تعتبر اللغة العربية من أدق اللغات في نظامها الصرفي، حيث يُعد تصنيف الأفعال وفهم بنيتها الحجر الأساس لإتقان النحو والصرف. ومن أهم الأبواب التي يرتكز عليها الدارسون واللغويون هو باب الفعل الصحيح والفعل المعتل. إن التمييز بين هذين النوعين لا يتوقف فقط على معرفة شكل الكلمة، بل يتعداه إلى فهم جذورها وأصولها المجردة.
![]() |
| شرح الفعل الصحيح والفعل المعتل: القواعد، الأقسام، والتطبيقات |
في هذا المقال الموسع، سنقدم شرحاً أكاديمياً مفصلاً لكل ما يتعلق بتقسيم الفعل من حيث الصحة والاعتلال، مستندين إلى القواعد اللغوية الدقيقة والأمثلة التوضيحية، لنضع بين يديك مرجعاً كاملاً يغنيك عن البحث المتفرق.
المفهوم الأساسي: كيف نحكم على الفعل؟
قبل الدخول في تفاصيل الأنواع، يجب أن نؤسس لقاعدة ذهبية في النحو العربي: "الحكم على الفعل يكون بالنظر إلى حروفه الأصلية". هذا يعني أننا لا ننظر إلى الفعل في صيغة المضارع أو الأمر، ولا نلتفت إلى أحرف الزيادة، بل يجب إعادة الفعل إلى صورته الماضية المجردة لمعرفة حقيقته.
بناءً على نوع الحروف الأصلية، ينقسم الفعل إلى قسمين رئيسيين:
- الفعل الصحيح: وهو ما خلت حروفه الأصلية تماماً من أحرف العلة.
- الفعل المعتل: وهو ما كان أحد حروفه الأصلية (أو أكثر) حرف علة.
وللتذكير، فإن أحرف العلة في لغتنا هي ثلاثة: (الألف، والواو، والياء). وأي حرف آخر غير هذه الثلاثة يسمى "حرفاً صحيحاً".
القسم الأول: الفعل الصحيح بالتفصيل
الفعل الصحيح هو الفعل القوي الذي سلمت أصوله من الضعف (العلة). عندما نقول "كتب" أو "جلس"، فإن كل حرف من حروف هذين الفعلين هو حرف صحيح قوي يقبل الحركات الإعرابية بوضوح. وينقسم الفعل الصحيح بناءً على وجود "الهمزة" أو "التضعيف" (الشدة) فيه إلى ثلاثة أنواع دقيقة:
1. الفعل الصحيح السالم
هو النوع الأكثر شيوعاً وبساطة. ويُعرف بأنه الفعل الذي سلمت حروفه الأصلية من الهمز والتضعيف. هذا يعني شرطين أساسيين:
- ألا يحتوي جذره على همزة (أ، ؤ، ئ).
- ألا يحتوي جذره على حرف مضعف (مشدد) أصلي.
أمثلة توضيحية:
- (عَلِمَ): فعل ماضٍ ثلاثي، جميع حروفه (العين، اللام، الميم) صحيحة، وليس فيه همزة ولا شدة.
- (ذَهَبَ): فعل صحيح سالم لخلوه من العلة والهمز والتضعيف.
- (نَظَرَ): فعل صحيح سالم أيضاً.
- (اعْمَل): هذا فعل أمر، وللحكم عليه نرده للماضي (عَمِلَ)، فنجده صحيحاً سالماً.
- (يَكْتُبُ): المضارع من (كَتَبَ)، وهو صحيح سالم.
2. الفعل الصحيح المهموز
وهو ما كان أحد حروفه الأصلية "همزة". ولا يشترط موقع محدد للهمزة، فقد تأتي في أول الفعل، أو في وسطه، أو في آخره. المهم أن تكون الهمزة جزءاً من بنية الكلمة وليست همزة وصل أو قطع زائدة.
صور الفعل المهموز:
- همزة في أول الفعل: مثل (أَخَذَ)، (أَمَرَ)، (أَذِنَ). نلاحظ أن الحرف الأول أصلي وهو همزة.
- همزة في وسط الفعل: مثل (سَأَلَ)، حيث وقعت الهمزة عيناً للفعل.
- همزة في آخر الفعل: مثل (قَرَأَ)، (بَدَأَ). هنا الهمزة لام الفعل.
3. الفعل الصحيح المضعَّف
التضعيف يعني التكرار أو الشدة، وهو نوعان في الفعل الصحيح:
أ- المضعَّف الثلاثي:
هو الفعل الذي يتكون من ثلاثة أحرف، ولكن الحرف الثاني والثالث هما في الأصل حرف واحد مكرر تم إدغامهما معاً ليصيرا حرفاً واحداً مشدداً.
القاعدة: ما كان وسطه وآخره من جنس واحد.
أمثلة:
- (مَدَّ): أصله (مَدَدَ).
- (عَدَّ): أصله (عَدَدَ).
- (شَدَّ): بمعنى قوى وأحكم.
- (رَدَّ): بمعنى أجاب أو أرجع.
ب- المضعَّف الرباعي:
هو الفعل الرباعي المجرد (المكون من أربعة أحرف أصلية) الذي يتشابه فيه الحرف الأول مع الثالث، والحرف الثاني مع الرابع. أي أنه تكرار لمقطعين صوتيين.
أمثلة:
- (وَسْوَسَ): الواو الأولى تشبه الثالثة، والسين الثانية تشبه الرابعة.
- (زَلْزَلَ): تكرار اللام والزاي.
- (لَمْلَمَ): بمعنى جمع الشتات.
- (قَلْقَلَ): بمعنى حرك.
القسم الثاني: الفعل المعتل وأنواعه المتعددة
ننتقل الآن إلى القسم الثاني، وهو الفعل المعتل. سُمي معتلاً لأن حروف العلة (الألف، الواو، الياء) تتسم بالتغير، والقلب، والحذف، وعدم الثبات، تماماً كما يتغير حال العليل (المريض). ويصنف الفعل المعتل حسب موقع حرف العلة في الكلمة إلى خمسة أنواع تفصيلية:
1. الفعل المعتل المثال
هو الفعل الذي يكون أول حروفه الأصلية حرف علة. وفي الغالبية العظمى من الأفعال في اللغة العربية، يكون حرف العلة في البداية هو "الواو"، ونادراً ما يكون "الياء".
أمثلة:
- (وَزَنَ): بدأ بحرف الواو، فهو معتل مثال.
- (وَعَدَ): مثال واوي.
- (وَجَدَ): مثال واوي.
- (يَئِسَ): مثال يائي (بدأ بالياء).
2. الفعل المعتل الأجوف
سمي أجوفاً لأن العلة تقع في "جوفه" أي في وسطه. وتعريفة الدقيق: هو ما كان وسطه (عينه) حرف علة.
أمثلة وتوضيح:
- (قَالَ): وسطه ألف (أصلها واو: يقول)، فهو أجوف.
- (بَاعَ): وسطه ألف (أصلها ياء: يبيع)، فهو أجوف.
- (طَارَ): يطير، أجوف.
- (صَامَ): يصوم، أجوف.
من المهم ملاحظة أن الألف في وسط الفعل الأجوف غالباً ما تكون منقلبة عن أصل (واو أو ياء)، ونعرف هذا الأصل بالعودة للمضارع أو المصدر.
3. الفعل المعتل الناقص
هو ما كان آخر حروفه الأصلية (لامه) حرف علة. سُمي ناقصاً لأن حرف العلة الأخير غالباً ما يُحذف عند دخول الجوازم أو عند تصريف الأمر.
أمثلة:
- (سَعَى): ينتهي بألف مقصورة، فهو ناقص.
- (دَنَا): ينتهي بألف ممدودة، فهو ناقص.
- (سَمَا): يسمو، ناقص.
- (سَقَى): يسقي، ناقص.
- (نَهَى): ينهى، ناقص.
- (عَوَى): (إذا اعتبرنا آخره فقط، ولكن انظر اللفيف أدناه).
4. اللفيف (اجتماع حرفي علة)
قد يجتمع في الفعل الواحد حرفا علة، وهنا نطلق عليه اسم "اللفيف"، وهو نوعان:
أ- اللفيف المفروق:
هو ما كان أوله وآخره حرفي علة، ويفرق بينهما حرف صحيح في المنتصف. كأن الحرف الصحيح فرق بين المعتلين.
أمثلة:
- (وَعَى): الواو في الأول (علة)، والألف اللينة في الآخر (علة)، والعين (صحيح) تفرق بينهما.
- (وَشَى): أوله وآخره علة.
- (وَقَى): بمعنى حمى.
ب- اللفيف المقرون:
هو ما كان وسطه وآخره حرفي علة، حيث اقترن حرفا العلة ببعضهما البعض دون فاصل.
أمثلة:
- (رَوَى): الواو والألف اللينة متجاوران في الوسط والآخر.
- (عَوَى): الذئب، لفيف مقرون.
- (طَوَى): الورقة، لفيف مقرون.
- (حَيِيَ): لفيف مقرون بالياء.
تطبيقات عملية ومنهجية التحليل
لكي تتقن استخراج نوع الفعل، اتبع الخطوات المنهجية التالية التي استخلصناها من الأمثلة الواردة في الجدول الصرفي:
-
الخطوة الأولى: التجرد (الماضي هو المفتاح)
إذا جاءك الفعل مضارعاً مثل (يقرأ)، لا تحكم عليه بوجود الياء في أوله وتقول إنه معتل مثال! بل رده للماضي (قَرَأ). ستجد أنه خالٍ من العلة وفيه همزة في آخره، إذن هو صحيح مهموز. -
الخطوة الثانية: حذف الزيادة
إذا كان الفعل مزيداً، جرد حروفه. مثال: (اسْتَقَامَ). احذف (استـ) ليتبقى الجذر (قَامَ). وسطه ألف، إذن هو معتل أجوف. مثال آخر: (انتَصَرَ) أصله (نَصَرَ)، فهو صحيح سالم. -
الخطوة الثالثة: تحديد نوع العلة أو الصحة
انظر للجذر المجرد:
- هل فيه (أ، و، ي)؟ نعم ← حدد موقعها (مثال، أجوف، ناقص، لفيف).
- لا يوجد (أ، و، ي)؟ ← ابحث عن الهمزة (مهموز) أو الشدة (مضعف)، وإلا فهو (سالم).
أمثلة متقدمة للتدريب
لنطبق القواعد السابقة على مجموعة من الأفعال المختارة بدقة:
| الفعل (كما يرد في الجملة) | أصله (الماضي المجرد) | نوعه | السبب |
|---|---|---|---|
| يُحِبُّ | حَبَّ | صحيح مضعف ثلاثي | لأن وسطه وآخره من جنس واحد (الباء المشددة). |
| قُلْ | قَالَ | معتل أجوف | لأن وسطه حرف علة. |
| يَسْعَى | سَعَى | معتل ناقص | لأن آخره حرف علة. |
| وَسْوَسَ | وَسْوَسَ | صحيح مضعف رباعي | لتكرار حرفي الواو والسين (انتبه: الواو هنا أصلية لكن الفعل يُصنف كمضعف رباعي في باب الصحيح عند كثير من الصرفيين لتكرار الحروف، أو معتل لفيف مفروق بحسب زاوية النظر، ولكن في سياق المضعف الرباعي هو المثال الأشهر). |
| خُذْ | أَخَذَ | صحيح مهموز | لوجود الهمزة في أول أصله. |
خاتمة
إن فهم الفروق الدقيقة بين الفعل الصحيح والفعل المعتل يعد مهارة محورية لكل من يرغب في التحدث بالعربية بطلاقة أو الكتابة بها بدقة. القواعد التي استعرضناها، بدءاً من السالم والمهموز والمضعف، وصولاً إلى المثال والأجوف والناقص واللفيف، تشكل خارطة طريق واضحة للتعامل مع الأفعال. تذكر دائماً أن "التجرد" هو سر الصنعة النحوية؛ فكلما استطعت الوصول إلى جذر الكلمة، كان حكمك عليها صائباً.
