0//0
- حُرُمِي (فَعِلُنْ): العروض مخبونة (وهذا هو الشاهد). الرمز: ///0
الصورة الثانية: العروض مخبونة (فَعِلُنْ) والضرب مقطوع (فَاعِلْ/فَعْلُنْ)
هنا يحدث تغيير في "الضرب"، وهو "القطع". القطع يعني حذف ساكن الوتد المجموع وتسكين ما قبله. تتحول (فَاعِلُنْ) إلى (فَاعِلْ) وتساوي وزناً (فَعْلُنْ /0/0). هذه القفلة تعطي جرساً قوياً للبيت.
التحليل: في هذا البيت تحديداً (مطلع قصيدة المتنبي)، جاءت العروض (نهاية الشطر الأول) مقطوعة أيضاً (عِيدُ = فَعْلُنْ) لتوافق الضرب (تَجْدِيدُ = فَعْلُنْ) وهذا ما يسمى بـ"التصريع"، وهو تجميل مطلع القصيدة بجعل العروض مثل الضرب، لكن القاعدة الأصلية أن العروض تكون (فَعِلُنْ).
النوع الثاني: مجزوء البسيط
المجزوء هو ما حُذِف منه جزء، وهنا تُحذف التفعيلة الأخيرة من كل شطر (تفعيلة "فاعلن")، ليصبح البيت مكوناً من ست تفعيلات فقط. الوزن يصبح:
مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ ... مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ
في مجزوء البسيط، تصبح (مُسْتَفْعِلُنْ) هي العروض والضرب. وله صور خاصة:
- الصورة الصحيحة: تكون العروض صحيحة (مُسْتَفْعِلُنْ) والضرب صحيحاً (مُسْتَفْعِلُنْ).
- الصورة المذيّلة (التذييل): التذييل هو زيادة حرف ساكن على ما آخره وتد مجموع. فتتحول (مُسْتَفْعِلُنْ) إلى (مُسْتَفْعِلَانْ /0/0//00).
مثال تطبيقي على المجزوء (مع التذييل):
التقطيع (العجز):
- كانَتْ تُمَنْ (مُسْتَفْعِلُنْ): سالمة.
- نِيكَ مِنْ (فَاعِلُنْ): سالمة.
- حُسْنِ لْ وِصَالْ (مُسْتَفْعِلَانْ): هنا الضرب جاء مذيلاً (بإشباع الألف واللام الساكنة)، وهذا جائز شائع في المجزوء.
رابعاً: تطبيقات عملية وكيفية التقطيع (خطوة بخطوة)
لإتقان بحر البسيط، يجب أن نتدرب على الكتابة العروضية. إليك عزيزي الطالب طريقة التعامل مع الأبيات التي قد تواجهك في الامتحان أو الدراسة، مستخلصة من تدريبات الكتاب (صفحة 192):
مثال: وَما سُعادُ غَداةَ البَيْنِ إِذْ رَحَلُوا
- الكتابة العروضية (ما يُنطق يُكتب):
وَمَا سُعَا / دُ غَدَا / تَ لْ بَيْ نِ إِذْ / رَحَلُوا - وضع الرموز (الحركات والسكنات):
//0//0 - ///0 - /0/0//0 - ///0
(لاحظ: "دُ غَدَا" حركتها ///0 وهي "فَعِلُنْ"، و "رَحَلُوا" حركتها ///0 وهي "فَعِلُنْ"). - تحديد التفعيلات:
مُتَفْعِلُنْ (مخبونة) - فَعِلُنْ (مخبونة) - مُسْتَفْعِلُنْ (صحيحة) - فَعِلُنْ (مخبونة).
خامسًا: ملخص القواعد الذهبية لبحر البسيط
بناءً على ما ورد في الملف، نلخص لك أهم النقاط التي يجب تثبيتها في ذهنك:
- التمييز عن الرجز: البسيط يتضمن تفعيلة (فَاعِلُنْ) بين كل تفعيلتي (مُسْتَفْعِلُنْ). إذا غابت (فَاعِلُنْ) ووجدت (مُسْتَفْعِلُنْ) تتكرر وحدها، فأنت في بحر الرجز، وليس البسيط.
- العروض المخبونة: في البسيط التام، اعتدْ أن ترى العروض بوزن (فَعِلُنْ) وليس (فَاعِلُنْ)، فهذا هو الغالب والأفصح.
- الضرب المتنوع: انظر دائماً إلى الكلمة الأخيرة في البيت. إذا انتهت بساكنين (مثل "وِصَالْ") في المجزوء، فهذا تذييل. وإذا كانت قصيرة وحازمة (مثل "عِيدُ" أو "جِيدِ") في التام، فهذا قطع.
- مرونة "مستفعلن": لا ترتبك إذا رأيتها (مُتَفْعِلُنْ) بحذف السين، فهذا الزحاف لا يكسر الوزن بل يسرّعه.
كلمة أخيرة للمعلمين والطلاب
إن دراسة بحر البسيط تكشف لنا عبقرية الإيقاع العربي. هذا البحر ليس مجرد قالب، بل هو وعاء اتسع لأجمل قصائدنا، من معلقة امرئ القيس (قِفَا نَبْكِ...) التي نُظمت على أوزان الطويل (عفواً، للتوضيح: البسيط يشترك مع الطويل في الفخامة لكن يختلف في التركيب)، إلى قصائد المتنبي وشوقي.
نصيحتي لكم عند التطبيق: ابدأوا بتقطيع الأبيات السهلة الواردة في فقرة "تدريبات على البحر الطويل"، اكتبوها صوتياً، ثم ضعوا الرموز. الممارسة هي السبيل الوحيد لتحويل هذه القواعد النظرية إلى مهارة بديهية. تذكروا أن العروض علم صوتي بالدرجة الأولى؛ فما تسمعه أذنك وتستسيغه، هو الحكم الأول والأخير.
